بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
ثم وعد لهم النصرة، فقال تعالى :﴿قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ﴾، يعني : بالقتل والهزيمة، ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ ؛ يعني : ويذلهم بالهزيمة، ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ يعني : على قريش، ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ ؛ يعني : ويفرح قلوب بني خزاعة. وفي الآية دلالة نبوة محمد ﷺ، لأن الله تعالى قد وعد المؤمنين على لسان النبي ﷺ أن يعذب الكفار بأيديهم ويخزهم وينصركم، فأنجز وعده ولم يظهر خلاف ما وعد لهم.
قال الفقيه : حدثنا أبي قال : حدثنا أحمد بن يحيى السمرقندي قال : حدثنا محمد بن الحسن الجوباري قال : حدثنا حماد بن زيد، عن عكرمة قال : لما واعد رسول الله ﷺ أهل مكة، وقد كانت بنو خزاعة حُلفاء رسول الله ﷺ في الجاهلية، وكانت بنو بكر حلفاء قريش ؛ فدخلت بنو خزاعة في صلح رسول الله ﷺ، ودخلت بنو بكر في صلح قريش ؛ ثم كان بين بني بكر وبين بني خزاعة فقال : فأمدت قريش بني بكر بسلاح وطعام وظلوا عليهم ؛ ثم إن قريشاً خافوا أن يكونوا قد نقضوا العهد وغدروا، فقالوا لأبي سفيان : اذهب إلى محمد وجدد العهد، فليس في قوم أطعموا قوماً ما يكون فيه نقض العهد، يعني : الذي أطعم الطعام لا ينقض عليه العهد.
فانطلق أبو سفيان في ذلك، فلما قصد أبو سفيان المدينة قال رسول الله ﷺ :« قَدْ جَاءَكُمْ أَبُو سُفْيَانَ وَسَيَرْجِعُ رَاضِياً بِغَيْرِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ ». فلما قدم أبو سفيان المدينة، أتى أبا بكر فقال : يا أبا بكر، جدد الحلف وأصلح بين الناس ؛ فقال له أبو بكر : الأمر إلى الله وإلى رسوله. ثم أتى عمر فقال له نحو ما قال لأبي بكر، فقال له عمر : نقضتم ؟ فما كان منه جديداً فأبلاه الله، وما كان منه متيناً أو شديداً فقطعه الله تعالى. فقال له أبو سفيان : ما رأيت كاليوم شاهد عشيرة مثلك، يعني : شاهداً على هلاك قومه.
ثم أتى فاطمة رضي الله عنها فقال لها : يا فاطمة، هل لك في أمر تسودين فيه نساء قريش ؟ ثم قال لها نحو ما قال لأبي بكر وعمر، فقالت : الأمر إلى الله وإلى رسوله. ثم أتى علياً فذكر له نحواً من ذلك، فقال له عليّ : ما رأيت كاليوم رجلاً أضل منك أنت سيد الناس، فجدِّد وأصلح بين الناس.
فضرب أبو سفيان يمينه على يساره وقال : أجرت الناس بعضهم من بعض ثم رجع إلى قومه، فأخبرهم بما صنع فقالوا : ما رأينا كاليوم وافد قوم، والله يا أبا سفيان ما جئنا بصلح فنأمن ولا بحرب ؛ فقدم وافد بني خزاعة على النبي ﷺ، فأخبره بما صنع القوم ودعاه إلى النصرة، فقال في ذلك شعراً :
اللَّهُمَّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدا. . . حلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا
إنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا. . . وَنَقَضُوا ميثَاقَكَ المُؤَكَّدَا
وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا. . . وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدا
وَهُمْ أَتُونَا بِالوَتِينِ هجدَا. . . نَتْلُو الكِتَابَ رُكَّعاً وَسُجَّدَا
ثَمَّةَ أَسْلَمْنَا وَلَمْ نَنْزعْ بُدَّا. . . فَانْصُرْ رَسُولَ الله نَصْراً أَعْتَدَا
وَابْعَثْ جُنُودَ الله تَأْتِي مَدَدَا. . . فِيهِمْ رَسُولُ الله قَدْ تَجَرَّدَا
فأمر النبي ﷺ بالرحيل وروي في خبر أن النبي ﷺ قال :« والله، لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشاً وَالله لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشاً ». وقال :« والله لا نُصِرْتُ، إِنْ لَمْ أَنْصُرْكُمْ ». فخرج إلى مكة ومعه عشرة آلاف رجل، ثم رجعنا إلى حديث عكرمة قال : فتجهزوا. وأقبل رسول الله ﷺ بالناس، حتى نزلوا برمال الظهران، فخرج أبو سفيان من مكة، فرأى النيران والعسكر فقال : ما هذه ؟ فقيل : هؤلاء بنو تميم. فقال : والله هؤلاء أكثر من أهل منًى. فلما علم أنه رسول الله ﷺ، تنكَّر وأقبل يقول : دلوني على العباس ؛ فأتاه فانطلق به إلى رسول الله ﷺ، حتى أدخله عليه، فقال له : رسول الله ﷺ :« يَا أَبَا سُفْيَانَ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ ». فقال : كيف أصنع بالَّلات والعزى ؟
قال حماد بن زيد : حدثني أبو الخليل، عن سعيد بن جبير أن عمر رضي الله عنه قال وهو خارج من القبة، وفي عنقه السيف : أخر عليهما ؛ أما والله لو كنت خارجاً عن القبة ما سألت عنهما أبداً، قال : من هذا ؟ فقالوا : عمر بن الخطاب. فأسلم أبو سفيان، فانطلق به العباس إلى منزله ؛ فلما أصبح، رأى الناس قد تحركوا للوضوء والصلاة، فقال أبو سفيان للعباس : يا أبا الفضل أو أمروا فيَّ بشيء ؟ قال : لا، ولكنهم قاموا إلى الصلاة فتوضأ. ثم انطلق به إلى رسول الله ﷺ، فلما قام رسول الله ﷺ إلى الصلاة قاموا، فلما كبر كبروا، فلما ركع ركعوا، فلما سجد سجدوا. فقال أبو سفيان : يا أبا الفضل، ما رأيت كاليوم طاعة قوم، لا فارس الأكارم، ولا الروم ذات القرون.
قال حماد بن زيد، فزعم يزيد بن حازم، عن عكرمة أنه قال : يا أبا الفضل، أصبح ابن أخيك عظيم الملك، فقال له العباس : إنه ليس بملك ولكنه نبوة. قال : هو ذاك. وقال حماد : قال أيوب ثم قال : واصباح قريش وقال العباس : يا رسول الله، لو أذنت لي فأتيتهم ودعوتهم، وأمنتهم وجعلت لأبي سفيان شيئاً يذكر به. قال :« فَافْعَلْ » فركب العباس بغلة رسول الله ﷺ، فدخل مكة فنادى : يا أهل مكة أسلموا تسلموا، فقد استبطأتم بأشهب باذل ؛ قد جاءكم الزبير من أعلى مكة، وجاء خالد من أسفل مكة. وخالد وما خالد والزبير وما الزبير. ثم قال : من أسلم فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن. ثم إن رسول الله ﷺ ظهر عليهم، فآمن الناس جميعاً إلا بني بكر من خزاعة، فقاتلتهم خزاعة إلى نصف النهار، فأنزل الله تعالى :﴿قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ وهم خزاعة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى