الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ قال الضحاك وأبو عبيدة : قذر، وقال ابن الأنباري : خبيث يقال : رجل نجس وامرأة نجس ورجلان وامرأتان نجس ورجال ونساء نُجُس بفتح النون والجيم أو نجُس بضم الجيم ورجس في هذه الأحوال لايثنّى ولا يجمع لأنّه مصدر، وأما النجس بكسر النون وجزم الجيم فلا يقال إلا إذا قيل معه رجس، فإذا أُفرد قيل : نَجِس بفتح النون وكسر الجيم أو نجُس بضم الجيم.
وقرأ ابن السميقع : إنما المشركون أنجاس، كقولك أخباث على الجمع، واختلفوا في معنى النجس والسبب الذي من أجله سمّاهم بذلك، فروي عن ابن عباس : ما المشركون إلا رجس خنزير أو كلب، وهذا قول غير مرضي لمعنيين أحدهما أنه روي عنه من وجه غير حميد فلا يصح عنه، والآخر أن هذه نجاسة الحكم لا نجاسة العين ؛ لأن أعيانهم لو كانت نجسة كالكلب والخنزير لما طهرهم الإسلام، ولا يستوي في النهي عن دخول المشركين المسجد الحرام وغيره من المساجد، واحتج من قال أعيانهم نجسة بما روي أن عمر بن عبد العزيز كتب أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع نهيه بقول الله تعالى ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾.
وكما روي عن الحسن أنه قال : لا تصافحوا المشركين. فمن صافحهم فليتوضّأ، وقال قتادة : سمّاهم نجساً لأنهم يجنبون ولايغتسلون، ويحدثون ولا يتوضؤون، فمنعوا من دخول المسجد لأن الجنب لاينبغي أن يدخل المسجد.
وقال الحسين بن الفضل : هذه نجاسة الحكم لا نجاسة العين فسموا نجساً على الذّم، يدلّ عليها ما روي " أن النبي ﷺ لقى حذيفة فأخذ ﷺ بيده، فقال حذيفة : يارسول الله إنّي جنب، فقال :" إن المؤمن لا ينجس " ".
﴿فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ قال أهل المعاني : أراد بهذا منعهم من دخول الحرم لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا المسجد الحرام، قال عطاء الحرم كلّه قبلة ومسجد وتلا هذه الآية.
جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ لا يدخل الحرم إلا أهل الجزية أو عبد لرجل من المسلمين، ونساؤهم حل لكم، وقرأ :﴿بعد عامهم هذا﴾ يعني العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه عنه بالناس، ونادى علي كرم الله وجهه ببراءة وهو سنة تسع في الهجرة ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الآية.
قال المفسرون : وكان المشركون يجلبون إلى البيت الطعام ويتّجرون ويتبايعون، فلمّا منعوا من دخول الحرم شقّ ذلك على المسلمين، والقى الشيطان في قلوبهم الخوف وقال لهم : من أين تأكلون وتعيشون وقد بقي المشركون وانقطعت عنهم العير. فقال المؤمنون : يارسول الله قد كنّا نصيب من تجارتهم وبياعاتهم فالآن تنقطع عنّا الأسواق ويملك التجارة، ويذهب ما كنّا نصيب منها من المرافق، فأنزل الله عز وجل ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾.
وقال عمرو بن فايد : معناه وإذا خفتم ؛ لأن القوم كانوا قد خافوا، وذلك هو قول القائل : إن كنت أبي فأكرمني يعني ( إن خفت ) عيلة فقراً وفاقة. يقال عال يعيل عيلة وعيولا. قال الشاعر :
فلا يدري الفقير متى غناهولايدري الغني متى يعيل
وفي مصحف عبد الله : وإن خفتم عايلة أي ( حصلة ) يعول عليكم أي يشق ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وذلك أنه أنزل عليهم مطراً مدراراً فكثر خيرهم حين ذهب المشركون.
وقال مقاتل : أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش من اليمن وطهوا الطعام إلى مكة على ظهور الإبل والدواب، وكفاهم الله عز وجل ما كانوا يتخوّفون.
قال الكلبي : اخصبت [. . . . . . . . . . . . ]، وكفاهم الله ما أهمّهم، وقال الضحاك وقتادة : قسم الله منها ما هو خير لهم وهو الجزية فأغناهم الله. وذلك قوله :﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى