محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٢٢ من سورة التوبة في ١١٨ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٣ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٢٢ من سورة التوبة

١١٨ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقّهُواْ فِي الدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوَاْ إِلَيْهِمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره : ولم يكن المؤمنون لينفروا جميعا. وقد بيّنا معنى الكافّة بشواهده وأقوال أهل التأويل فيه، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.
ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله بهذه الآية وما النفر الذي كرهه لجميع المؤمنين، فقال بعضهم : هو نفر كان من قوم كانوا بالبادية بعثهم رسول الله ﷺ يعلمون الناس الإسلام، فلما نزل قوله : ما كانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَن حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أنْ يَتَخَلّفُوا عَنْ رَسُولِ اللّهِ انْصَرفوا عن البادية إلى النبيّ ﷺ خشية أن يكونوا ممن تخلف عنه وممن عني بالآية. فأنزل الله في ذلك عذرهم بقوله : وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافّةً وكره انصراف جميعهم من البادية إلى المدينة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائفَةٌ قال : ناس مِن أصحاب محمد ﷺ خرجوا في البوادي، فأصابوا من الناس معروفا ومن الخصب ما ينتفعون به، ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال الناس لهم : ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجا، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبيّ ﷺ، فقال الله : فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ يبتغون الخير، لِيَتَفَقّهُوا وليسمعوا ما في الناس، وما أنزل الله بعدهم، وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ الناس كلهم، إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال في حديثه : فقال الله : فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ خرج بعض وقعد بعض، يبتغون الخير.
قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحو حديثه، عن أبي حذيفة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد نحو حديث المثنى عن أبي حذيفة، غير أنه قال في حديثه : ما نراكم إلا قد تركتم صاحبكم، وقال : ليَتَفَقّهُوا ليسمعوا ما في الناس.
وقال آخرون : معنى ذلك : وما كان المؤمنون لينفروا جميعا إلى عدوّهم ويتركوا نبيهم ﷺ وحده. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافّةً قال : ليذهبوا كلهم، فلولا نفر من كلّ حيّ وقبيلة طائفة وتخلف طائفة ليتفقهوا في الدين، ليتفقه المتخلفون مع النبيّ ﷺ في الدين، ولينذر المتخلفون النافرين إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافّةً يقول : ما كان المؤمنون لينفروا جميعا ويتركوا النبيّ ﷺ وحده. فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ يعني عصبة، يعني السرايا، ولا يتسروا إلا بإذنه، فإذا رجعت السرايا، وقد نزل بعدهم قرآن تعلمه القاعدون من النبيّ ﷺ، قالوا : إن الله قد أنزل على نبيكم بعدكم قرآنا وقد تعلمناه فيمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم ويبعث سرايا أخر، فذلك قوله : لِيَتَفَقّهُوا فِي الدّينِ يقول : يتعلمون ما أنزل الله على نبيه، ويعلمونه السرايا إذا رجعت إليهم لعلهم يحذرون.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافّةً. . . . إلى قوله : لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ قال : هذا إذا بعث نبيّ الله الجيوش أمرهم أن لا يعرّوا نبيه وتقيم طائفة مع رسول الله ﷺ تتفقه في الدين، وتنطلق طائفة تدعو قومها وتحذّرهم وقائع الله فيمن خلا قبلهم.
حدثنا الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافّةً. . . الآية، كان نبيّ الله إذا غزا بنفسه لم يحلّ لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه إلا أهل العذر، وكان إذا أقام فأسرت السرايا لم يحلّ لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه. فكان الرجل إذا أسرى فنزل بعده قرآن تلاه نبيّ الله على أصحابه القاعدين معه، فإذا رجعت السرية قال لهم الذي أقاموا مع رسول الله ﷺ : إن الله أنزل بعدكم على نبيه قرآنا فيقرءونهم، ويفقهونهم في الدين. وهو قوله : وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافّةً يقول : إذا أقام رسول الله ﷺ، فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ يعني بذلك أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعا ونبيّ الله قاعد، ولكن إذا قعد نبيّ الله تسرّت السرايا وقعد معه معظم الناس.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ما هؤلاء الذين نفروا بمؤمنين، ولو كانوا مؤمنين لم ينفر جميعهم ولكنهم منافقون، ولو كانوا صادقين أنهم مؤمنون لنفر بعض ليتفقه في الدين ولينذر قومه إذا رجع إليهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافّةً فإنها ليست في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله ﷺ على مضر بالسنين، أجدبت بلادهم، وكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد، ويعتلوا بالإسلام وهم كاذبون، فضيقوا على أصحاب النبيّ ﷺ وأجهدوهم. وأنزل الله يخبر رسول الله ﷺ أنهم ليسوا مؤمنين، فردّهم رسول الله إلىَ عشائرهم، وحذّر قومهم أن يفعلوا فعلهم فذلك قوله : وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعلّهُمْ يَحْذَرُونَ.
وقد رُوي عن ابن عباس في ذلك قول ثالث، وهو ما :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافّةً. . . إلى قوله : لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ قال : كان ينطلق من كلّ حيّ من العرب عصابة فيأتون النبيّ ﷺ فيسألونه عما يريدونه من دينهم ويتفقهون في دينهم، ويقولون لنبيّ الله : ما تأمرنا أن نفعله وأخبرنا ما نقول لعشائرنا إذا انطلقنا إليهم قال فيأمرهم نبيّ الله بطاعة الله وطاعة رسوله، ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة. وكانوا إذا أتوا قومهم نادوا : إن من أسلم فهو مّنا وينذرونهم، حتى إن الرجل ليعرّف أباه وأمه. وكان رسول الله ﷺ يخبرهم وينذرون قومهم، فإذا رجعوا إليهم يدعونهم إلى الإسلام وينذرونهم النار ويبشرونهم بالجنة.
وقال آخرون : إنما هذا تكذيب من الله لمنافقين أزروا بأعراب المسلمين وعزّروهم في تخلفهم خلاف رسول الله ﷺ، وهم ممن قد عذره الله بالتخلف. ذكر من قال ذلك :
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان الأحول، عن عكرمة قال : لما نزلت هذه الآية : ما كانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَن حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أنْ يَتَخَلّفُوا عَنْ رَسُولِ اللّهِ. . . إلى : إنّ اللّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنينَ قال ناس من المنافقين : هلك من تخلف فنزلت : وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافّةً. . . إلى : لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ، ونزلت : وَالّذِينَ يُحاجّونَ فِي اللّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجّتُهُمْ دَاحِضَةٌ. . . الآية.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، قال : حدثنا سليمان الأحول عن عكرمة، قال : سمعته يقول : لما نزلت : إلاّ تَنْفِرُوا يُعَذّبْكُمْ عَذَابا ألِيما وَما كانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَن حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ. . . إلى قوله : لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ قال المنافقون : هلك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه وقد كان ناس من أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا إلى البدو إلى قومهم يفقهونهم، فأنزل الله : وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ. . . إلى قوله : لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ، ونزلت : والّذِينَ يُحاجّونَ في اللّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ. . . الآية.
واختلف الذين قالوا عني بذلك النهي عن نفر الجميع في السرية وترك النبيّ عليه الصلاة والسلام وحده في المعنيين بقوله : لِيَتَفَقّهُوا فِي الدّينَ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ فقال بعضهم : عني به الجماعة المتخلفة مع رسول الله ﷺ. وقالوا : معنى الكلام : فهلا نفر من كلّ فرقة طائفة للجهاد ليتفقه المتخلفون في الدين ولينذروا قومهم الذين نفروا في السرية إذا رجعوا إليهم من غزوهم وذلك قول قتادة، وقد ذكرنا رواية ذلك عنه من رواية سعيد بن أبي عروبة. وقد :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقّهُوا فِي الدّينِ. . . الآية، قال : ليتفقه الذين قعدوا مع نبي الله. وَليُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهمْ يقول : لينذروا الذين خرجوا إذا رجعوا إليهم.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن وقتادة : وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافّةً قالا : كافة، ويدعوا النبيّ ﷺ.
وقال آخرون منهم : بل معنى ذلك : لتتفقه الطائفة النافرة دون المتخلفة وتحذر النافرةُ المتخلفةَ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن : فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقّهُوا فِي الدّينِ قال : ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال : تأويله : وما كان المؤمنون لينفروا جميعا ويتركوا رسول الله ﷺ وحده، وأن الله نهى بهذه الآية المؤمنين به أن يخرجوا في غزو وجهاد وغير ذلك من أمورهم ويدعوا رسول الله صلى الله عليه وس
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: "ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ"، وسائر ما ذكر = (ولا ينالون من عدوٍّ نيلا) = (ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة)، في سبيل الله (١) = (ولا يقطعون)، مع رسول الله في غزوه = (واديًا) إلا كتب لهم أجر عملهم ذلك، جزاءً لهم عليه، كأحسن ما يجزيهم على أحسن أعمالهم التي كانوا يعملونها وهم مقيمون في منازلهم، كما:-
١٧٤٦٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة)، الآية، قال: ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل الله بُعْدًا إلا ازدادوا من الله قربًا.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولم يكن المؤمنون لينفروا جميعًا. (٢)
* * *
وقد بينا معنى "الكافة" بشواهده، وأقوال أهل التأويل فيه، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع. (٣)
* * *
(١) لم يكن في المخطوطة ولا المطبوعة: " ولا كبيرة "، وزدتها لأنها حق الكلام.
(٢) انظر تفسير " النفر " فيما سلف ٨: ٥٣٦ / ١٤: ٢٥٤، ٣٩٩.
(٣) انظر تفسير " الكافة " فيما سلف ٤: ٢٥٧، ٢٥٨ / ١٤: ٢٤٢.
ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله بهذه الآية، وما "النفر"، الذي كرهه لجميع المؤمنين؟
فقال بعضهم: وهو نَفْرٌ كان من قوم كانوا بالبادية، بعثهم رسول الله ﷺ يعلمون الناس الإسلام، فلما نزل قوله: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله)، انصرفوا عن البادية إلى النبي صلى الله عليه وسلم، خشية أن يكونوا ممن تخلف عنه، وممن عُنِي بالآية. فأنزل الله في ذلك عذرهم بقوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة)، وكره انصرافَ جميعهم من البادية إلى المدينة.
* ذكر من قال ذلك:
١٧٤٦٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة)، قال: ناسٌ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، خرجوا في البوادي، فأصابوا من الناس معروفًا، ومن الخصب ما ينتفعون به، ودَعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال الناس لهم: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا! فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجًا، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة)، يبتغون الخير = (ليتفقهوا)، وليسمعوا ما في الناس، وما أنزل الله بعدهم = (ولينذروا قومهم)، الناس كلهم = (إذا رجعوا اللهم لعلهم يحذرون).
١٧٤٦٧- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله = إلا أنه قال في حديثه: فقال الله: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة)، خرج بعض، وقعد بعضٌ يبتغون الخير.
١٧٤٦٨-...... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحو حديثه عن أبي حذيفة.
١٧٤٦٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحو حديث المثنى عن أبي حذيفة = غير أنه قال في حديثه: ما نراكم إلا قد تركتم صاحبكم! وقال: (ليتفقهوا)، ليسمعوا ما في الناس.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: وما كان المؤمنون لينفروا جميعًا إلى عدوّهم، ويتركوا نبيهم ﷺ وحده، كما:-
١٧٤٧٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة)، قال: ليذهبوا كلهم = فلولا نفر من كل حي وقبيلة طائفة، وتخلف طائفة = (ليتفقهوا في الدين)، ليتفقه المتخلفون مع النبي ﷺ في الدين = ولينذر المتخلفون النافرين إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون.
* * *
* ذكر من قال ذلك:
١٧٤٧١- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة)، يقول: ما كان المؤمنون لينفروا جميعًا، ويتركوا النبي ﷺ وحده = (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة)، يعني عصبة، يعني السرايا، ولا يتَسرَّوا إلا بإذنه، فإذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن، تعلمه القاعدون من النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: "إن الله قد أنزل على نبيكم بعدكم قرآنا، وقد تعلمناه". فيمكث السرايا يتعلَّمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم، [ويبعث سرايا أخر، فذلك قوله: (ليتفقهوا في الدين)، يقول يتعلمون ما أنزل الله على نبيه]، (١) ويعلموا السرايا إذا رجعت
(١) ما بين القوسين، ليس في المخطوطة، وزاده ناشر المطبوعة من الدر المنثور ٣: ٢٩٢، فيما أرجح.
إليهم لعلهم يحذرون. (١)
١٧٤٧٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة)، إلى قوله: (لعلهم يحذرون)، قال: هذا إذا بعث نبيُّ الله الجيوشَ، أمرهم أن لا يُعَرُّوا نبيه، وتقيم طائفة مع رسول الله ﷺ تتفقه في الدين، وتنطلق طائفة تدعو قومها، وتحذرهم وقائع الله فيمن خلا قبلهم.
١٧٤٧٣- حدثنا الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة)، الآية، كان نبي الله إذا غزا بنفسه لم يحلَّ لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه، إلا أهل العذر. وكان إذا أقام فأسرت السرايا، لم يحلّ لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه. فكان الرجل إذا أسرى فنزل بعده قرآن، تلاه نبي الله على أصحابه القاعدين معه. فإذا رجعت السرية، قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أنزل بعدكم على نبيه قرآنا"، فيقرئونهم ويفقهونهم في الدين، وهو قوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة)، يقول: إذا أقام رسول الله ﷺ = (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة)، يعني بذلك: أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعًا ونبيُّ الله قاعد، ولكن إذا قعد نبيُّ الله، تسرَّت السرايا، وقعد معه عُظْمُ الناس.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما هؤلاء الذين نفروا بمؤمنين، ولو كانوا مؤمنين لم ينفر جميعهم، ولكنهم منافقون. ولو كانوا صادقين أنهم مؤمنون، لنفر بعضٌ ليتفقه في الدين، ولينذر قومه إذا رجع إليهم.
(١) كان في المطبوعة: " ويعلمونه "، وفي الدر: " ويعلموه "، وفي المخطوطة: " ويعلموا " عطفا على قوله: " ليفقهوا ".
* ذكر من قال ذلك:
١٧٤٧٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة)، فإنها ليست في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله ﷺ على مُضَر بالسِّنين أجدبت بلادهم، وكانت القبيلة منهم تُقْبل بأسرها حتى يحلُّوا بالمدينة من الجهْد، ويعتلُّوا بالإسلام وهم كاذبون، فضيَّقوا على أصحاب النبي ﷺ وأجهدوهم، وأنزل الله يخبر رسول الله ﷺ أنهم ليسوا مؤمنين، فردّهم رسول الله عشائرهم، وحذّر قومهم أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله: (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون).
* * *
وقد روي عن ابن عباس في ذلك قول ثالثٌ، وهو ما:-
١٧٤٧٥- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة)، إلى قوله: (لعلهم يحذرون)، قال: كان ينطلق من كل حيّ من العرب عصابةٌ، فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم، فيسألونه عما يريدونه من دينهم، ويتفقهون في دينهم، ويقولون لنبي الله: ما تأمرنا أن نفعله، وأخبرنا ما نقول لعشائرنا إذا انطلقنا إليهم؟ قال: فيأمرهم نبيّ الله بطاعة الله وطاعة رسوله، ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة. وكانوا إذا أتوا قومهم نادوا: "إن من أسلم فهو منَّا"، وينذرونهم، حتى إن الرجل ليعرِّف أباه وأمه. وكان رسول الله ﷺ يخبرهم وينذرون قومهم. (١) فإذا رجعوا إليهم، يدعونهم إلى الإسلام، وينذرونهم النار، ويبشرونهم بالجنة.
* * *
(١) هكذا جاءت هذه الجملة في المخطوطة والمطبوعة، وهي جملة غريبة التركيب، أخشى أن يكون سقط منها شيء
وقال آخرون: إنما هذا تكذيب من الله لمنافقين أزرَوْا بأعراب المسلمين وغيرهم، (١) في تخلُّفهم خِلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ممن قد عذره الله بالتخلف.
* ذكر من قال ذلك:
١٧٤٧٦- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان الأحول، عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية: (مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ)، إلى: (إن الله لا يضيع أجر المحسنين)، قال ناس من المنافقين: هلك من تخلف! فنزلت: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة)، إلى: (لعلهم يحذرون)، ونزلت: (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ)، الآية [سورة الشورى: ١٦].
١٧٤٧٧- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة قال، حدثنا سليمان الأحول، عن عكرمة، قال: سمعته يقول: لما نزلت: (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما) [سورة التوبة: ٣٩]، و (مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ)، إلى قوله: (ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون)، قال المنافقون: هلك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه! وقد كان ناس من أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا إلى البدو، إلى قومهم يفقهونهم، فأنزل الله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة)، إلى قوله: (لعلهم يحذرون)، ونزلت: (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ)، الآية.
* * *
واختلف الذين قالوا: "عُنى بذلك النهيُ عن نَفْر الجميع في السرية، وترك
(١) في المطبوعة: " بأعراب المسلمين وعزروهم "، والصواب ما في المخطوطة.
النبيّ عليه السلام وحده" في المعنيِّين بقوله: (ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم).
فقال بعضهم: عُنى به الجماعة المتخلفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالوا: معنى الكلام: فهلا نفر من كل فرقة طائفة للجهاد، ليتفقه المتخلفون في الدين، ولينذروا قومهم الذين نفروا في السرية إذا رجعوا إليهم من غزوهم؟ وذلك قول قتاده، وقد ذكرنا رواية ذلك عنه، من رواية سعيد بن أبي عروبة، (١) وقد:-
١٧٤٧٨- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين) الآية، قال: ليتفقه الذين قعدوا مع نبي الله = (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم)، يقول: لينذروا الذين خرجوا إذا رجعوا إليهم.
١٧٤٧٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن وقتادة: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة)، قالا كافة، ويَدَعوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم.
* * *
وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك: لتتفقه الطائفة النافرة دون المتخلفة، وتحذر النافرةُ المتخلفةَ.
* ذكر من قال ذلك:
١٧٤٨٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين)، قال: ليتفقه الذين خرجوا، بما يُريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
* * *
(١) انظر ما سلف رقم: ١٧٤٧٢.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: تأويلُه: وما كان المؤمنون لينفروا جميعًا ويتركوا رسول الله ﷺ وحده، وأن الله نهى بهذه الآية المؤمنين به أن يخرجوا في غزو وجهادٍ وغير ذلك من أمورهم، ويدعوا رسول الله ﷺ وحيدًا. ولكن عليهم إذا سَرَّى رسول الله سرية أن ينفر معها من كل قبيلة من قبائل العرب = وهي الفرقة (١) = (طائفة)، وذلك من الواحد إلى ما بلغ من العدد، (٢) كما قال الله جل ثناؤه: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة)، يقول: فهلا نفر من كل فرقةٍ منهم طائفة؟ (٣) وهذا إلى هاهنا، على أحد الأقوال التي رويت عن ابن عباس، وهو قول الضحاك وقتادة.
وإنما قلنا: هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الله تعالى ذكره حظر التخلف خلاف رسول الله ﷺ على المؤمنين به من أهل المدينة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن الأعراب، لغير عذر يُعذرون به، إذا خرج رسول الله لغزوٍ وجهادِ عدوٍّ قبل هذه الآية بقوله: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله)، ثم عقب ذلك جل ثناؤه بقوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة)، فكان معلومًا بذلك = إذْ كان قد عرّفهم في الآية التي قبلها اللازمَ لهم من فرض النَّفْر، والمباحَ لهم من تركه في حال غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشخوصه عن مدينته لجهاد عدوّ، وأعلمهم أنه لا يسعهم التخلف خِلافه إلا لعذر، بعد استنهاضه بعضهم وتخليفه بعضهم = أن يكون عَقِيب تعريفهم ذلك، تعريفُهم الواجبَ عليهم عند مقام رسول الله ﷺ بمدينته،
(١) انظر تفسير " الفريق " و " الفرقة " فيما سلف: ص: ٥٣٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير " طائفة " فيما سلف: ص: ٤٠٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير " لولا " فيما سلف ١١: ٣٥٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
وإشخاص غيره عنها، كما كان الابتداءُ بتعريفهم الواجب عند شخوصه وتخليفه بعضهم.
* * *
وأما قوله: (ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم)، (١) فإن أولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: ليتفقه الطائفة النافرة بما تعاين من نصر الله أهلَ دينه وأصحابَ رسوله، على أهل عداوته والكفر به، فيفقه بذلك من مُعاينته حقيقةَ علم أمر الإسلام وظهوره على الأديان، من لم يكن فقهه، ولينذروا قومهم فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس الله مثل الذي نزل بمن شاهدوا وعاينوا ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك = إذا هم رجعوا إليهم من غزوهم = (لعلهم يحذرون)، (٢) يقول: لعل قومهم، إذا هم حذروهم ما عاينوا من ذلك، يحذرون فيؤمنون بالله ورسوله، حذرًا أن ينزل بهم ما نزل بالذين أخبِروا خبرَهم.
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب، وهو قول الحسن البصري الذي رويناه عنه، (٣) لأن "النفر" قد بينا فيما مضى، أنه إذا كان مطلقًا بغير صلة بشيء، أنَّ الأغلب من استعمال العرب إياه في الجهاد والغزو. (٤) فإذا كان ذلك هو الأغلب من المعاني فيه، وكان جل ثناؤه قال: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين)، علم أن قوله: (ليتفقهوا)، إنما هو شرط للنفر لا لغيره، إذْ كان يليه دون غيره من الكلام.
* * *
فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون معناه: ليتفقه المتخلِّفون في الدين؟
قيل: ننكر ذلك لاستحالته. وذلك أن نَفْر الطائفة النافرة، لو كان سببًا لتفقه المتخلفة، وجب أن يكون مقامها معهم سببًا لجهلهم وترك التفقه، وقد علمنا أن
(١) انظر تفسير " التفقه " فيما سلف ص: ٤١٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير " الحذر " فيما سلف ١٠: ٥٧٥ / ١٤: ٣٣١.
(٣) انظر ما سلف رقم: ١٧٤٨٠.
(٤) انظر ما سلف ص: ٢٥١ - ٢٥٦.
مقامهم لو أقاموا ولم ينفروا لم يكن سببًا لمنعهم من التفقه.
* * *
وبعدُ، فإنه قال جل ثناؤه: (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم)، عطفًا به على قوله: (ليتفقهوا في الدين)، ولا شك أن الطائفة النافرة لم ينفروا إلا والإنذار قد تقدّم من الله إليها، وللإنذار وخوف الوعيد نَفرتْ، فما وجْهُ إنذار الطائفة المتخلفة الطائفةَ النافرةَ، وقد تساوتا في المعرفة بإنذار الله إياهما؟ ولو كانت إحداهما جائزٌ أن توصف بإنذار الأخرى، لكان أحقَّهما بأن يوصف به، الطائفة النافرة، لأنها قد عاينت من قدرة الله ونصرة المؤمنين على أهل الكفر به، ما لم تعاين المقيمة. ولكن ذلك إن شاء الله كما قلنا، من أنها تنذر من حَيِّها وقبيلتها من لم يؤمن بالله إذا رجعت إليه: أن ينزل به ما أنزل بمن عاينته ممن أظفر الله به المؤمنين من نُظَرائه من أهل الشرك.
* * *

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
هذا بيان من الله تعالى لما أراد من نَفير الأحياء مع الرسول في غزوة تبوك، فإنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أنه كان يجب النفير على كل مسلم إذا خرج رسول الله ﷺ ؛ ولهذا قال تعالى :﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ [التوبة: ٤١]، وقال :﴿مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، قالوا : فنسخ ذلك بهذه الآية.
وقد يقال : إن هذا بيان لمراده تعالى من نفير الأحياء كلها، وشرذمة من كل قبيلة إن لم يخرجوا كلهم، ليتفقه الخارجون مع الرسول بما ينزل من الوحي عليه، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بما كان من أمر العدو، فيجتمع لهم الأمران في هذا : النفير المعين وبعده، صلوات الله وسلامه عليه، تكون الطائفة النافرة من الحي إما للتفقه وإما للجهاد ؛ فإنه فرض كفاية على الأحياء.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ يقول : ما كان المؤمنون لينفروا جميعا ويتركوا النبي ﷺ وحده، ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ يعني : عصبة، يعني : السرايا، ولا يَتَسرَّوا(١) إلا بإذنه، فإذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن تعلمه القاعدون من النبي ﷺ، وقالوا : إن الله قد أنزل على نبيكم قرآنا، وقد تعلمناه. فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم، ويبعث سرايا أخرى، فذلك قوله :﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ يقول : ليتعلموا ما أنزل الله على نبيهم، وليعلموا السرايا إذا رجعت إليهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
وقال مجاهد : نزلت هذه الآية في أناس من أصحاب محمد ﷺ، خرجوا في البوادي، فأصابوا من الناس معروفا، ومن الخصب(٢) ما ينتفعون به، ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال الناس لهم : ما نراكم إلا وقد تركتم أصحابكم وجئتمونا. فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرجا، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي ﷺ، فقال الله، عز وجل :﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ يبتغون(٣) الخير، ﴿لِيَتَفَقَّهُوا [ فِي الدِّينِ ]﴾ (٤) وليستمعوا ما في الناس، وما أنزل الله بعدهم، ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ الناس كلهم ﴿إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
وقال قتادة في هذه الآية : هذا إذا بعث رسول الله ﷺ الجيوش، أمرهم الله ألا يُعرَوْا(٥) نبيَّه ﷺ، وتقيم طائفة مع رسول الله تتفقه في الدين، وتنطلق طائفة تدعو قومها، وتحذرهم وقائع الله فيمن خلا قبلهم.
وقال الضحاك : كان رسولُ الله ﷺ إذا غزا بنفسه لم يحلْ لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه، إلا أهل الأعذار. وكان إذا أقام فاسترت السرايا لم يحل لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه، فكان الرجل إذا استرى فنزل بعده قرآن، تلاه رسول(٦) الله ﷺ على أصحابه القاعدين(٧) معه، فإذا رجعت السرية قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله ﷺ : إن الله أنزل بعدكم على نبيه قرآنا. فيقرئونهم ويفقهونهم في الدين، وهو قوله :﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ يقول إذا أقام رسول الله ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ يعني بذلك : أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعا ونبي الله ﷺ قاعد، ولكن إذا قعد نبي الله تسرت السرايا، وقعد معه عُظْم(٨) الناس.
وقال [ علي ](٩) بن أبي طلحة أيضا عن ابن عباس : قوله :﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ فإنها ليست في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله ﷺ على مُضر بالسنين أجدبت بلادهم، وكانت القبيلة منهم تُقبِل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد، ويعتلّوا بالإسلام وهم كاذبون. فضيقوا على أصحاب النبي ﷺ وأجهدوهم. فأنزل الله يخبر رسوله أنهم ليسوا مؤمنين، فردهم رسول الله إلى عشائرهم، وحذّر قومهم أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله :﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية : كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة، فيأتون النبي ﷺ. فيسألونه عما يريدون من أمر دينهم، ويتفقهون في دينهم، ويقولون لنبي الله : ما تأمرنا أن نفعله ؟ وأخبرنا [ ما نقول ](١٠) لعشائرنا إذا قدمنا انطلقنا إليهم. قال : فيأمرهم نبي الله بطاعة الله وطاعة رسوله، ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة. وكانوا إذا أتوا قومهم نادوا : إن من أسلم فهو منا، وينذرونهم، حتى إن الرجل ليفارق أباه وأمه، وكان رسول الله ﷺ يخبرهم وينذرهم قومهم، فإذا رجعوا إليهم يدعونهم إلى الإسلام وينذرونهم النار ويبشرونهم بالجنة.
وقال عكرمة : لما نزلت هذه الآية :[ الشريفة ](١١) ﴿إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾(١٢) [التوبة: ٣٩]، و ﴿مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا [ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ]﴾ [التوبة: ١٢٠]، (١٣) قال المنافقون : هلك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه. وقد كان ناس من أصحاب النبي ﷺ خرجوا إلى البدو إلى قومهم يفقهونهم، فأنزل الله، عز وجل :﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ الآية، ونزلت :﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ الآية [الشورى: ١٦].
وقال الحسن البصري :﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ قال : ليتفقه الذين خرجوا، بما يردهم الله من الظهور على المشركين، والنصرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
١ - في جميع النسخ :"يسيروا" والمثبت من الطبري ومستفاد من ط. الشعب..
٢ - في ك :"الخطب"..
٣ - في أ :"يتبعون"..
٤ - زيادة من أ..
٥ - في ت :"أن لا يغزوا"، وفي أ :"أن يغزوا"..
٦ - في أ :"نبي"..
٧ - في ت، ك، أ :"القاعدون"..
٨ - في ت، أ :"عظيم"..
٩ - زيادة من أ..
١٠ - زيادة من ت، ك، أ..
١١ - زيادة من ت..
١٢ - في ت، ك :"يعذبكم"..
١٣ - زيادة من ت، أ..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾ أَيْ: فِي السَّيْرِ إِلَى الأعداء ﴿إِلا كُتِبَ لَهُمْ﴾ ولم يقل ها هنا "بِهِ" لِأَنَّ هَذِهِ أَفْعَالٌ صَادِرَةٌ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وَقَدْ حَصَلَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ حَظٌّ وَافِرٌ، وَنَصِيبٌ عَظِيمٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَنْفَقَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ النَّفَقَاتِ الْجَلِيلَةَ، وَالْأَمْوَالَ الْجَزِيلَةَ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ:
حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنِي سَكَن بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ فَرْقَدٍ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَبَّاب السُّلَمِيِّ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَثَّ عَلَى جَيْشِ الْعُسْرَةِ، فَقَالَ عثمان بن عفان، رضي الله عنه: عليَّ مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا. قَالَ: ثُمَّ حَثَّ، فَقَالَ عُثْمَانُ: عليَّ مِائَةٌ أُخْرَى بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا. قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ مرْقاة مِنَ الْمِنْبَرِ ثُمَّ حَثَّ، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: علىَّ مِائَةٌ أُخْرَى بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا. قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا -يُحَرِّكُهَا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الصَّمَدِ يَدَهُ كَالْمُتَعَجِّبِ: "مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذَا". (١)
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَيْضًا: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ضَمْرَة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَب، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ كَثِيرٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرة، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي ثَوْبِهِ حِينَ (٢) جَهَّز النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ قَالَ: فَصَبَّهَا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّبُهَا بِيَدِهِ وَيَقُولُ: "مَا ضَرّ ابْنَ عَفَّانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ". يُرَدِّدُهَا مِرَارًا. (٣)
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ﴾ الْآيَةَ: مَا ازْدَادَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بُعْدًا إِلَّا ازْدَادُوا مِنَ اللَّهِ قُرْبًا.
﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾
هَذَا بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ مِنْ نَفير الْأَحْيَاءِ مَعَ الرَّسُولِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَإِنَّهُ قَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ النَّفِيرُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ [التَّوْبَةِ: ٤١]، وَقَالَ: ﴿مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٠]، قَالُوا: فنسخ ذلك بهذه الآية.
(١) زوائد المسند (٤/٧٥) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٧٠٠) من طريق السكن بن المغيرة به، وقال التِّرْمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لا نعرفه إلا من حديث السكن بن المغيرة".
(٢) في ت، ك: "حتى".
(٣) زوائد المسند (٥/٦٣) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٧٠١) من طريق الحسن بن واقع عن ضمرة بن ربيعة به، وقال التِّرْمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ".
وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا بَيَانٌ لِمُرَادِهِ تَعَالَى مِنْ نَفِيرِ الْأَحْيَاءِ كُلِّهَا، وَشِرْذِمَةٍ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ إِنْ لَمْ يَخْرُجُوا كُلُّهُمْ، لِيَتَفَقَّهَ الْخَارِجُونَ مَعَ الرَّسُولِ بِمَا يَنْزِلُ مِنَ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، وَيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْعَدُوِّ، فَيَجْتَمِعُ لَهُمُ الْأَمْرَانِ فِي هَذَا: النَّفِيرُ الْمُعِينُ وَبَعْدَهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، تَكُونُ الطَّائِفَةُ النَّافِرَةُ مِنَ الْحَيِّ إِمَّا لِلتَّفَقُّهِ وَإِمَّا لِلْجِهَادِ؛ فَإِنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْأَحْيَاءِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ يَقُولُ: مَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا جَمِيعًا وَيَتْرُكُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ، ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ يَعْنِي: عُصْبَةً، يَعْنِي: السَّرَايَا، وَلَا يَتَسرَّوا (١) إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِذَا رَجَعَتِ السَّرَايَا وَقَدْ نَزَلَ بَعْدَهُمْ قُرْآنٌ تَعَلَّمَهُ الْقَاعِدُونَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّكُمْ قُرْآنًا، وَقَدْ تَعَلَّمْنَاهُ. فَتَمْكُثُ السَّرَايَا يَتَعَلَّمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِمْ بِعَدَهُمْ، وَيَبْعَثُ سَرَايَا أُخْرَى، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ يَقُولُ: لِيَتَعَلَّمُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِمْ، وَلِيُعَلِّمُوا السَّرَايَا إِذَا رَجَعَتْ إِلَيْهِمْ ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خَرَجُوا فِي الْبَوَادِي، فَأَصَابُوا مِنَ النَّاسِ مَعْرُوفًا، وَمِنَ الْخِصْبِ (٢) مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَدَعَوْا مَنْ وَجَدُوا مِنَ النَّاسِ إِلَى الْهُدَى، فَقَالَ النَّاسُ لَهُمْ: مَا نَرَاكُمْ إِلَّا وَقَدْ تَرَكْتُمْ أَصْحَابَكُمْ وَجِئْتُمُونَا. فَوَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ ذَلِكَ تَحَرُّجًا، وَأَقْبَلُوا مِنَ الْبَادِيَةِ كُلُّهُمْ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ يَبْتَغُونَ (٣) الْخَيْرَ، ﴿لِيَتَفَقَّهُوا [فِي الدِّينِ]﴾ (٤) وَلِيَسْتَمِعُوا مَا فِي النَّاسِ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَهُمْ، ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ النَّاسَ كُلَّهُمْ ﴿إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هَذَا إِذَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُيُوشَ، أَمْرَهُمُ اللَّهُ أَلَّا يُعرَوْا (٥) نبيَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُقِيمُ طَائِفَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ تَتَفَقَّهُ فِي الدِّينِ، وَتَنْطَلِقُ طَائِفَةٌ تَدْعُو قَوْمَهَا، وَتُحَذِّرُهُمْ وَقَائِعَ اللَّهِ فِيمَنْ خَلَا قَبْلَهُمْ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كَانَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَزَا بِنَفْسِهِ لَمْ يحلْ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ، إِلَّا أَهْلِ الْأَعْذَارِ. وَكَانَ إِذَا أَقَامَ فَاسْتَرَتِ السَّرَايَا لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَنْطَلِقُوا إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا اسْتَرَى فَنَزَلَ بَعْدَهُ قُرْآنٌ، تَلَاهُ رَسُولُ (٦) اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ الْقَاعِدِينَ (٧) مَعَهُ، فَإِذَا رَجَعَتِ السَّرِيَّةُ قَالَ لَهُمُ الَّذِينَ أَقَامُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ بَعْدَكُمْ عَلَى نَبِيِّهِ قُرْآنًا. فَيُقْرِئُونَهُمْ وَيُفَقِّهُونَهُمْ فِي الدِّينِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ يَقُولُ إِذَا أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْفِرُوا جَمِيعًا وَنَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ، وَلَكِنْ إِذَا قَعَدَ نَبِيُّ اللَّهِ تَسَرَّتِ السَّرَايَا، وَقَعَدَ مَعَهُ عُظْم (٨) الناس.
(١) في جميع النسخ: "يسيروا" والمثبت من الطبري ومستفاد من ط. الشعب.
(٢) في ك: "الخطب".
(٣) في أ: "يتبعون".
(٤) زيادة من أ.
(٥) في ت: "أن لا يغزوا"، وفي أ: "أن يغزوا".
(٦) في أ: "نبي".
(٧) في ت، ك، أ: "القاعدون".
(٨) في ت، أ: "عظيم".
وَقَالَ [عَلِيُّ] (١) بْنُ أَبِي طَلْحَةَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْجِهَادِ، وَلَكِنْ لَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُضر بِالسِّنِينَ أَجْدَبَتْ بِلَادُهُمْ، وَكَانَتِ الْقَبِيلَةُ مِنْهُمْ تُقبِل بِأَسْرِهَا حَتَّى يَحِلُّوا بِالْمَدِينَةِ مِنَ الْجَهْدِ، وَيَعْتَلُّوا بِالْإِسْلَامِ وَهُمْ كَاذِبُونَ. فَضَيَّقُوا عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَجْهَدُوهُمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ يُخْبِرُ رَسُولَهُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ، فَرَدَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى عَشَائِرِهِمْ، وَحَذَّرَ قَوْمَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا فِعْلَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: كَانَ يَنْطَلِقُ مِنْ كُلِّ حَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ عِصَابَةٌ، فَيَأْتُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَيَسْأَلُونَهُ عَمَّا يُرِيدُونَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ، وَيَتَفَقَّهُونَ فِي دِينِهِمْ، وَيَقُولُونَ لِنَبِيِّ اللَّهِ: مَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَفْعَلَهُ؟ وَأَخْبِرْنَا [مَا نَقُولُ] (٢) لِعَشَائِرِنَا إِذَا قَدِمْنَا انْطَلَقْنَا إِلَيْهِمْ. قَالَ: فَيَأْمُرُهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَيَبْعَثُهُمْ إِلَى قَوْمِهِمْ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ. وَكَانُوا إِذَا أَتَوْا قَوْمَهُمْ نَادَوْا: إِنَّ مَنْ أَسْلَمَ فَهُوَ مِنَّا، وَيُنْذِرُونَهُمْ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُفَارِقُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُهُمْ وَيُنْذِرُهُمْ قَوْمَهُمْ، فَإِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ يَدْعُونَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَيُنْذِرُونَهُمُ النَّارَ وَيُبَشِّرُونَهُمْ بِالْجَنَّةِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: [الشَّرِيفَةُ] (٣) ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٩]، وَ ﴿مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا [عَنْ رَسُولِ اللَّهِ]﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٠]، (٥) قَالَ الْمُنَافِقُونَ: هَلَكَ أَصْحَابُ الْبَدْوِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ مُحَمَّدٍ وَلَمْ يَنْفِرُوا مَعَهُ. وَقَدْ كَانَ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجُوا إِلَى الْبَدْوِ إِلَى قَوْمِهِمْ يُفَقِّهُونَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ الْآيَةَ، وَنَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ الْآيَةَ [الشُّورَى: ١٦].
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ قَالَ: لِيَتَفَقَّهَ الَّذِينَ خَرَجُوا، بِمَا يُرِدْهُمُ اللَّهُ مِنَ الظُّهُورِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، والنصرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
(١) زيادة من أ.
(٢) زيادة من ت، ك، أ.
(٣) زيادة من ت.
(٤) في ت، ك: "يعذبكم".
(٥) زيادة من ت، أ.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١٢٢ } ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾
يقول تعالى :-منبها لعباده المؤمنين على ما ينبغي لهم- ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ أي : جميعا لقتال عدوهم، فإنه يحصل عليهم المشقة بذلك، وتفوت به كثير من المصالح الأخرى، ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ﴾ أي : من البلدان، والقبائل، والأفخاذ ﴿طَائِفَةٌ﴾ تحصل بها الكفاية والمقصود لكان أولى.
ثم نبه على أن في إقامة المقيمين منهم وعدم خروجهم مصالح لو خرجوا لفاتتهم، فقال :﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ أي : القاعدون ﴿فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ أي. ليتعلموا العلم الشرعي، ويعلموا معانيه، ويفقهوا أسراره، وليعلموا غيرهم، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
ففي هذا فضيلة العلم، وخصوصا الفقه في الدين، وأنه أهم الأمور، وأن من تعلم علما، فعليه نشره وبثه في العباد، ونصيحتهم فيه فإن انتشار العلم عن العالم، من بركته وأجره، الذي ينمى له.
وأما اقتصار العالم على نفسه، وعدم دعوته إلى سبيل اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة، وترك تعليم الجهال ما لا يعلمون، فأي منفعة حصلت للمسلمين منه ؟ وأي نتيجة نتجت من علمه ؟ وغايته أن يموت، فيموت علمه وثمرته، وهذا غاية الحرمان، لمن آتاه اللّه علما ومنحه فهما.
وفي هذه الآية أيضا دليل وإرشاد وتنبيه لطيف، لفائدة مهمة، وهي : أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها، لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصدا واحدا، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب، فالأعمال متباينة، والقصد واحد، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٢٢} ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
يقول تعالى: -منبها لعباده المؤمنين على ما ينبغي لهم- ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ أي: جميعا لقتال عدوهم، فإنه يحصل عليهم المشقة بذلك، وتفوت به كثير من المصالح الأخرى، ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ﴾ أي: من البلدان، والقبائل، والأفخاذ ﴿طَائِفَةٌ﴾ تحصل بها الكفاية والمقصود لكان أولى.
ثم نبه على أن في إقامة المقيمين منهم وعدم خروجهم مصالح لو خرجوا لفاتتهم، فقال: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ أي: القاعدون ﴿فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ أي. ليتعلموا العلم الشرعي، ويعلموا معانيه، ويفقهوا أسراره، وليعلموا غيرهم، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
ففي هذا فضيلة العلم، وخصوصا الفقه في الدين، وأنه أهم الأمور، وأن من تعلم علما، فعليه نشره وبثه في العباد، ونصيحتهم فيه فإن انتشار العلم عن العالم، من بركته وأجره، الذي ينمى له.
وأما اقتصار العالم على نفسه، وعدم دعوته إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وترك تعليم الجهال ما لا يعلمون، فأي منفعة حصلت للمسلمين منه؟ وأي نتيجة نتجت من علمه؟ وغايته أن يموت، فيموت علمه وثمرته، وهذا غاية الحرمان، لمن آتاه الله علما ومنحه فهما.
وفي هذه الآية أيضا دليل وإرشاد وتنبيه لطيف، لفائدة مهمة، وهي: أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها، لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصدا واحدا، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب، فالأعمال متباينة، والقصد واحد، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٨ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
لِيَنفِرُوا كَافَّةً
لِيَخْرُجُوا لِلْجِهَادِ جَمِيعًا.

إعراب الآية ١٢٢ من سورة التوبة

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة التوبة (٩) : آية ١١٩]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ أي مع النبي صلّى الله عليه وسلّم ومن اتّبعه وروى شعبة عن عمرو بن مرّة عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: الكذب ليست فيه رخصة اقرءوا إن شئتم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ أهل ترون في الكذب رخصة لأحد؟

[سورة التوبة (٩) : آية ١٢٠]

ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)
أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ اسم كان. ذلِكَ في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي الأمر ذلك لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ رفع بيصيبهم أي عطش. وَلا نَصَبٌ عطف أي تعب و «لا» زائدة للتوكيد وكذا وَلا مَخْمَصَةٌ أي مجاعة. وَلا يَطَؤُنَ عطف على يصيبهم يَغِيظُ في موضع نصب لأنه نعت لموطئ أي غائظا. وَلا يَنالُونَ قال الكسائي: هو من قولهم أمر منيل وليس من التناول إنّما التناول من نلته بالعطيّة.

[سورة التوبة (٩) : آية ١٢١]

وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)
وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً والعرب تقول: واد ووادية، ولا يعرف فيما علمت فاعل وأفعلة سواه، والقياس أن يجمع ووادي فاستثقلوا الجمع بين واوين وهم يستثقلون واحدة حتى قالوا: أقّتت في وقّتت، وقال الخليل وسيبويه: في تصغير واصل اسم رجل أو يصل ولا يقولون غيره، وحكى الفراء في جمع واد أوداء.

[سورة التوبة (٩) : آية ١٢٢]

وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً لفظ خبر ومعناه أمر. قال أبو إسحاق:
ويجوز والله أعلم أن تكون هذه الآية تدلّ على أن بعض المسلمين يجزي عن بعض في الجهاد. فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ قال الأخفش: أي فهلّا نفر.

[سورة التوبة (٩) : آية ١٢٣]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٢٢ من سورة التوبة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ الآية. [١٢٢].
قال بن عباس في رواية الكلبي:
لما أنزل الله تعالى عيوب المنافقين لتخلفهم عن الجهاد، قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سَرِيَّة أبداً. فلما أمرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بالسَّرَايا إلى العدو، نفر المسلمون كافَّة، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده بالمدينة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

القراءات في الآية ١٢٢ من سورة التوبة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

إِلَيْهِمْ

(إِلَيْهُمْ) بضم الهاء وإسكان الميم

روح عن يعقوب رويس عن يعقوب خلاد عن حمزة خلف عن حمزة

(إِلَيْهِمْ) بكسر الهاء وإسكان الميم

حفص عن عاصم إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو ورش عن نافع قالون عن نافع

(إِلَيْهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم

قالون عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٢٢ من سورة التوبة

٥ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآية، وتفسيرها

٢٠ قولًا
١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قوله: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾، قال: أقبلت أعرابُ هُذَيْلٍ وأصابهم الجوع، واستعانوا بتمر المدينة، وأظهروا الإسلام، ودخلوا، فقال عتبة بن مسعود أخو عبد الله بن مسعود له: أشعرت أنّه قدم مِنّا ألفُ أهلِ بيتٍ أسلموا جميعًا؟ فقال عبد الله: واللهِ، لَوَدِدتُ أنّه لم يبق منهم. فكانوا يفخرون على المؤمنين، ويقولون: نحن أسلمنا طائعين بغير قتال، وأنتم قاتلتم، فنحنُ خيرٌ منكم. فآذَوُا المؤمنين؛ فأنزل الله فيهم يخبرهم بأمرهم، فقال: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ يقول: جميعًا، ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ يقول: مِن كل بطن منهم طائفة، فأتوا محمدًا ﷺ، فسمعوا كلامه، ثم رجعوا، فأخبروهم الخبر، فجئتم على بصيرة، ولكن إنما جئتم من أجل الطعام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٩١١.
٢
قال محمد بن السائب الكلبي: إنّ أحياء من بني أسد من خزيمة أصابتهم سَنَةٌ شديدة، فأقبلوا بالذَّراري حتى نزلوا المدينة، فأفسدوا طُرُقَها بالعذِرات، وأَغْلَوْا أسعارَها؛ فنزل قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ أي: لم يكن لهم أن ينفروا كافَّةً، ولكن مِن كل قبيلة طائفةٌ ليتفقهوا في الدين١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٤‏/‏١١٢.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾، وذلك أنّ الله عاب في القرآن مَن تَخَلَّف عن غزاة تبوك، فقالوا: لا يرانا اللهُ أن نتخلف عن النبيِّ ﷺ في غزاته، ولا في بَعْث سَرِيَّةٍ. فكان النبي ﷺ إذا بعث سَرِيَّةً رَغِبوا فيها رَغْبَةً في الأجر؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ﴾ يعني: ما ينبغي لهم ﴿لِيَنْفِرُوا﴾ إلى عدوهم ﴿كافَّةً﴾ يعني: جميعًا١، ﴿فَلَوْلا نَفَرَ﴾ يعني: فهلّا نفر ﴿مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهُمْ﴾ يعني: من كل عُصْبَةٍ منهم ﴿طائِفَةٌ﴾، وتُقِيم طائفةٌ مع النبي ﷺ، فيتَعَلَّمون ما يُحْدِث اللهُ عز وجل على نبيه ﷺ مِن أمرٍ، أو نهيٍ، أو سُنَّة، فإذا رجع هؤلاء الغُيَّب تَعَلَّموا من إخوانهم المقيمين، فذلك قوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ يعنى: المقيمين، ﴿ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ يعنى: ولِيُحَذِّروا إخوانهم ﴿إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ﴾ من غزاتهم؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ يعني: لكي يحذروا المعاصي التي عملوا بها قبل النهي٢
التخريج
  1. ١كرر ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٩١٠ هذا القول عن ابن عباس وغيره من التابعين وأتباعهم، وقد ذكره قبل ذلك في آيات أخرى.
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٢٠٣.
٤
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾، قال: ليذهبوا كلُّهم، فلولا نفر من كل حيٍّ وقبيلةٍ طائفةٌ، وتخلف طائفةٌ؛ ﴿ليتفقهوا في الدين﴾ لِيَتَفَقَّه المُتَخَلِّفون مع النبي ﷺ في الدين، ولينذر المتخلفون النافرين إذا رجعوا إليهم ﴿لعلهم يحذرون﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٧٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في معنى قوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ على قولين: الأول: ليتفقهوا في أحكام الدين ومعالم الشرع، وينذروا به قومهم إذا رجعوا إليهم. الثاني: ليتفقهوا فيما يشاهدونه من نصر الله لرسوله وتأييده لدينه ليقوى إيمانهم ويخبروا به قومهم. ورجَّح ابنُ جرير (١٢/٨٤بتصرف) مستندًا إلى الأغلب في اللغة القولَ الثاني الذي قاله الحسن، فقال: «لأنّ النَّفْرَ إذا كان مُطْلقًا بغير صلة بشيء فالأغلب مِن استعمال العرب إيّاه في الجهاد والغزو، فإذا كان ذلك هو الأغلب من المعاني فيه، وكان -جل ثناؤه- قال: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾؛ عُلِم أنّ قوله: ﴿ليتفقهوا﴾ إنّما هو شرطٌ للنفر لا لغيره، إذْ كان يليه دون غيره من الكلام». وانتقد مستندًا إلى الدلالات العقلية القولَ الأولَ، فقال: «فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون معناه: ليتفقه المتخلِّفون في الدين؟ قيل: ننكر ذلك لاستحالته. وذلك أنّ نَفْر الطائفة النافرة لو كان سببًا لتفقه المتخلفة وجَبَ أن يكون مقامها معهم سببًا لجهلهم وترك التفقه، وقد علمنا أن مقامهم لو أقاموا ولم ينفروا لم يكن سببًا لمنعهم من التفقه». وذكر ابنُ عطية (٤/٤٣٥) أنّ الأول قول الجمهور، وأنّه قويٌّ.
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ الآية، قال: ليست هذه الآية في الجهاد، ولكن لَمّا دعا رسولُ الله ﷺ على مُضَرَ بالسنين أجْدَبَتْ بلادهم، فكانت القبيلة منهم تُقْبِلُ بأسرِها حتى يَحِلُّوا بالمدينة من الجَهَد، ويَعْتَلُّوا بالإسلام وهم كاذبون، فضَيَّقوا على أصحاب رسول الله ﷺ وأجهدوهم؛ فأنزل الله تعالى يُخبِرُ رسوله ﷺ أنّهم ليسوا بمؤمنين، فرَدَّهم إلى عشائرهم، وحَذَّر قومَهم أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله: ﴿ولِيُنذِروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٧٩-٨٠، وابن أبى حاتم ٦‏/‏١٩١٣ (١٠١٣٥)، من طريق عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس به. إسناده جيد. وينظر: مقدمة الموسوعة.
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ يعني: ما كان المؤمنون لينفروا جميعًا، ويتركوا النَّبِيَّ ﷺ وحده، ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ يعني: عُصْبَة، يعني: السَّرايا، فلا يسيرون إلا بإذنه، فإذا رَجَعَتِ السَّرايا وقد نزل قرآنٌ تَعَلَّمه القاعدون من النبىِّ ﷺ، قالوا: إنّ الله قد أنزل على نبيِّكم بعدنا قرآنًا، وقد تَعَلَّمناه. فتَمكُثُ السَّرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيِّهم ﷺ بعدهم، ويبعث سرايا أُخَرَ، فذلك قوله: ﴿ليتفقهوا فى الدين﴾، يقول: يتعلمون ما أنزل الله على نبيِّه، وليُعَلموه السَّرايا إذا رجعت إليهم لعلهم يحذرون١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٧٧-٧٨، وابن أبى حاتم ٦‏/‏١٩٠٧-١٩٠٩، ١٩١٢مفرقًا، والبيهقى في المدخل ١‏/‏٢٤٤-٢٤٥ (٣٣٤). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ عطية (٤/٤٣٥) على قول ابن عباس بقوله: «أي: يجب إذا تخلف ألّا ينفر الناسُ كافَّة فيبقى هو منفردًا، وإنما ينبغي أن تنفر طائفةٌ، وتبقى طائفة لِتَتَفَقَّه هذه الباقية في الدين، ويُنذِروا النافرين إذا رجع النافرون إليهم».
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قوله: ﴿طائفة﴾، يعني: عصبة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٩١١.
٨
قال عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي-: لَمّا أنزل الله عز وجل عيوب المنافقين في غزوة تبوك كان النبيُّ ﷺ يبعث السرايا، فكان المسلمون ينفِرون جميعًا إلى الغزو، ويتركون النبيَّ ﷺ وحده؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية١
التخريج
  1. ١أورده البغوي في تفسيره ٤‏/‏١١١، والثعلبي ٥‏/‏١١١. إسناده ضعيف جدًّا. وينظر: مقدمة الموسوعة.
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء الخراساني- ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾، يقول: لتَنفِر طائفةٌ، ولِتَمكُث طائفة مع رسول الله ﷺ، فالماكِثون مع رسول الله ﷺ هم الذين يتفقهون فى الدين، ويُنذِرون إخوانهم ﴿إذا رجعوا إليهم﴾ من الغزو، ﴿لعلهم يحذرون﴾ ما نزل من بعدهم من قضاء الله فى كتابه، وحُدُوده١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبى حاتم ٦‏/‏١٨٠٣، وفى ٦‏/‏١٩٠٩، ١٩٢١ مُفَرقًا. وعزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه، وابن مردويه.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٤/٤٣٥) أنّ الضمير في قوله: ﴿ليتفقهوا﴾ -على هذا القول- عائدٌ على الطائفة المتخلفة مع النبي ﷺ.
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، قال: كان ينطلق مِن كل حَيٍّ من العرب عصابةٌ، فيأتون النبيَّ ﷺ، فيسألونه عما يريدونه من دينهم، ويتفقهون في دينهم، ويقولون لنبي الله: ما تأمرنا أن نفعله، وأخبِرنا ما نقول لعشائرنا إذا انطلقنا إليهم. قال: فيأمرهم نبيُّ الله بطاعةِ الله، وطاعة رسوله، ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة، والزكاة. وكانوا إذا أتَوْا قومَهم نادَوْا: إنّ مَن أسلم فهو مِنّا. وينذرونهم، حتى إنّ الرجل لَيُعَرِّف أباه وأُمَّه، وكان رسول الله ﷺ يخبرهم، وينذرون قومهم، فإذا رجعوا إليهم يدعونهم إلى الإسلام، وينذرونهم النار، ويبشرونهم بالجنة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٨٠.
١١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- فى قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ الآية، قال: ناسٌ مِن أصحاب النَّبيِّ ﷺ خرجوا فى البوادي، فأصابوا مِن الناس معروفًا، ومن الخِصبِ ما يَنتَفِعون به، ودَعَوْا مَن وجَدوا مِن الناس إلى الهُدى، فقال لهم الناس: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابَكم وجئتمونا. فوجدوا في أنفسِهم من ذلك تَحَرُّجًا، وأقبلوا من البادية كلِّهم حتى دخلوا على النَّبِيِّ ﷺ، فقال الله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ خرج بعضٌ، وقعد بعضٌ يبتغون الخير؛ ﴿ليتفقهوا فى الدين﴾، وليسمعوا ما في الناس، وما أُنزِل بعدهم، ﴿ولينذروا قومهم﴾ قال: الناس كلهم ﴿إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣٧٧، وأخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٧٦-٧٧، وابن أبى حاتم ٦‏/‏١٩١٠، ١٩١٣. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
١٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: الطائفة: رَجُلٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٩١٢.
١٣
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد- يقول في قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ الآية: كان نبيُّ الله إذا غزا بنفسه لم يَحِلَّ لأحدٍ من المسلمين أن يتَخَلَّف عنه، إلا أهل العذر، وكان إذا أقام فأُسِرَّت السرايا لم يَحِلَّ لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه، فكان الرجل إذا أسرى، فنزل بعده قرآنٌ تلاه نبيُّ الله على أصحابه القاعدين معه، فإذا رجعت السرية؛ قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله ﷺ: إنّ الله أنزل بعدكم على نبيِّه قرآنًا. فيُقْرِئونهم، ويُفَقِّهونهم في الدين، وهو قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ يقول: إذا أقام رسول الله ﷺ، ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ يعني بذلك: أنّه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعًا ونبيُّ الله قاعِدٌ، ولكن إذا قعد نبيُّ الله تَسَرَّت السرايا، وقعد معه عُظْمُ الناس١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٧٨.
١٤
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق سليمان الأحول- قال: لَمّا نزلت: ﴿إلّا تنفِروا يعذبكم عذابًا أليمًا﴾ [التوبة:٣٩]، و﴿ما كان لأهل المدينة﴾ الآية؛ قال المنافقون: هلك أهلُ البَدْوِ الذين تخلَّفوا عن محمد ﷺ ولم يغزوا معه. وقد كان ناسٌ خرَجوا إلى البدو إلى قومِهم يُفَقِّهونهم؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ الآية. ونزلت: ﴿والذين يحاجون فى الله من بعد ما استجيب له حُجَّتُهُم داحضة﴾ الآية [الشورى:١٦]١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٨٠-٨١. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢ساق ابنُ عطية (٤/٤٣٤) هذا القول، ثم علَّق بقوله: «فيجيءُ قولُه تعالى: ﴿ما كانَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهُمْ﴾ عمومٌ في اللفظ، والمراد به في المعنى الجمهور والأكثر، وتجيء هذه الآية مُبَيِّنَةً لذلك مُطَّرِدَةَ الألفاظ مُتَّصِلَةَ المعنى من قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ﴾ إلى قوله: ﴿يَحْذَرُونَ﴾ بين في آخر الآية العموم الذي في أولها؛ إذ هو معرض أن يُتَأَوَّل فيه ألا يتخلف بشر، والتَّفَقُّه هو من النافرين، والإنذار هو منهم، والضمير في ﴿رَجَعُوا﴾ لهم أيضًا».
١٥
عن أبي مالك غزوان الغفاري -من طريق إسماعيل-: وكلُّ ما في القرآن ﴿فلولا﴾ فهو: فهلّا، إلّا حرفين: في يونس [٩٨]: ﴿فلولا كانت قرية آمنت﴾، والآخر: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم﴾ [هود:١١٦]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٩١٠.
١٦
عن الحسن البصري، وقتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾، قال: كافة ويَدَعُوا النبيَّ - ﷺ -١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٢٩١، وابن جرير ١٢/ ٨٢.
١٧
عن الحسن البصري -من طريق مَعْمَر- ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾، قال: لِيَتَفَقَّه الذين خرجوا بما يريهم اللهُ من الظهور على المشركين والنُّصْرَة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٩١ بنحوه، وابن جرير ١٢‏/‏٨٢، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٩١٢.
١٨
عن عبد الله بن عبيد بن عُمَير -من طريق جرير- قال: كان المؤمنون لحرصهم على الجهاد إذا بعث رسولُ الله ﷺ سَرِيَّةً خرجوا فيها، وتركوا النَّبِيَّ ﷺ بالمدينة في رِقَّةٍ من الناس؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾. أُمِروا إذا بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً أن تخرُج طائفةٌ، وتُقيم طائفةٌ، فيحفظ المقيمون على الذين خرجوا ما أنزل الله من القرآن، وما يُسَنُّ مِن السُّنَنِ، فإذا رجع إخوانُهم أخبَروهم بذلك وعَلَّموهم، وإذا خرج رسول الله ﷺ لم يَتَخلَّف عنه أحدٌ إلا بإذن أو عذر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن ابي حاتم ٦‏/‏١٩١٠. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
١٩
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ الآية، قال: لِيَتَفَقَّه الذين قعدوا مع نبيِّ الله، ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ يقول: لينذروا الذين خرجوا إذا رجعوا إليهم١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٩١، وابن جرير ١٢‏/‏٨٢.
٢٠
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ إلى قوله: ﴿لعلهم يحذرون﴾، قال: هذا إذا بعث نبيُّ الله الجيوشَ، أمرهم أن لا يُعْرُوا نبيَّه، وتُقِيمَ طائفةٌ مع رسول الله ﷺ تَتَفَقَّه في الدين، وتنطلق طائفةٌ تدعو قومَها، وتُحَذِّرهم وقائعَ الله فيمن خلا قبلهم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٧٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف المفسرون في المراد بهذا النفير على قولين: أحدهما: أنّه النفير إلى العدو؛ فالمعنى: ما كان لهم أن ينفروا بأجمعهم، بل تنفر طائفةٌ، وتبقى مع النبي ﷺ طائفةٌ؛ ﴿ليتفقَّهوا في الدين﴾ يعني: الفرقةَ القاعدين. فإذا رجعت السرايا، وقد نزل بعدهم قرآنٌ، أو تجدَّد أمر؛ أعلموهم به، وأنذروهم به إذا رجعوا إليهم. والآخر: أنّه النفير إلى رسول الله ﷺ، بل تنفر منهم طائفةٌ ليتفقه هؤلاء الذين ينفرون، ولينذروا قومهم المتخلِّفين. وعلَّق ابنُ القيم (٢/٢٧) على هذا القول بقوله: «وعلى هذا فيكون قوله: ﴿ليتفقهوا﴾ ﴿ولينذروا﴾ للفرقة التي نفرت منها طائفة». ثم رجّح مستندًا إلى الأغلب في كلام العرب، والنظائر، فقال: «وهذا قول الأكثرين، وعلى هذا فالنفير جهاد على أصله، فإنه حيث استعمل إنما يفهم منه الجهاد، قال الله تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم﴾ [التوبة:٤١]، وقال النبي: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفِرتم فانفِروا». وهذا هو المعروف من هذه اللفظة». وذكر (٢/٢٧) أنّه على القول الثاني فالنَّفِير نفيرُ تَعَلُّمٍ. ورجَّح ابنُ جرير (١٢/٨٣ بتصرف) مستندًا إلى السياق القولَ الأول الذي قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك، فقال: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- حظر التَّخَلُّف خلاف رسول الله ﷺ على المؤمنين به من أهل المدينة ومن الأعراب لغير عذر يُعذرون به إذا خرج رسول الله لغزوٍ وجهادِ عدوٍّ قبل هذه الآية بقوله: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾. ثم عقَّب ذلك -جلَّ ثناؤه- بقوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾، فكان معلومًا بذلك إذْ كان قد عرّفهم في الآية التي قبلها اللازمَ لهم من فرض النَّفْر، والمباحَ لهم من تركه في حال غزو رسول الله ﷺ، وشخوصه عن مدينته لجهاد عدوّ، وأعلمهم أنه لا يسعهم التخلف خِلافه إلا لعذر، بعد استنهاضه بعضهم وتخليفه بعضهم؛ أن يكون عَقِيب تعريفهم ذلك تعريفُهم الواجبَ عليهم عند مقام رسول الله ﷺ بمدينته، وإشخاص غيره عنها، كما كان الابتداءُ بتعريفهم الواجب عند شخوصه وتخليفه بعضهم».

النسخ في الآية

٣ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء الخراساني- قال: نسخَ هؤلاء الآيات: ﴿انفروا خِفافًا وثقالًا﴾ [التوبة:٤١]، و﴿إلا تنفِروا يعذبكم﴾ [التوبة:٣٩] قولُه: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبى حاتم ٦‏/‏١٨٠٣، وفي ٦‏/‏١٩٢١، ١٩٠٩ مفرقًا. وعزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه، وابن مردويه.
٢
عن عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري -من طريق يزيد- قالا: قال: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما﴾ [التوبة: ٣٩]، وقال: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه﴾ إلى قوله: ﴿ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾ [التوبة: ١٢٠]. فنسختها الآيةُ التي تلتها: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ إلى قوله: ﴿لعلهم يحذرون﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١/ ٤٦٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢تَقَدَّم انتقادُ ابنِ جرير لهذا القول عند تفسير قوله تعالى: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا ألِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩].
٣
عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم بن عبد الله- أنّه قال: وقال في براءة [٣٩]: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا﴾، وقال: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا﴾ الآية كلها [التوبة:١٢٠]، فنسختها واستثنى بالآية التي تليها، فقال: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن وهب في الجامع - تفسير القرآن ٣‏/‏٧٤-٧٥ (١٦٣).
التفسير بالمأثور لسورة التوبة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٢٢ من سورة التوبة

١٤ وقفةً في هذه الآية

  • ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون"ليس كل ما ينبغي عليك فعله هو أن تطمئن وتبتسم..بل يجب أن تخوف وتحذر وتنذر من الله/

    — علي الفيفي

  • - النفير نوعان : - النفير للجهاد {انفروا خفاف وثقالا وجاهدوا} - النفير للعلم { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين}

    — بدون مصدر

  • نفقتك الصغيرة وخطوتك اليسيرة في سبيل الله محسوبة لك عند ربك { ولا ينفقون (نفقة صغيرة) ولا كبيرة (ولا يقطعون واديا) إلا كتب لهم }

    — محمد الربيعة

  • أعظم العلم الذي يورث تصحيحا لواقع الناس ودينهم تأمل قوله { ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم }

    — محمد الربيعة

  • النفور لطلب العلم وتبليغه من أعظم الجهاد تأمل قوله{ وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين …}

    — محمد الربيعة

  • النفقة في الجهاد عظيمة ولو كانت صغيرة تأمل { ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ….} وختم الآية بقوله{ ليجزيهم أحسن ما كان يعملون}

    — محمد الربيعة

  • وفيه دليل على أنه ينبغي أن يكون غرض المتفقه في الدين: أن يستقيم ويقيم، لا الترفع على الناس والتبسط في البلاد.

    — البيضاوي

  • طالبُ العلم الذي طلبه ليعمل به ويبلغّه الناس؛ كالمجاهد في سبيل الله، وهذا ظاهرٌ في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ).

    — محمد بن عبدالعزيز الخضيري

  • في هذه الآية إرشادٌ لطيف لفائدة مهمة، وهي: أنه ينبغي للمسلمين أن يعدُّوا لكلِّ مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفِّر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها؛ لتقوم مصالحهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصدًا واحدًا، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرَّقت الطرق وتعددت المشارب، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور.

    — تفسير السعدي

  • طلب العلم والتفقه في دين الله ضرب من الجهاد؛ ولذلك سمى الله الخروج لطلب العلم نفيرًا، فقال (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ) وهذه الآية واردة بين آيات الجهاد في سورة التوبة، فقبلها: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّه) (التوبة:١٢٠)، وبعدها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) (التوبة:١٢٣).

    — عبدالمحسن العسكر

  • "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم" إشارة إلى ضرورة تقاسم الأدوار بين المصلحين لإنقاذ الأمة.

    — عبدالرحمن بن معاضة الشهري

  • دورة الطريق إلي براءه سورة التوبة آية 122

    — حازم شومان

ووقفتانِ أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ١٢٢ من سورة التوبة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(122) And it is not for the believers to go forth [to battle] all at once. For there should separate from every division of them a group [remaining] to obtain understanding in the religion and warn [i.e., advise] their people when they return to them that they might be cautious.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال