روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
أَوَلاَ يَرَوْنَ } يعني المنافقين، والهمزة للإنكار والتوبيخ، والكلام في العطف شهير. وقرأ حمزة. ويعقوب. وأبي بن كعب بالتاء الفوقانية على أن الخطاب للمؤمنين والهمزة للتعجيب أي أولا يعلمون وقيل أولا يبصرون ﴿أَنَّهُمْ﴾ أي المنافقين ﴿يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ﴾ من الأعوام ﴿مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ بأفانين البليات من المرض والشدة مما يذكر الذنوب والوقوف بين يدي علام الغيوب فيؤدي إلى الإيمان به تعالى والكف عما هم عليه، وفي الخبر «إذا مرض العبد ثم عوفي ولم يزدد خيراً قالت الملائكة : هو الذي داويناه فلم ينفعه الدواء » فالفتنة هنا بمعنى البلية والعذاب، وقيل : هي بمعنى الاختبار، والمعنى أولا يرون أنهم يختبرون بالجهاد مع رسول الله ﷺ فيعاينون ما ينزل عليه من الآيات لا سيما الآيات الناعية عليهم قبائحهم ﴿ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ﴾ عما هم فيه ﴿وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ ولا يعتبرون.
والجملة على قراءة الجمهور عطف على ﴿يَرَوْنَ﴾ داخل تحت الإنكار والتوبيخ، وعلى القراءة الأخرى عطف على ﴿يُفْتَنُونَ﴾ والمراد من المرة والمرتين على ما صرح به بعضهم مجرد التكثير لا بيان الوقوع على حسب العدد المزبور. وقرأ عبد الله ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
هذا ومن باب الإشارة :﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ أي يصيبهم بالبلاء ليتوبوا ﴿ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٦] وفي الأثر البلاء سوط من سياط الله تعالى يسوق به عباده إليه ويرشد إلى ذلك قوله تعالى :﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كالظلل دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ [لقمان: ٣٢] وقوله تعالى :﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢] وبالجملة إن البلاء يكسر سورة النفس فيلين القلب فيتوجه إلى مولاه إلا أن من غلبت عليه الشقاوة ذهب منه ذلك الحال إذا صرف عنه البلاء كما يشير إليه قوله تعالى :﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] وقوله سبحانه :﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إلى ضُرّ مَّسَّهُ﴾ [يونس: ١٢]

تفسير هذه الآية من كتب أخرى