جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿إِنّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخر وَأَقَامَ الصّلاَةَ وَآتَىَ الزّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاّ اللّهَ فَعَسَىَ أُوْلََئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.
يقول تعالى ذكره : إنما يعمر مساجد الله المصدّق بوحدانية الله، المخلص له العبادة واليوم الاَخر، يقول : الذي يصدق ببعث الله الموتى أحياء من قبورهم يوم القيامة، وأقام الصلاة المكتوبة بحدودها، وأدّى الزكاة الواجبة عليه في ماله إلى من أوجبها الله له. وَلمْ يَخْشَ إلاّ اللّهَ يقول : ولم يرهب عقوبة شيء على معصيته إياه سوى الله. فَعَسَى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ يقول : فخليق بأولئك الذين هذه صفتهم أن يكونوا عند الله ممن قد هداه الله للحقّ وإصابة الصواب.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : إنّمَا يَعْمُرُ مَساجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ باللّهِ واليَوْمِ الاَخِرِ يقول : من وحد الله. وآمن باليوم الاَخر يقول : أقرّ بما أنزل الله. وأقامَ الصّلاةَ يعني الصلوات الخمس. ولَمْ يَخْشَ إلاّ اللّهَ يقول : ثم لم يعبد إلا الله، قال : فَعَسَى أُولَئِكَ يقول : إن أولئك هم المفلحون، كقوله لنبيه : عَسَى أنْ يَبْعَثكَ رَبّكَ مَقاما مَحْمُودا يقول : إن ربك سيبعثك مقاما محمودا، وهي الشفاعة، وكل «عسى » في القرآن فهي واجبة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : ثم ذكر قول قريش : إنا أهل الحرم، وسقاة الحاجّ، وعمّار هذا البيت، ولا أحد أفضل منا فقال : إنّمَا يَعْمُرُ مَساجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ باللّهِ واليَوْمِ الاَخِرِ : أي إن عمارتكم ليست على ذلك، إنما يعمر مساجد الله : أي من عمرها بحقها، مَنْ آمَنَ بالله واليَوْمِ الاَخِرِ وأقامَ الصّلاةَ وآتى الزّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلاّ اللّهَ فأولئك عمارها. فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ و«عسى » من الله حق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى