لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن
عن الكتاب
قوله سبحانه وتعالى :﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ الآية. قال عكرمة : لما نزلت هذه الآية ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلوا عن رسول الله قال ناس من المنافقين. هلك من تخلف فنزلت هذه الآية ومن كان المؤمنون لينفروا كافة. وقال ابن عباس : أنها ليست في الجهاد ولكن لما دعا رسول الله ﷺ على مضر بالسنين أجدبت بلادهم فكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد ويقبلوا بالإسلام وهم كاذبون فضيقوا على أصحاب رسول الله ﷺ وأجهدوهم فأنزل الله عز وجل الآية يخبر نبيه ﷺ أنهم ليسوا مؤمنين فردهم رسول الله ﷺ إلى عشائرهم وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم إذا رجعوا إليهم فذلك قوله سبحانه وتعالى :﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه قال :«كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة فيأتون النبي ﷺ فيسألونه عما يريدون من أمر دينهم ويتفقهون في دينهم ويقولون للنبي ﷺ ما تأمرنا أن نفعله وأخبرنا عما نقول لعشائرنا إذا انطلقنا إليهم فيأمرهم نبي الله ﷺ بطاعة الله وطاعة رسوله ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة فكانوا إذا أتوا قومهم نادوا أن من أسلم فهو منا وينذرونهم حتى أن الرجل ليفارق أباه وأمه وكان رسول الله ﷺ يخبرهم بما يحتاجون إليه من أمر الدين وأن ينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ويدعوهم إلى الإسلام وينذرهم ويبشروهم بالجنة وقال مجاهد : إن ناساً من أصحاب النبي ﷺ خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفاً ومن الحطب وما ينتفعون به ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى فقال الناس لهم ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم تحرجاً وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على رسول الله ﷺ فقال الله عز وجل ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ يبتغون الخير وقعد طائفة ﴿ليتفقهوا في الدين﴾ ليسمعوا ما أنزل الله ﴿ولينذروا قومهم﴾ من الناس ﴿إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ وقال ابن عباس : ما كان المؤمنون لينفروا جميعاً ويتركوا رسول الله ﷺ وحده فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة يعني عصبة يعني السرايا ولا يسيرون إلا بإذنه فإذا رجعت السرايا وقد نزل في بعضهم قرآن تعلمه القاعدون من رسول الله ﷺ وقالوا إن الله قد أنزل على نبيكم من بعدكم قرآناً وقد تعلمناه فمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم وتبعث سرايا أخرى فذلك قوله سبحانه وتعالى ليتفقهوا في الدين يقول ليتعملوا ما أنزل الله على نبيهم ويعلموا السرايا إذا رجعت إليهم لعلهم يحذرون نقل هذه الأقوال كلها الطبري وأما تفسير الآية فيمكن أن يقال إنها بقية أحكام الجهاد ويمكن أن يقال إنها كلام مبتدأ لا تعلق له بالجهاد فعلى الاحتمال الأول فقد قيل : إن النبي ﷺ كان إذا خرج للغزو ولم يتخلف عنه إلا منافق أو صاحب عذر فلما بلغ الله في الكشف عن عيوب المنافقين وفضحهم في تخلفهم عن غزوة تبوك قال المؤمنون والله لا نتخلف عن شيء من الغزوات مع رسول الله ﷺ ولا عن سرية يبعثها فلما قدم المدينة وبعث السرايا نفر المسلمون جميعاً إلى الغزو وتركوا رسول الله ﷺ وحده فنزلت هذه الآية فيكون المعنى ما كان ينبغي للمؤمنين ولا يجوز لهم أن ينفروا بكليتهم إلى الجهاد ويتركوا رسول الله ﷺ بل يجب أن ينقسموا إلى قسمين فطائفة يكونون مع رسول الله ﷺ وطائفة ينفرون إلى الجهاد لأن ذلك الوقت كانت الحاجة داعية إلى انقسام أصحاب رسول الله ﷺ إلى قسمين : قسم للجهاد، وقسم لتعلم العلم والتفقه في الدين، لأن الأحكام والشرائع كانت تتجدد شيئاً بعد شيء فالملازمون لرسول الله ﷺ يحفظون ما نزل من الأحكام وما تجدد من الشرائع فإذا قدم الغزاة أخبروهم وبذلك فيكون معنى الآية وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا يعني فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة للجهاد وقعد طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم الذين نفروا إلى الجهاد إذا رجعوا إليهم من غزوهم لعلهم يحذرون يعني مخالفة مر الله وأمر رسوله وهذا معنى قول قتادة. وقيل : إن التفقه صفة للطائفة النافرة قال الحسن : ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ومعنى ذلك أن الفرقة النافرة إذا شاهدوا نصر الله لهم على أعدائهم وأن الله يريد إعلاء دينه وتقوية نبيه ﷺ وأن الفئة القليلة قد غلبت جمعاً كثيراً، فإذا رجعوا من ذلك النفير إلى قومهم من الكفار، أنذروهم بما شاهدوا من دلائل النصر والفتح والظفر لهم لعلهم يحذرون فيتركوا الكفر والنفاق وأورد على هذا القول أن هذا النوع لا يعد تفقهاً في الدين ويمكن أن يجاب عنه بأنهم إذا علموا أن الله هو ناصرهم ومقويهم على عدوهم كان ذلك زيادة في إيمانهم فيكون ذلك فقهاً في الدين. وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يقال إن هذه الآية كلام مبتدأ لا تعلق له بالجهاد وهو ما ذكرناه عن مجاهد أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ خرجوا إلى البوادي فأصابوا معروفاً ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى فقال الناس لهم : ما نراكم إلا وقد تركتم صاحبكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجاً فأقبلوا كلهم من البادية حتى دخلوا على رسول الله ﷺ فأنزل الله هذه الآية والمعنى هلا نفر من كل فرقة طائفة وقعد طائفة ليتفقهوا في الدين ويبلغوا ذلك إلى النافرين لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون يعني بأس الله ونقمته إذا خالفوا أمره في الآية دليل على أنه يجب أن يكون المقصود من العلم والتفقه دعوة الخلق إلى الحق وإرشادهم إلى الدين القويم والصراط المستقيم فكل من تفقه وتعلم بهذا القصد كان المنهج القويم والصراط المستقيم ومن عدل عنه وتعلم العلم لطلب الدنيا كان من الأخسرين أعمالاً الآية ( ق ).
عن معاوية قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم ويعطى الله ولم يزل أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة وحتى يأتي أمر الله » ( ق ).
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ «تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا » عن ابن عباس : أن رسول الله ﷺ قال :«فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد » أخرجه الترمذي وأصل الفقه في اللغة الفهم يقال فقه الرجل إذا فهم وفقه فقاهة إذا صار فقيهاً. وقيل : الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم وفي الاصطلاح الفقه عبارة عن العلم بأحكام الشرائع وأحكام الدين وذلك ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية ففرض العين معرفة أحكام الطهارة وأحكام الصلاة والصوم فعلى كل مكلف معرفة ذلك قال النبي ﷺ :«طلب العلم فريضة على كل مسلم » ذكره البغوي بغير سند وكذلك كل عبادة وجبت على المكلف بحكم الشرع يجب عليه معرفة علمها مثل علم الزكاة إذا صار مال يجب في مثله الزكاة وعلم أحكام الحج إذا وجب عليه.
وأما فرض الكفاية من الفقه، فهو أن يتعلم حتى يبلغ رتبة الاجتهاد ودرجة الفتيا وإذا قعد أهل بلد عن تعلمه عصوا جميعاً وإذا قام به من كل بلد واحد فتعلم حتى بلغ درجة الفتيا سقط الفرض عن الباقين وعليهم تقليده فيما يقع لهم من الحوادث.
عن أبي أمامة قال : قال رسول الله ﷺ :«فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم » أخرجه الترمذي مع زيادة فيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة » أخرجه الترمذي عن أنس أن رسول الله ﷺ قال :«من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع » أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال :«العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة » أخرجه أبو داود.
الآية المحكمة هي التي لا اشتباه فيها ولا اختلاف في حكمها أو ما ليس بمنسوخ، والسنة القائمة هي المستمرة الدائمة التي العمل بها متصل لا يترك، والفريضة العادلة هي التي لا جور فيها ولا حيف في قضائها. قال الفضيل بن عياض : عالم عامل معلم يدعى عظيماً في ملكوت السماوات. وأخرجه الترمذي موقوفاً وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه :«طلب العلم أفضل من صلاة النافلة ».
عن معاوية قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم ويعطى الله ولم يزل أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة وحتى يأتي أمر الله » ( ق ).
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ «تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا » عن ابن عباس : أن رسول الله ﷺ قال :«فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد » أخرجه الترمذي وأصل الفقه في اللغة الفهم يقال فقه الرجل إذا فهم وفقه فقاهة إذا صار فقيهاً. وقيل : الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم وفي الاصطلاح الفقه عبارة عن العلم بأحكام الشرائع وأحكام الدين وذلك ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية ففرض العين معرفة أحكام الطهارة وأحكام الصلاة والصوم فعلى كل مكلف معرفة ذلك قال النبي ﷺ :«طلب العلم فريضة على كل مسلم » ذكره البغوي بغير سند وكذلك كل عبادة وجبت على المكلف بحكم الشرع يجب عليه معرفة علمها مثل علم الزكاة إذا صار مال يجب في مثله الزكاة وعلم أحكام الحج إذا وجب عليه.
وأما فرض الكفاية من الفقه، فهو أن يتعلم حتى يبلغ رتبة الاجتهاد ودرجة الفتيا وإذا قعد أهل بلد عن تعلمه عصوا جميعاً وإذا قام به من كل بلد واحد فتعلم حتى بلغ درجة الفتيا سقط الفرض عن الباقين وعليهم تقليده فيما يقع لهم من الحوادث.
عن أبي أمامة قال : قال رسول الله ﷺ :«فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم » أخرجه الترمذي مع زيادة فيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة » أخرجه الترمذي عن أنس أن رسول الله ﷺ قال :«من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع » أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال :«العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة » أخرجه أبو داود.
الآية المحكمة هي التي لا اشتباه فيها ولا اختلاف في حكمها أو ما ليس بمنسوخ، والسنة القائمة هي المستمرة الدائمة التي العمل بها متصل لا يترك، والفريضة العادلة هي التي لا جور فيها ولا حيف في قضائها. قال الفضيل بن عياض : عالم عامل معلم يدعى عظيماً في ملكوت السماوات. وأخرجه الترمذي موقوفاً وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه :«طلب العلم أفضل من صلاة النافلة ».