التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وبعد أن حرض الله - تعالى - المؤمنين على الجهاد في سبيله، وحذرهم من التخلف عن الخروج مع رسوله - ﷺ - أتبع ذلك بالحديث عما يجب عليهم إذا لم تكن المصلحة تقتضى النفير العام، فقال - تعالى - :﴿وَمَا كَانَ المؤمنون﴾.
قال الجمل : وسبب نزول هذه الآية أن النبى - ﷺ - لما بالغ في الكشف عن عيوب المنافقين، وفضحهم في تخلفهم عن غزوة تبوك. قال المسلمون : والله لا نتخلف عن رسول الله - ﷺ - ولا عن سرية بعثها، فلما قدم - صلى الله عله وسلم - المدينة من تبوك، وبعث السرايا، أراد المسلمون أن ينفروا جميعا للغزة وأن يتركوا النبى - ﷺ - وحده فنزلت هذه الآية.
والمعنى، وما كان من شأن المؤمنين، أن ينفروا جميعا في كل سرية تخرج للجهاد، ويتركوا الرسول - ﷺ - وحجه بالمدينة، وإنما يجب عليهم النفير العام إذا ما دعاهم - ﷺ - إلى ذلك.
وقوله :﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾ معطوف على كلام محذوف، ولولا حرف تحضيض بمعنى هلا.
أى : فحين لم يكن هناك موجب لنفير الكافة، فهلا نفر من كل فرقة من المؤمنين طائفة للجهاد، وتبقى طائفة أخرى منهم ﴿لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين﴾ أى : ليتعلموا أحكامه من رسولهم - ﷺ - ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ﴾ أى : وليعلموهم ويخبروهم بما أمروا به أو نهوا عنه ﴿إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ﴾ من الغزو ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ أى : لعل هؤلاء الراجعين إليهم من الغزو يحذرون ما نهوا عنه.
أى : أن على المسلمين في حالة عدم النفير العام، أن يقسموا أنفسهم إلى قسمين.
قسم يبقى مع الرسول - ﷺ - ليتفقه في دينه، وقسم آخر يخرج للجهاد في سبيل الله، فإذا ما عاد المجاهدون، فعلى الباقين مع الرسول - ﷺ - أن يبلغوا العائدين ما حفظوه عن الرسول - ﷺ - من أحكام.
وبذلك يجمع المسلمون بين المصلحتين : مصلحة الدفاع عن الدين بالحجة والبرهان، ومصلحة الدفاع عنه بالسيف والسنان.
وعلى هذا التفسير الذي سار عليه جمهور العلماء يكون الضمير في قوله ﴿لِّيَتَفَقَّهُواْ... وَلِيُنذِرُواْ﴾ يعود إلى الطائفة الباقية مع الرسول - ﷺ -.
أما الضمير في قوله ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ فيعود على الطائفة التي خرجت للجهاد ثم عادت.
ومنهم من يرى أن الضمير في قوله ﴿لِّيَتَفَقَّهُواْ... وَلِيُنذِرُواْ﴾ يعود على الطائفة التي خرجت للجهاد.
وقد رجح هذا الاتجاه الإِمام ابن جرير فقال : وأما قوله ﴿لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ﴾ فإن أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : لتتفقه الطائفة النافرة بما تعاين من نصر الله لأهل دينه ولأصحابه رسوله على أهل عداوته والكفر به، فيفقه بذلك من معاينته حقيقة علم أمر الإِسلام، وظهوره على الأديان، من لم يكن فقه، ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ﴾ فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس الله، مثل الذي نزل بمن شاهدوا، ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك، إذا هم رجعوا إليهم من غزوهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ أى : لعل قومهم إذا هم حذروهم ما عاينوا من ذلك، يحذرون فيؤمنون بالله ورسوله، حذرا من أن ينزل بهم ما انزل بالذين أخبروا خبرهم.
وقد علق صاحب المنار على رأى ابن جرير هذا بقوله : وهذا تأويل متكلف ينبو عنه النظم الكريم، فإن اعتبار طائفة السرية بما قد يحصل لها من النصر - وهو غير ممضون ولا مطرد - لا يسمى تفقها في الدين، وإن كان يدخل في عموم معنى الفقه، فإن التفقه هو التعلم الذي يكون بالتكلف والتدرج، والمتبادر من الدين علمه، ولا يصح هذا المعى في ذلك العهد إلا في الذين يبقون مع النبى - ﷺ - فيزدادون في كل يوم علما وفقها بنزول القرآن..
هذا، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية : وجوب طلب العلم، والتفقه في دين الله وتعليم الناس إياه.
قال القرطبى : هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم ؛ لأن المعنى : وما كان المؤمنون لينفروا كافة والنبى - ﷺ - مقيم لا ينفر فيتركوه وحده " فلولا نفر " بعدما علموا أن النفير لا يسعه جميعهم ﴿مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾ وتبقى بقيتها مع النبى - ﷺ - ليتحملوا عنه الدين ويتفقهوا، فإذا رجع النافرون إليهم أخبرهم بما سمعوه وعلموه، وفى هذا إيجاب التفقه، في الكتاب والسنة، وأنه على الكفاية دون الأعيان..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى