محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٨ من سورة التوبة في ١٢٦ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٤٢ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٨ من سورة التوبة

١٢٦ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هََذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله وأقرّوا بوحدانيته : ما المشركون إلا نجس.
واختلف أهل التأويل في معنى النجَس وما السبب الذي من أجله سماهم بذلك، فقال بعضهم : سماهم بذلك لأنهم يُجْنِبون فلا يغتسلون، فقال : هم نجس، ولا يقربوا المسجد الحرام، لأن الجنب لا ينبغي له أن يدخل المسجد. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، في قوله : إنّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ : لا أعلم قتادة إلا قال : النجَس : الجنابة.
وبه عن معمر، قال : وبلغني أن النبيّ ﷺ لقي حذيفة، وأخذ النبيّ ﷺ بيده، فقال حذيفة : يا رسول الله إني جُنُب فقال :«إنّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُس ».
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إنّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ : أي أجناب.
وقال آخرون : معنى ذلك : ما المشركون إلا رجس خنزير أو كلب. وهذا قول رُوي عن ابن عباس من وجه غير حميد، فكرهنا ذكره.
وقوله : فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا يقول للمؤمنين : فلا تدعوهم أن يقربوا المسجد الحرام بدخولهم الحرَم. وإنما عني بذلك منعهم من دخول الحرَم، لأنهم إذا دخلوا الحرَم فقد قربوا المسجد الحرام.
وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم فيه نحو الذي قلناه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر وابن المثنى، قالا : حدثنا أبو عاصم، قال : أخبرنا ابن جريج، قال : قال عطاء : الحرَم كله قبلة ومسجد، قال : فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ لم يعن المسجد وحده، إنما عنى مكة والحرَم. قال ذلك غير مرة.
وذُكر عن عمر بن عبد العزيز في ذلك ما :
حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، قال : ثني الوليد بن مسلم، قال : حدثنا أبو عمرو : أن عمر بن عبد العزيز كتب : أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين وأتبع في نهيه قول الله : إنّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن الحسن : إنّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ قال : لا تصافحوهم، فمن صافحهم فليتوضأ.
وأما قوله : بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا فإنه يعني : بعد العام الذي نادى فيه عليّ رحمة الله عليه ببراءة، وذلك عامَ حجّ بالناس أبو بكر، وهي سنة تسع من الهجرة. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامِ بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا وهو العام الذي حجّ فيه أبو بكر، ونادى عليّ رحمة الله عليهما بالأذان وذلك لتسع سنين مضين من هجرة رسول الله ﷺ. وحجّ نبيّ الله ﷺ من العام المقبل حِجة الوداع لم يحجّ قبلها ولا بعدها.
وقوله : وَإنْ خِفْتُمْ عَيلَةً يقول للمؤمنين : وإن خفتم فاقة وفقرا، بمنع المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام. فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ إنْ شَاءَ يقال منه : عال يَعِيل عَيْلَةً وعُيُولاً، ومنه قول الشاعر :
وَما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتَى غناهُوَما يَدْرِي الغَنيّ مَتَى يَعِيلُ
وقد حُكي عن بعضهم أن من العرب من يقول في الفاقة : عال يَعُول بالواو. وذكر عن عمر بن فائد أنه كان تأوّل قوله : وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً بمعنى : وإذ خفتم، ويقول : كان القوم قد خافوا، وذلك نحو قول القائل لأبيه : إن كنت أبي فأكرمني، بمعنى : إذ كنت أبي. وإنما قيل ذلك لهم، لأن المؤمنين خافوا بانقطاع المشركين عن دخول الحرم انقطاع تجاراتهم ودخول ضرر عليهم بانقطاع ذلك، وأمّنهم الله من العَيْلة وعوّضهم مما كانوا يكرهون انقطاعه عنهم ما هو خير لهم منه، وهو الجزية، فقال لهم : قاتلُوا الّذِينَ لا يُؤْمنُونَ باللّهِ وَلا باليَوْمِ الآخر وَلا يُحَرّمُونَ ما حَرّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ. . . إلى : صَاغِرُونَ.
وقال قوم بإدرار المطر عليهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إنّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامِ بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا قال : لما نفى الله المشركين عن المسجد الحرام ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزن، قال : من أين تأكلون وقد نُفي المشركون وانقطعت عنكم العِير ؟ فقال الله : وَإنْ خِفْتُمْ عَيلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ إنْ شاءَ فأمرهم بقتال أهل الكتاب، وأغناهم من فضله.
حدثنا هناد بن السريّ، قال : حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إنّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامِ بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا قال : كان المشركون يجيئون إلى البيت، ويجيئون معهم بالطعام ويَتّجرون فيه فلما نهُوُا أن يأتوا البيت قال المسلمون : من أين لنا طعام ؟ فأنزل الله : وَإنْ خِفْتُمْ عَيلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ إنْ شَاءَ فأنزل عليهم المطر، وكثر خيرهم حين ذهب عنهم المشركون.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن عليّ بن صالح، عن سماك، عن عكرمة : إنّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ. . . الآية، ثم ذكر نحو حديث هناد، عن أبي الأحوص،
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن واقد، عن سعيد بن جبير، قال : لما نزلت : إنّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامِ بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا شقّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا : من يأتينا بطعامنا، ومن يأتينا بالمتاع ؟ فنزلت : وَإنْ خِفْتُمْ عَيلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ إنْ شَاءَ.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن واقد مولى زيد بن خلدة، عن سعيد بن جبير، قال : كان المشركون يقدمون عليهم بالتجارة، فنزلت هذه الآية : إنّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ. . . إلى قوله : عَيلَةً قال : الفقر. فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية العوفيّ، قال : قال المسلمون : قد كنا نصيب من تجارتهم وبياعاتهم، فنزلت : إنّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ. . . إلى قوله : مِنْ فَضْلِهِ.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت أبي، أحسبه قال : أنبأنا أبو جعفر، عن عطية، قال : لما قيل : ولا يحجّ بعد العام مشرك قالوا : قد كنا نصيب من بياعاتهم في الموسم. قال : فنزلت : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إنّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامِ بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا وَإنْ خِفْتُمْ عَيلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني : بما فاتهم من بياعاتهم.
حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا : حدثنا ابن يمان، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك : وَإنْ خِفْتُمْ عَيلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ قال : بالجزية.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن يمان وأبو معاوية، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك، قال : أخرج المشركون من مكة، فشقّ ذلك على المسلمين، وقالوا : كنا نصيب منهم التجارة والمِيرة. فأنزل الله : قاتِلُوا الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ باللّهِ وَلا باليَوْمِ الاَخِرِ.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَإنْ خِفْتُمْ عَيلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ كان ناس من المسلمين يتألفون العير فلما نزلت براءة بقتال المشركين حيثما ثُقِفوا، وأن يقعدوا لهم كل مرصد، قذف الشيطان في قلوب المؤمنين. فمن أين تعيشون وقد أمرتم بقتال أهل العِير ؟ فعلم الله من ذلك ما علم، فقال : أطيعوني، وامضوا لأمري، وأطيعوا رسولي، فإني سوف أغنيكم من فضلي فتوكل لهم الله بذلك.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : إنّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ. . . إلى قوله : فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ إنْ شاءَ قال : قال المؤمنون : كنا نصيب من متاجر المشركين. فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله عوضا لهم بأن لا يقربوهم المسجد الحرام. فهذه الآية من أوّل براءة في القراءة، ومن آخرها في التأويل : قاتِلُوا الّذِينَ لا يؤمِنُونَ باللّهِ وَلا باليَوْمِ الاَخِرِ. . . إلى قوله : عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ حين أمر محمد وأصحابه بغزوة تبوك.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : لما نفى الله المشركين عن المسجد الحرام، شقّ ذلك على المسلمين، وكانوا يأتون ببياعات ينتفع بذلك المسلمون، فأنزل الله تعالى ذكره : وَإنْ خِفْتُمْ عَيلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ فأغناهم بهذا الخراج الجزية الجارية عليهم، يأخذونها شهرا شهرا، عاما عاما. فليس لأحد من المشركين أن يقرَب المسجد الحرام بعد عامهم بحال إلا صاحب الجزية، أو عبد رجل من المسلمين.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن جريج، قال : أخبرنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله : إنّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامِ بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا إلا أن يكون عبدا أو أحدا من أهل الذمة.
قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامِ بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا قال : إلا صاحب جزية، أو عبدا لرجل من المسلمين.
حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال : حدثنا حجاج، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، قال : أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في هذه الآية : إنّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامِ إلا أن يكون عبدا أو أحدا من أهل الجزية.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : وَإنْ خِفْتُمْ عَيلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ قال : أغناهم الله بالجزية الجارية شهرا فشهرا وعاما فعاما.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا عباد بن العوّام، عن الحجاج، عن أبي الزبير، عن جا
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم يتفضل الله بتوفيقه للتوبة والإنابة إليه، من بعد عذابه الذي به عذَّب من هلك منهم قتلا بالسيف = (على من يشاء)، أي يتوب الله على من يشاء من الأحياء، يُقْبِل به إلى طاعته = (والله غفور)، لذنوب من أناب وتاب إليه منهم ومن غيرهم منها = (رحيم)، بهم، فلا يعذبهم بعد توبتهم، ولا يؤاخذهم بها بعد إنابتهم. (١)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله وأقرُّوا بوحدانيته: ما المشركون إلا نَجَس.
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى "النجس"، وما السبب الذي من أجله سمَّاهم بذلك.
فقال بعضهم: سماهم بذلك، لأنهم يجنبون فلا يغتسلون، فقال: هم نجس،
(١) انظر تفسير " التوبة "، و " غفور " و " رحيم " فيما سلف من فهارس اللغة (توب)، (غفر)، (رحم).
ولا يقربوا المسجد الحرام = لأن الجنب لا ينبغي له أن يدخل المسجد.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٥٩١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، في قوله: (إنما المشركون نجس)، : لا أعلم قتادة إلا قال: "النجس"، الجنابة.
١٦٥٩٢- وبه، عن معمر قال: وبلغني أن النبي ﷺ لقي حذيفة، وأخذ النبيُّ ﷺ بيده، فقال حذيفة: يا رسول الله، إني جُنُب! فقال: إنّ المؤمن لا ينجُس.
١٦٥٩٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس)، أي: أجْنَابٌ.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: ما المشركون إلا رِجْسُ خنزير أو كلب.
وهذا قولٌ رُوِي عن ابن عباس من وجه غير حميد، فكرهنا ذكرَه.
* * *
وقوله: (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، يقول للمؤمنين: فلا تدعوهم أن يقربوا المسجد الحرام بدخولهم الحرَم. وإنما عنى بذلك منعَهم من دخول الحرم، لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا المسجد الحرام.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.
فقال بعضهم فيه نحو الذي قلناه.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٥٩٤- حدثنا بشر، وابن المثنى قالا حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال: قال عطاء: الحرمُ كله قبلةٌ ومسجد. قال: (فلا يقربوا المسجد الحرام)، لم يعن المسجدَ وحده، إنما عنى مكة والحرم. قال ذلك غير مرَّةٍ.
وذكر عن عمر بن عبد العزيز في ذلك ما:-
١٦٥٩٥- حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير قال، حدثني الوليد بن مسلم قال، حدثنا أبو عمرو: أن عمر بن عبد العزيز كتب: "أنِ امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين"، وأَتْبَعَ في نهيه قولَ الله: (إنما المشركون نجس).
١٦٥٩٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن الحسن: (إنما المشركون نجس)، قال: لا تصافحوهم، فمن صافحَهم فليتوضَّأ.
* * *
وأما قوله: (بعد عامهم هذا)، فإنه يعني: بعد العام الذي نادَى فيه علي رحمة الله عليه ببراءة، وذلك عام حجَّ بالناس أبو بكر، وهي سنة تسع من الهجرة، كما:-
١٦٥٩٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، وهو العام الذي حجّ فيه أبو بكر، ونادى عليّ رحمة الله عليهما بالأذان، وذلك لتسع سنين مضين من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحجَّ نبيُّ الله ﷺ من العام المقبل حجّة الوداع، لم يحجَّ قبلها ولا بعدها.
* * *
وقوله: (وإن خفتم عيلة)، يقول للمؤمنين: وإن خفتم فاقَةً وفقرًا، بمنع المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام = (فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء).
* * *
يقال منه: عال يَعِيلُ عَيْلَةً وعُيُولا ومنه قول الشاعر: (١)
وَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتَى غِنَاهوَمَا يَدْرِي الغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ (٢)
(١) هو أحيحة بن الجلاح.
(٢) سلف البيت وتخريجه وشرحه، فيما سلف ٧: ٤٥٩، وانظر مجاز القرآن ١: ٢٥٥.
وقد حكي عن بعضهم أنّ من العرب من يقولُ في الفاقة: "عال يعول" بالواو. (١)
* * *
وذكر عن عمرو بن فائد أنه كان تأوّل قوله (٢) (وإن خفتم عيلة)، بمعنى: وإذ خفتم. ويقول: كان القوم قد خافُوا، وذلك نحو قول القائل لأبيه: "إن كنت أبي فأكرمني"، بمعنى: إذ كنت أبي.
* * *
وإنما قيل ذلك لهم، لأن المؤمنين خافوا بانقطاع المشركين عن دخول الحرم، انقطاع تجاراتهم، ودخول ضرر عليهم بانقطاع ذلك. وأمَّنهم الله من العيلة، وعوَّضهم مما كانوا يكرهون انقطاعه عنهم، ما هو خير لهم منه، وهو الجزية، فقال لهم: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)، إلى: (صَاغِرُون).
* * *
وقال قوم: بإدرار المطر عليهم.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٥٩٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، قال: لما نَفَى الله المشركين عن المسجد الحرام، ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحَزَن، قال: من أين تأكلون، وقد نُفِيَ المشركون وانقطعت عنهم العيرُ! (٣) فقال الله: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من
(١) انظر تفسير " عال " فيما سلف ٧: ٥٤٨، ٥٤٩.
(٢) " عمرو بن فائد "، أبو علي الأسواري، وردت عنه الرواية في حروف من القرآن.
مترجم في طبقات القراء ١: ٦٠٢ رقم: ٢٤٦٢، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٢٥٣، ولسان الميزان ٤: ٣٧٢، وميزان الاعتدال، ٢: ٢٩٨، وهو في الحديث ليس بشيء، بل هو منكر الحديث، متروك.
(٣) في المطبوعة: " وانقطعت عنكم " وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب.
فضله إن شاء)، فأمرهم بقتال أهل الكتاب، وأغناهم من فضله.
١٦٥٩٩- حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة في قوله: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، قال: كان المشركون يجيئون إلى البيت، ويجيئون معهم بالطعام، وَيتَّجرون فيه. فلما نُهُوا أن يأتوا البيت، قال المسلمون: من أين لنا طعام؟ فأنزل الله: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء)، فأنزل عليهم المطر، وكثر خيرهم، حتى ذهب عنهم المشركون.
١٦٦٠٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن علي بن صالح، عن سماك، عن عكرمة: (إنما المشركون نجس)، الآية = ثم ذكر نحو حديث هنّاد، عن أبي الأحوص.
١٦٦٠١- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن واقد، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: مَنْ يأتينا بطعامنا، ومن يأتينا بالمتاع؟ فنزلت: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء). (١)
١٦٦٠٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن واقد مولى زيد بن خليدة، عن سعيد بن جبير، قال: كان المشركون يقدَمون عليهم بالتجارة، فنزلت هذه الآية: (إنما المشركون نجس)، إلى قوله: (عيلة)، قال: الفقر = (فسوف يغنيكم الله من فضله).
١٦٦٠٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية العوفي قال: قال المسلمون: قد كنّا نصيب من تجارتهم وبِياعاتهم،
(١) الأثران: ١٦٦٠١، ١٦٦٠٢ - " واقد، ولي زيد بن خليدة "، ثقة، سلف برقم: ١١٤٥٠.
فنزلت: (إنما المشركون نجس)، إلى قوله: (من فضله).
١٦٦٠٤- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي =أحسِبه قال: أنبأنا أبو جعفر، عن عطية، قال: لما قيل: ولا يحج بعد العام مشرك! قالوا: قد كنا نصيب من بياعاتهم في الموسم. قال: فنزلت: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله)، يعني: بما فاتهم من بياعاتهم.
١٦٦٠٥- حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا حدثنا ابن يمان، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله)، قال: الجزية.
١٦٦٠٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان وأبو معاوية، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك، قال: أخرج المشركون من مكة، فشقَّ ذلك على المسلمين وقالوا: كنا نُصيب منهم التجارة والميرة. فأنزل الله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر)،
١٦٦٠٧- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله)، كان ناس من المسلمين يتألَّفون العير; فلما نزلت "براءة" بقتال المشركين حيثما ثقفوا، وأن يقعدُوا لهم كل مرصد، قذف الشيطان في قلوب المؤمنين: فمن أين تعيشون وقد أمرتم بقتال أهل العير؟ فعلم الله من ذلك ما علم، فقال: أطيعوني، وامضوا لأمري، وأطيعوا رسولي، فإني سوف أغنيكم من فضلي. فتوكل لهم الله بذلك.
١٦٦٠٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (إنما المشركون نجس)، إلى قوله: (فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء)، قال: قال المؤمنون: كنا نصيب
من متاجر المشركين! فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله، عوضًا لهم بأن لا يقربوهم المسجد الحرام. فهذه الآية مع أول "براءة" في القراءة، ومع آخرها في التأويل (١) (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر)، إلى قوله: (عن يد وهم صاغرون)، حين أمر محمد وأصحابه بغزْوة تبوك.
١٦٦٠٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.
١٦٦٠٩م- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: لما نفى الله المشركين عن المسجد الحرام، شقَّ ذلك على المسلمين، وكانوا يأتون بِبَيْعَات ينتفع بذلك المسلمون. (٢) فأنزل الله تعالى ذكره: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله)، فأغناهم بهذا الخراج، الجزيةَ الجاريةَ عليهم، يأخذونها شهرًا شهرًا، عامًا عامًا، فليس لأحد من المشركين أن يقرب المسجد الحرام بعد عامهم بحالٍ، إلا صاحب الجزية، أو عبد رجلٍ من المسلمين.
١٦٦١٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرنا أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، إلا أن يكون عبدًا أو أحدًا من أهل الذمّة.
١٦٦١١-...... قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، قال: إلا صاحب جزية، أو عبد لرجلٍ من المسلمين.
١٦٦١٢- حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا حجاج، عن
(١) في المطبوعة: " من أول براءة... ومن آخرها "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب محض.
(٢) في المطبوعة: " ببياعات "، وأثبت ما في المخطوطة.
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. قال، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في هذه الآية: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام)، إلا أن يكون عبدًا، أو أحدًا من أهل الجزية.
١٦٦١٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله)، قال: أغناهم الله بالجزية الجارية شهرًا فشهرًا، وعامًا فعامًا.
١٦٦١٤- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عباد بن العوام، عن الحجاج، عن أبي الزبير، عن جابر: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، قال: لا يقرب المسجد الحرام بعد عامه هذا مشركٌ ولا ذميٌّ.
١٦٦١٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة)، وذلك أن الناس قالوا: لتقطعنَّ عنا الأسواق، ولتهلكن التجارة، وليذهبنّ ما كنا نصيب فيها من المَرافق! (١) فقال الله عز وجل: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله)، من وجه غير ذلك = (إن شاء)، إلى قوله: (وهم صاغرون)، ففي هذا عوَض مما تخوَّفتم من قطع تلك الأسواق، فعوَّضهم الله بما قطع عنهم من أمر الشرك، ما أعطَاهم من أعْناق أهلِ الكتاب من الجزية. (٢)
* * *
وأما قوله: (إن الله عليم حكيم)، فإن معناه: (إن الله عليم)، بما حدثتكم به أنفسكم، أيها المؤمنون، من خوف العيلة عليها بمنع المشركين من أن يقربوا
(١) في المطبوعة: " فنزل: وإن خفتم "، ولم تكن " فنزل " في المخطوطة، سها الكاتب وتجاوز ما كان ينقل منه، وأثبته من نص ابن إسحاق في سيرة ابن هشام.
(٢) الأثر: ١٦٦١٥ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٢، ١٩٣، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٥٥٦.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينًا وذاتًا بنفي المشركين، الذين هم نَجَس دينًا، عن المسجد
الحرام، وألا يقربوه بعد نزول هذه الآية. وكان نزولها في سنة تسع ؛ ولهذا بعث رسول الله ﷺ عليا صحبة أبي بكر، رضي الله عنهما، عامئذ، وأمره أن ينادي في المشركين : ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف(١) بالبيت عريان. فأتم الله ذلك، وحكم به شرعا وقدرا.
وقال عبد الرازق : أخبرنا ابن جُرَيْج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى :﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ إلا أن يكون عبدًا، أو أحدا من أهل الذمة(٢)
وقد روي مرفوعا من وجه آخر، فقال الإمام أحمد : حدثنا حُسَين(٣) حدثنا شريك، عن الأشعث - يعني : ابن سَوَّار - عن الحسن، عن جابر قال : قال النبي ﷺ :" لا يدخل مسجدنا بعد عامنا هذا مشرك، إلا أهل العهد وخدمهم(٤) (٥)
تفرد به أحمد مرفوعا، والموقوف أصح إسنادا.
وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي : كتب عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه : أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع نهيه قول الله :﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾
وقال عطاء : الحرم كله مسجد، لقوله تعالى :﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾.
ودلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما دلت [ على طهارة المؤمن، ولما ](٦) ورد في [ الحديث ](٧) الصحيح :" المؤمن لا ينجس " (٨) وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات ؛ لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم.
وقال أشعث، عن الحسن : من صافحهم فليتوضأ. رواه ابن جرير.
وقوله :﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن إسحاق : وذلك أن الناس قالوا : لتنقطعن عنا الأسواق، ولتهلكن(٩) التجارة وليذهبن ما كنا نصيب فيها من المرافق، فنزلت(١٠) ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من وجه غير ذلك - ﴿إِنْ شَاءَ﴾ إلى قوله :﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي : إن هذا عوض ما تخوفتم من قطع تلك الأسواق، فعوضهم الله بما قطع عنهم من أمر الشرك، ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب، من الجزية.
وهكذا رُوي عن ابن عباس، ومجاهد، وعِكْرِمة، وسعيد بن جُبَير، وقتادة والضحاك، وغيرهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ أي : بما يصلحكم، ﴿حَكِيم﴾ أي : فيما يأمر به وينهى عنه ؛ لأنه الكامل في أفعاله وأقواله، العادل في خلقه وأمره، تبارك وتعالى ؛ ولهذا عوضهم عن تلك المكاسب بأموال الجزية التي يأخذونها من أهل الذمة. فقال :﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾
١ - في ت، أ :"يطوفن"..
٢ - تفسير عبد الرزاق (١/٢٤٥)..
٣ - في أ :"حسن"..
٤ - في ت، أ :"وخدمكم"..
٥ - المسند (٣/٣٩٢) وقال الهيثمي في المجمع (٤/١٠) :"فيه أشعث بن سوار وفيه ضعف وقد وثق"..
٦ - زيادة من ك، أ..
٧ - زيادة من ك، أ..
٨ - صحيح البخاري برقم (٢٨٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه :"إن المسلم لا ينجس"..
٩ - في ت :"وليمكن"..
١٠ - في ك، أ :"فنزل"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ عَامِرٍ السُّوَائي -وَكَانَ شَهِدَ حُنَيْنًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدُ -فَكُنَّا نَسْأَلُهُ عَنِ الرُّعْبِ الَّذِي أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَكَانَ يَأْخُذُ الْحَصَاةَ فَيَرْمِي بِهَا فِي الطَّسْت (١) فَيَطِنُّ، فَيَقُولُ (٢) كُنَّا نَجِدُ فِي أَجْوَافِنَا مِثْلَ هَذَا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ (٣) فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ هَمَّام قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ" (٤)
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (٥)
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى بَقِيَّةِ هَوَازِنَ، وَأَسْلَمُوا وَقَدِمُوا عَلَيْهِ مُسْلِمِينَ، وَلَحِقُوهُ وَقَدْ قَارَبَ مَكَّةَ عِنْدَ الجِعِرَّانة، وَذَلِكَ بَعْدَ الْوَقْعَةِ بِقَرِيبٍ مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ خَيَّرهم بَيْنَ سَبْيِهِمْ وَبَيْنَ أَمْوَالِهِمْ، فَاخْتَارُوا سَبْيَهُمْ، وَكَانُوا سِتَّةَ آلَافِ أَسِيرٍ مَا بَيْنَ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَقَسَّمَ أَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَنَفَلَ أُنَاسًا مِنَ الطُّلَقَاءِ لِيَتَأَلَّفَ قُلُوبَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَأَعْطَاهُمْ مِائَةً مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أُعْطِيَ مِائَةً مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّضْري، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى قَوْمِهِ كَمَا كَانَ، فَامْتَدَحَهُ بِقَصِيدَتِهِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا:
مَا إنْ رَأيتُ وَلَا سَمعتُ بمثْلِه... فِي النَّاس كُلّهم بِمِثْلِ مُحَمَّد...
أوْفَى وأعْطَى لِلْجَزِيلِ إِذَا اجتُدى... ومَتى تَشَأ يُخْبرْكَ عَمّا فِي غَد...
وإذَا الْكَتِيبَةُ عَرّدَتْ أنيابُها... بالسَّمْهَريّ وَضَرْب كُلّ مُهَنَّد...
فَكَأنَّه لَيْثٌ عَلَى أشْبَالهوَسْطَ الهَبَاءة (٦) خَادر فِي مَرْصَد
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾
أَمَرَ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنَيْنِ الطَّاهِرِينَ دِينًا وَذَاتًا بِنَفْيِ الْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ هُمْ نَجَس دينًا، عن المسجد
(١) في ت: "الطشت".
(٢) في ت: "ثم يقول".
(٣) في ت: "أسد".
(٤) صحيح مسلم برقم (٥٢٣).
(٥) في ك، أ: "فأنزل" وهو خطأ.
(٦) في ت، د: "المياه"، وفي أ: "المناة".
الْحَرَامِ، وَأَلَّا يَقْرَبُوهُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَكَانَ نُزُولُهَا فِي سَنَةِ تِسْعٍ؛ وَلِهَذَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا صُحْبَةَ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَامَئِذٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ فِي الْمُشْرِكِينَ: أَلَّا يَحُجَّ بعد العام مشرك، ولا يطوف (١) بالبيت عريان. فَأَتَمَّ اللَّهُ ذَلِكَ، وَحَكَمَ بِهِ شَرْعًا وَقَدَرًا.
وقال عبد الرازق: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا، أَوْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ (٢)
وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَين (٣) حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الْأَشْعَثِ -يَعْنِي: ابْنَ سَوَّار -عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَدْخُلُ مَسْجِدَنَا بَعْدَ عَامِنَا هَذَا مُشْرِكٌ، إِلَّا أَهْلُ الْعَهْدِ وَخَدَمُهُمْ (٤) " (٥)
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا، وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ إِسْنَادًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ: كَتَبَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنِ امْنَعُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ دُخُولِ مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَتْبَعَ نَهْيَهُ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾
وَقَالَ عَطَاءٌ: الْحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾.
وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى نَجَاسَةِ الْمُشْرِكِ كَمَا دَلَّتْ [عَلَى طَهَارَةِ الْمُؤْمِنِ، وَلِمَا] (٦) وَرَدَ فِي [الْحَدِيثِ] (٧) الصَّحِيحِ: "الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ" (٨) وَأَمَّا نَجَاسَةُ بَدَنِهِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْبَدَنِ وَالذَّاتِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّ طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ إِلَى نَجَاسَةِ أَبْدَانِهِمْ.
وَقَالَ أَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ: مَنْ صَافَحَهُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: لَتَنْقَطِعَنَّ عَنَّا الْأَسْوَاقُ، وَلَتَهْلِكَنَّ (٩) التِّجَارَةُ وَلَيَذْهَبَنَّ مَا كُنَّا نُصِيبُ فِيهَا مِنَ الْمَرَافِقِ، فَنَزَلَتْ (١٠) ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ ذَلِكَ - ﴿إِنْ شَاءَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا عِوَضُ مَا تَخَوَّفْتُمْ مِنْ قَطْعِ تِلْكَ الْأَسْوَاقِ، فَعَوَّضَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَطَعَ عَنْهُمْ مِنْ أَمْرِ الشِّرْكِ، مَا أَعْطَاهُمْ مِنْ أعناق أهل الكتاب، من الجزية.
(١) في ت، أ: "يطوفن".
(٢) تفسير عبد الرزاق (١/٢٤٥).
(٣) في أ: "حسن".
(٤) في ت، أ: "وخدمكم".
(٥) المسند (٣/٣٩٢) وقال الهيثمي في المجمع (٤/١٠) :"فيه أشعث بن سوار وفيه ضعف وقد وثق".
(٦) زيادة من ك، أ.
(٧) زيادة من ك، أ.
(٨) صحيح البخاري برقم (٢٨٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: "إن المسلم لا ينجس".
(٩) في ت: "وليمكن".
(١٠) في ك، أ: "فنزل".
وَهَكَذَا رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وعِكْرِمة، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ، وَغَيْرِهِمْ.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: بِمَا يُصْلِحُكُمْ، ﴿حَكِيم﴾ أَيْ: فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ الْكَامِلُ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، الْعَادِلُ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى؛ وَلِهَذَا عَوَّضَهُمْ عَنْ تِلْكَ الْمَكَاسِبِ بِأَمْوَالِ الْجِزْيَةِ الَّتِي يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَقَالَ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فَهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَمَّا كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (١) لَمْ يَبْقَ لَهُمْ إِيمَانٌ صَحِيحٌ بِأَحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَلَا بِمَا جَاءُوا بِهِ، وَإِنَّمَا يَتَّبِعُونَ آرَاءَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمْ وَآبَاءَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ، لَا لِأَنَّهُ شَرْعُ اللَّهِ وَدِينُهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِمَا بِأَيْدِيهِمْ إِيمَانًا صَحِيحًا لَقَادَهُمْ ذَلِكَ إِلَى الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ [الْأَقْدَمِينَ] (٢) بَشَّرُوا بِهِ، وَأَمَرُوا بِاتِّبَاعِهِ، فَلَمَّا جَاءَ وَكَفَرُوا (٣) بِهِ، وَهُوَ أَشْرَفُ الرُّسُلِ، عُلِم أَنَّهُمْ لَيْسُوا مُتَمَسِّكِينَ بِشَرْعِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَقْدَمِينَ لِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، بَلْ لِحُظُوظِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، فَلِهَذَا لَا يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ بِبَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ كَفَرُوا بِسَيِّدِهِمْ وَأَفْضَلِهِمْ وَخَاتَمِهِمْ وَأَكْمَلِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ [نَزَلَتْ] (٤) أَوَّلَ الْأَمْرِ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ، بَعْدَ مَا تَمَهَّدَتْ أُمُورُ الْمُشْرِكِينَ وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَلَمَّا اسْتَقَامَتْ (٥) جَزِيرَةُ الْعَرَبِ أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ؛ وَلِهَذَا تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقِتَالِ الرُّومِ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ، وَأَظْهَرَهُ لَهُمْ، وَبَعَثَ إِلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ فَنَدَبَهُمْ، فَأَوْعَبوا مَعَهُ، وَاجْتَمَعَ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ (٦) نَحْوٌ [مِنْ] (٧) ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَتَخَلَّفَ بعضُ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي عَامِ جَدْب، وَوَقْتِ قَيْظ وَحَرٍّ، وَخَرَجَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يُرِيدُ الشَّامَ لِقِتَالِ الرُّومِ، فَبَلَغَ تَبُوكَ، فَنَزَلَ بِهَا وَأَقَامَ عَلَى مَائِهَا (٨) قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ اسْتَخَارَ اللَّهَ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ عَامَهُ ذَلِكَ لِضِيقِ الْحَالِ وَضَعْفِ النَّاسِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقَدِ استدلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَن يَرَى أَنَّهُ لَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ مِنْ أَشْبَاهِهِمْ كَالْمَجُوسِ، لِمَا (٩) صَحَّ فِيهِمُ الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ (١٠) وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ -فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ -وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: بَلْ تُؤْخَذُ مِنْ جَمِيعِ الْأَعَاجِمِ، سَوَاءٌ كَانُوا (١١) مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: بَلْ يَجُوزُ أَنْ تُضْرَبَ الْجِزْيَةُ عَلَى جَمِيعِ الْكُفَّارِ من كتابيٍّ، ومجوسي، ووثني،
(١) في ك: "صلوات الله وسلامه عليه".
(٢) زيادة من أ.
(٣) في أ: "فلما جاءوا كفروا".
(٤) زيادة من ت، أ.
(٥) في جمع النسخ: "واستقامت"، وصوبناه ليستقيم النص.
(٦) في ك: "القابلة".
(٧) زيادة من ت، ك، أ.
(٨) في د: "وأقام بها قريبا".
(٩) في ت، د، ك: "كما".
(١٠) في هـ: "من هجر"، وفي أ: "من يهود هجر" والمثبت من ت، ك، أ.
(١١) في ك: "سواء أن كانوا".
وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلِمَأْخَذِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ وَذِكْرِ أَدِلَّتِهَا مَكَانٌ غَيْرُ هَذَا، واللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ أَيْ: إِنْ لَمْ يُسْلِمُوا، ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أَيْ: عَنْ قَهْرٍ لَهُمْ وَغَلَبَةٍ، ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أَيْ: ذَلِيلُونَ حَقِيرُونَ مُهَانُونَ. فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ إِعْزَازُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا رَفْعُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، بَلْ هُمْ أَذِلَّاءُ صَغَرة أَشْقِيَاءُ، كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ" (١)
وَلِهَذَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، تِلْكَ الشُّرُوطِ الْمَعْرُوفَةَ فِي إِذْلَالِهِمْ وَتَصْغِيرِهِمْ وَتَحْقِيرِهِمْ، وَذَلِكَ مِمَّا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ الْحُفَّاظُ، مِنْ رِوَايَةِ (٢) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: كَتَبْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ صَالَحَ نَصَارَى مِنْ أَهْلِ الشَّامِ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ لِعَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نَصَارَى مَدِينَةِ كَذَا وَكَذَا، إِنَّكُمْ لَمَّا قَدِمْتُمْ عَلَيْنَا سَأَلْنَاكُمُ الْأَمَانَ لِأَنْفُسِنَا وَذَرَارِينَا (٣) وَأَمْوَالِنَا وَأَهْلِ مِلَّتِنَا وَشَرَطْنَا لَكُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا أَلَّا نُحْدِثَ فِي مَدِينَتِنَا وَلَا فِيمَا حَوْلَهَا دَيْرًا وَلَا كَنِيسَةً، وَلَا قِلاية وَلَا صَوْمَعة رَاهِبٍ، وَلَا نُجَدِّدَ مَا خَرِبَ مِنْهَا، وَلَا نُحْيِيَ مِنْهَا مَا كَانَ خُطَطَ (٤) الْمُسْلِمِينَ، وَأَلَّا نَمْنَعَ كَنَائِسَنَا أَنْ يَنْزِلَهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ، وَأَنْ نُوَسِّعَ أَبْوَابَهَا لِلْمَارَّةِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَأَنْ يَنْزِلَ مَنْ مَرَّ بِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ نُطْعِمُهُمْ، وَلَا نأوي فِي كَنَائِسِنَا وَلَا مَنَازِلِنَا جَاسُوسًا، وَلَا نَكْتُمَ غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا نُعَلِّمَ أَوْلَادَنَا الْقُرْآنَ، وَلَا نُظْهِرَ شِرْكًا، وَلَا نَدْعُوَ إِلَيْهِ أَحَدًا؛ وَلَا نَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ ذَوِي قَرَابَتِنَا الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ إِنْ أَرَادُوهُ، وَأَنْ نُوَقِّرَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ نَقُومَ لَهُمْ مِنْ مَجَالِسِنَا إِنْ أَرَادُوا الْجُلُوسَ، وَلَا نَتَشَبَّهَ بِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ مَلَابِسِهِمْ، فِي قَلَنْسُوَةٍ، وَلَا عِمَامَةٍ، وَلَا نَعْلَيْنِ، وَلَا فَرْقِ شَعْرٍ، وَلَا نَتَكَلَّمَ بِكَلَامِهِمْ، وَلَا نَكْتَنِيَ بكُنَاهم، وَلَا نَرْكَبَ السُّرُوجَ، وَلَا نَتَقَلَّدَ السُّيُوفَ، وَلَا نَتَّخِذَ شَيْئًا مِنَ السِّلَاحِ، وَلَا نَحْمِلَهُ مَعَنَا، وَلَا نَنْقُشَ خَوَاتِيمَنَا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَا نَبِيعَ الْخُمُورَ، وَأَنْ نَجُزَّ مَقَادِيمَ رُءُوسِنَا، وَأَنْ نَلْزَمَ زِينا حَيْثُمَا كُنَّا، وَأَنْ نَشُدَّ الزَّنَانِيرَ عَلَى أَوْسَاطِنَا، وَأَلَّا نُظْهِرَ الصَّلِيبَ عَلَى كَنَائِسِنَا، وَأَلَّا نُظْهِرَ صُلُبَنَا وَلَا كُتُبَنَا (٥) فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَسْوَاقِهِمْ، وَلَا نَضْرِبَ نَوَاقِيسَنَا فِي كَنَائِسِنَا إِلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا، وَأَلَّا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا بِالْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِنَا فِي شَيْءٍ مِنْ حَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا نُخْرِجَ شَعَانِينَ وَلَا بَاعُوثًا، وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا مَعَ مَوْتَانَا، وَلَا نُظْهِرَ النِّيرَانَ مَعَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَسْوَاقِهِمْ، وَلَا نُجَاوِرَهُمْ بِمَوْتَانَا، وَلَا نَتَّخِذَ مِنَ الرَّقِيقِ مَا جَرَى عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ نُرْشِدَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا نَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ فِي منازلهم.
(١) صحيح مسلم برقم (٢١٦٧).
(٢) في ت، ك، أ: "حديث".
(٣) في ت، أ: "وذرياتنا".
(٤) في ت، أ: "ما كان في خطط".
(٥) في أ: "صليبا ولا كساء".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٢٨ } ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
يقول تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ﴾ باللّه الذين عبدوا معه غيره ﴿نَجَسٌ﴾ أي : خبثاء في عقائدهم وأعمالهم، وأي نجاسة أبلغ ممن كان يعبد مع اللّه آلهة لا تنفع ولا تضر، ولا تغني عنه شيئا ؟ ".
وأعمالهم ما بين محاربة للّه، وصد عن سبيل اللّه ونصر للباطل، ورد للحق، وعمل بالفساد في الأرض لا في الصلاح، فعليكم أن تطهروا أشرف البيوت وأطهرها عنهم.
﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ وهو سنة تسع من الهجرة، حين حج بالناس أبو بكر الصديق، وبعث النبي ﷺ ابن عمه عليا، أن يؤذن يوم الحج الأكبر ب ﴿براءة﴾ فنادى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وليس المراد هنا، نجاسة البدن، فإن الكافر كغيره طاهر البدن، بدليل أن اللّه تعالى أباح وطء الكتابية ومباشرتها، ولم يأمر بغسل ما أصاب(١)  منها.
والمسلمون ما زالوا يباشرون أبدان الكفار، ولم ينقل عنهم أنهم تقذروا منها، تَقَذُّرَهْم من النجاسات، وإنما المراد كما تقدم نجاستهم المعنوية، بالشرك، فكما أن التوحيد والإيمان، طهارة، فالشرك نجاسة.
وقوله :﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أيها المسلمون ﴿عَيْلَةً﴾ أي : فقرا وحاجة، من منع المشركين من قربان المسجد الحرام، بأن تنقطع الأسباب التي بينكم وبينهم من الأمور الدنيوية، ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فليس الرزق مقصورا على باب واحد، ومحل واحد، بل لا ينغلق باب إلا وفتح غيره أبواب كثيرة، فإن فضل اللّه واسع، وجوده عظيم، خصوصا لمن ترك شيئا لوجهه الكريم، فإن اللّه أكرم الأكرمين.
وقد أنجز اللّه وعده، فإن اللّه قد أغنى المسلمين من فضله، وبسط لهم من الأرزاق ما كانوا به من أكبر الأغنياء والملوك.
وقوله :﴿إِنْ شَاءَ﴾ تعليق للإغناء بالمشيئة، لأن الغنى في الدنيا، ليس من لوازم الإيمان، ولا يدل على محبة اللّه، فلهذا علقه اللّه بالمشيئة.
فإن اللّه يعطي الدنيا، من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان والدين، إلا من يحب.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي : علمه
واسع، يعلم من يليق به الغنى، ومن لا يليق، ويضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها.
وتدل الآية الكريمة، وهي قوله ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ أن المشركين بعد ما كانوا، هم الملوك والرؤساء بالبيت، ثم صار بعد الفتح الحكم لرسول اللّه والمؤمنين، مع إقامتهم في البيت، ومكة المكرمة، ثم نزلت هذه الآية.
ولما مات النبي ﷺ أمر أن يجلوا من الحجاز، فلا يبقى فيها دينان، وكل هذا لأجل بُعْدِ كل كافر عن المسجد الحرام، فيدخل في قوله ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾
١ - الجملة غير واضحة في أ، وأقرب ما تكون أنها: (ولم يأمر أن يغتسل مما أصاب)..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢٨} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ﴾ بالله الذين عبدوا معه غيره ﴿نَجَسٌ﴾ أي: خبثاء في عقائدهم وأعمالهم، وأي نجاسة أبلغ ممن كان يعبد مع الله آلهة لا تنفع ولا تضر، ولا تغني عنه شيئا؟ ".
وأعمالهم ما بين محاربة لله، وصد عن سبيل الله ونصر للباطل، ورد للحق، وعمل بالفساد في الأرض لا في الصلاح، فعليكم أن تطهروا أشرف البيوت وأطهرها عنهم.
﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ وهو سنة تسع من الهجرة، حين حج بالناس أبو بكر الصديق، وبعث النبي ﷺ ابن عمه عليا، أن يؤذن يوم الحج الأكبر بـ ﴿براءة﴾ فنادى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وليس المراد هنا، نجاسة البدن، فإن الكافر كغيره طاهر البدن، بدليل أن الله تعالى أباح وطء الكتابية ومباشرتها، ولم يأمر بغسل ما أصاب (١) منها.
والمسلمون ما زالوا يباشرون أبدان الكفار، ولم ينقل عنهم أنهم تقذروا منها، تَقَذُّرَهْم من النجاسات، وإنما المراد كما تقدم نجاستهم المعنوية، بالشرك، فكما أن التوحيد والإيمان، طهارة، فالشرك نجاسة.
وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أيها المسلمون ﴿عَيْلَةً﴾ أي: فقرا وحاجة، من منع المشركين من قربان المسجد الحرام، بأن تنقطع الأسباب التي بينكم وبينهم من الأمور الدنيوية، ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فليس الرزق مقصورا على باب واحد، ومحل واحد، بل لا ينغلق باب إلا وفتح غيره أبواب كثيرة، فإن فضل الله واسع، وجوده عظيم، خصوصا لمن ترك شيئا لوجهه الكريم، فإن الله أكرم الأكرمين.
وقد أنجز الله وعده، فإن الله قد أغنى المسلمين من فضله، وبسط لهم من الأرزاق ما كانوا به من أكبر الأغنياء والملوك.
وقوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ تعليق للإغناء بالمشيئة، لأن الغنى في الدنيا، ليس من لوازم الإيمان، ولا يدل على محبة الله، فلهذا علقه الله بالمشيئة.
فإن الله يعطي الدنيا، من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان والدين، إلا من يحب.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: علمه -[٣٣٤]- واسع، يعلم من يليق به الغنى، ومن لا يليق، ويضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها.
وتدل الآية الكريمة، وهي قوله ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ أن المشركين بعد ما كانوا، هم الملوك والرؤساء بالبيت، ثم صار بعد الفتح الحكم لرسول الله والمؤمنين، مع إقامتهم في البيت، ومكة المكرمة، ثم نزلت هذه الآية.
ولما مات النبي ﷺ أمر أن يجلوا من الحجاز، فلا يبقى فيها دينان، وكل هذا لأجل بُعْدِ كل كافر عن المسجد الحرام، فيدخل في قوله ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾
(١) الجملة غير واضحة في أ، وأقرب ما تكون أنها: (ولم يأمر أن يغتسل مما أصاب).
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٦ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
عَيْلَةً
فَقْرًا.

إعراب الآية ٢٨ من سورة التوبة

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة التوبة (٩) : آية ٢٥]

لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ قال الفراء «١» : لم ينصرف مواطن لأنه جمع ليس لها نظير في المفرد وليس لها جماع، إلّا أن الشاعر ربما اضطرّ فجمع وليس يوجد في الكلام ما يجوز في الشعر، وأنشد: [الرجز] ١٨٢-
فهنّ يعلكن حدائداتها «٢»
قال أبو جعفر: رأيت أبا إسحاق يتعجّب من هذا قال: أخذ قول الخليل رحمه الله وأخطأ فيه لأن الخليل يقول لم ينصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد ولا يجمع جمع التكسير فأما بالألف والتاء فلا يمتنع.
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ظرف أي ونصركم يوم حنين. وانصرف حنين لأنه مذكر اسم واد ومن العرب من لا يجريه يجعله اسما للبقعة، فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ حذفت الياء للجزم.

[سورة التوبة (٩) : آية ٢٦]

ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦)
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي أنزل عليهم ما يسكّنهم ويذهب خوفهم حتى اجترءوا على قتال المشركين. وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وهم الملائكة يقوّون المؤمنين بما يلقون في قلوبهم من الخواطر والتثبيت ويضعفون الكافرين بالتجبين لهم من حيث لا يرونهم ومن غير قتال لأن الملائكة صلوات الله عليهم لم تقاتل إلا في يوم بدر.

[سورة التوبة (٩) : آية ٢٨]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ابتداء وخبر. فَلا يَقْرَبُوا نهي فلذلك حذفت منه النون.

[سورة التوبة (٩) : آية ٣٠]

وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)
(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٢٨.
(٢) الشاهد بلا نسبة في معاني الفراء ١/ ٤٢٨، وتاج العروس (حدد) وللسان العرب (حدد).
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٢٨ من سورة التوبة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ

إدغام النون في النون إدغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

إظهار النون الأولى مفتوحة

خلف عن حمزة حفص عن عاصم خلاد عن حمزة شعبة عن عاصم أبو الحارث عن الكسائي ابن ذكوان عن ابن عامر الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر هشام عن ابن عامر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب الدوري عن أبي عمرو روح عن يعقوب قنبل عن ابن كثير قالون عن نافع إسحاق عن خلف البزي عن ابن كثير إدريس عن خلف ورش عن نافع

شَآءَ

بالإمالة ومد المتصل 4 حركات

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف ابن ذكوان عن ابن عامر

بالإمالة ومد المتصل 6 حركات

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

بالفتح ومد المتصل 3 حركات

قالون عن نافع روح عن يعقوب ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو

بالفتح ومد المتصل 4 أو 5 حركات

حفص عن عاصم شعبة عن عاصم

بالفتح ومد المتصل 4 حركات

أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي هشام عن ابن عامر

بالفتح ومد المتصل 6 حركات

ورش عن نافع

شَآءَ إِنَّ

تحقيق الهمزة الثانية (إِنَّ)

ابن ذكوان عن ابن عامر إدريس عن خلف إسحاق عن خلف حفص عن عاصم روح عن يعقوب خلف عن حمزة شعبة عن عاصم الدوري عن الكسائي هشام عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة

تسهيل الهمزة الثانية(إِنّ)

ابن جمّاز عن أبي جعفر الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير رويس عن يعقوب ابن وردان عن أبي جعفر البزي عن ابن كثير السوسي عن أبي عمرو ورش عن نافع قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٢٨ من سورة التوبة

٨ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٤٢ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٢٥ قولًا
١
عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر- في قوله: ﴿فسوف يغنيكم الله من فضله﴾، قال: بالجزية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٧.
٢
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق ثابت-، مثلَه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٠٢. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٧. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر.
٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في الآية، قال: قال المؤمنون: قد كُنّا نُصِيبُ من مَتاجر المشركين. فوعَدهم الله أن يُغْنِيَهم من فضله عِوضًا لهم بألّا يَقْرَبوا المسجد الحرام، فهذه الآية في أوَّلِ براءة في القراءة، وفي آخرِها التأويل١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣٦٧، وأخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٠٣، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٧. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر.
٤
قال عكرمة مولى ابن عباس: فأغناهم اللهُ عز وجل بأن أنزل عليهم المطر مِدرارًا؛ فكَثُر خيرُهم١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٤‏/‏٣٣.
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- ﴿فسوف يغنيكم الله من فضله﴾، قال: أغناهم اللهُ بالجزيةِ الجاريةِ شهرًا فشهرًا، وعامًا فعامًا١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٧٢، وابن جرير ١١‏/‏٤٠٤-٤٠٥.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾، ففرِحوا بذلك، فكفاهم الله ما كانوا يَتَخَوَّفون، فأسلمَ أهلُ نجدٍ، وجُرَش، وأهلُ صنعاء، فحملوا الطعام إلى مكة على الظَّهْر١، فذلك قوله: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم﴾٢
التخريج
  1. ١الظَّهْر: الإبل التي يُحمل عليها وتُركب. النهاية (ظهر).
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٦٦.
٧
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة-: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة﴾، وذلك أنّ الناس قالوا: لَتُقْطَعَنَّ عَنّا الأسواق؛ فلَتَهْلَكَنَّ التجارةُ، ولَيَذْهَبَنَّ ما كنا نصيب فيها من المرافق. فنزل: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ مِن وجه غير ذلك ﴿إن شاء﴾ إلى قوله: ﴿وهم صاغرون﴾. ففي هذا عِوَضٌ مِمّا تخوفتم مِن قطع تلك الأسواق، فعوَّضهم الله بما قَطَعَ عنهم مِن أمر الشرك ما أعطاهم مِن أعناق أهل الكتاب مِن الجزية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٠٥.
٨
عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ، قال: «لا يدخُلُ الجنةَ إلّا نفسٌ مُسْلِمَةٌ، ولا يطوفُ بالبيت عُرْيانٌ، ولا يقرَبُ المسجدَ الحرام مشركٌ بعدَ عامِهم هذا، ومَن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ فأجلُه مُدَّتُه»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد في فضائل الصحابة ٢‏/‏٦٤٠، وابن عساكر في تاريخه ٤٢‏/‏٣٤٧، من طريق سوار بن مصعب، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري به. إسناده ضعيف جِدًّا؛ فيه سوار بن مصعب الهمداني الأعمى، قال ابن معين: «ليس بشيء». وقال البخاري: «منكر الحديث». وقال النسائي وغيره: «متروك». كما في لسان الميزان لابن حجر ٤‏/‏٢١٦. وعطية ضعيف أيضًا كما تقدم.
٩
عن أبي هريرة، أنّ رسولَ الله ﷺ قال عام الفتح: «لا يدخُلُ المسجد الحرام مشركٌ، ولا يُؤَدِّي مسلمٌ جزيةً»١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١٠
عن أبي هريرة -من طريق حميد بن عبد الرحمن- قال: أنزل اللهُ في العام الذي نبَذ فيه أبو بكرٍ إلى المشركين: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس﴾ الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾: وهو العامُ الذي حَجَّ فيه أبو بكرٍ، ونادى عليٌّ بالأذان، وذلك لتسع سنينَ من الهجرة، وحجَّ رسول الله ﷺ من العام المقبل حجَّةَ الوداع، لم يَحُجَّ قبلَها ولا بعدَها منذُ هاجر، فلمّا نفى الله المشركين عن المسجد الحرام شَقَّ ذلك على المسلمين؛ فأنزل الله: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾، فأغناهم الله بهذا الخَراجِ الجزيةَ الجاريةَ عليهم، يأخُذُونها شهرًا شهرًا، وعامًا عامًا، فليس لأحدٍ من المشركين أن يَقْرَبَ المسجد الحرام بعدَ عامِهم ذلك، إلّا صاحبَ الجزية، أو عبدَ رجلٍ من المسلمين١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٧١ من طريق معمر مختصرًا، وابن جرير ١١‏/‏٤٠٣، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٥-١٧٧٧ من طريق سعيد مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿بعد عامهم هذا﴾، يعني: بعد عامِ كان أبو بكر على الموسم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٦٥.
١٣
عن سعيد بن جبير -من طريق واقد مولى زيد بن خلدة- ﴿عيلة﴾، قال: الفقر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٠١. وعلَّق ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٧ نحوه.
١٤
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الحَكَم بن أبان- في قوله: ﴿وإن خفتم عيلة﴾، قال: الفاقَة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٧. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد، وابن المنذر.
١٥
عن الضحاك بن مزاحم، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٧.
١٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإن خفتم عيلة﴾، يعني: الفقر١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٦٦.
١٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي روق، عن الضحاك- في قوله: ﴿انما المشركون نجس﴾، قال: النجس: الكلب، والخنزير١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٥. وذكر ابن جرير ١١/ ٣٩٨ نحوه، ثم قال: وهذا قولٌ روي عن ابن عباس من وجه غير حميد؛ فكرِهنا ذِكْرَه.
١٨
عن الضحاك بن مزاحم، ﴿إنما المشركون نجس﴾، قال: قَذَرٌ١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٤‏/‏٣١.
١٩
عن الحسن البصري، ﴿إنما المشركون نجس﴾، قال: قَذَرٌ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢٠
عن الحسن البصري -من طريق أشعث-: ﴿إنما المشركون نجس﴾؛ فمَن صافَحهم فلْيَتوضَّأْ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٣٩٩. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس﴾، أي: أجْنابٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٣٩٧، وبنحوه من طريق معمر.
٢٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾، قال: لا يَمَسُّه في الآخرة إلا المطهرون، فأمّا في الدنيا فقد مسَّه الكافِرُ النَّجِس، والـمُنافق الرجِس١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٧٢.
٢٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس﴾، يعني: مشركي العرب، والنَّجَس: الذي ليس بطاهر. الأنجاس: الأخباث١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٦٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في نجاسة المشركين، أمعنوية هي أم حسيّة؟ واختُلِفَ في سبب تسمية المشركين بذلك على قولين، حكاهما ابنُ جرير (١١/٣٩٧-٣٩٨ بتصرف)، فقال: «اختَلَفَ أهلُ التأويل في معنى النّجس، وما السبب الذي مِن أجله سمّاهم بذلك. فقال بعضهم: سماهم بذلك لأنهم يجنبون فلا يغتسلون، فقال: هم نجس، ولا يقربوا المسجد الحرام لأنّ الجُنُب لا ينبغي له أن يدخل المسجد. وقال آخرون: معنى ذلك: ما المشركون إلا رِجْسُ خنزير أو كلب. وهذا قولٌ رُوِي عن ابن عباس من وجه غير حميد، فكرهنا ذكرَه». وقال ابنُ عطية (٤/٢٨٦): ""مَن قال: بسبب الجنابة. أوْجَبَ الغُسْلَ على مَن يُسْلِم مِن المشركين، ومَن قال بالقول الآخر لم يُوجِب الغسل». ولم يُرَجِّحا شيئًا.
٢٤
عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخلُ المسجدَ الحرام مشركٌ بعد عامي هذا أبدًا، إلّا أهلَ العهد وخدمَكم»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٣‏/‏١٨ (١٤٦٤٩)، ٢٣‏/‏٣٨٧ (١٥٢٢١)، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٥ (١٠٠١٠) واللفظ له. قال ابن كثير في تفسيره ٤‏/‏١٣١ بعد ذكره لرواية أحمد: «تفرد به أحمد مرفوعًا، والموقوف أصح إسنادًا». وقال الهيثمي في المجمع ٤‏/‏١٠ (٥٨٩٢): «وفيه أشعث بن سوار، وفيه ضعف، وقد وُثِّق». وقال العيني في عمدة القاري ٤‏/‏٢٣٧: «بسند جيد».
٢٥
عن جابر بن عبد الله -من طريق أبي الزبير- في قوله: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾: إلّا أن يكون عبدًا، أو أحدًا مِن أهل الذِّمَّة١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١‏/‏٢٧١-٢٧٢، وفي مصنفه ٦‏/‏٥٣ (٩٩٨٢) بلفظ: «... أو أحدًا من أهل الجزية»، وابن خزيمة في صحيحه (ت: ماهر الفحل) ٢‏/‏٤٧٠ (١٣٢٩)، وابن جرير ١١‏/‏٤٠٤، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مَردُويَه.

من أحكام بالآية

٧ أقوال
١
عن أبي هريرة: أنّ النبيَّ ﷺ لَقِيَه في بعض طريق المدينة وهو جُنُب، فانْخَنَسْتُ منه، فذهب، فاغتسل، ثم جاء، فقال: «أين كنت، يا أبا هريرة؟». قال: كُنتُ جُنُبًا، فكرهتُ أن أُجالِسَك وأنا على غيرِ طهارةٍ. فقال: «سبحان الله! إن المسلم لا ينجس»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ١/ ٦٥ (٢٨٣، ٢٨٥)، ومسلم ١‏/‏٢٨٢ (٣٧١).
٢
عن معمر، قال: وبلغني: أنّ النبي ﷺ لَقِيَ حذيفةَ، وأخذ النبيُّ ﷺ بيده، فقال حذيفة: يا رسول الله، إني جُنُبٌ. فقال: «إنّ المؤمنَ لا ينجُس»١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ١‏/‏١٢٤ (٤٥٦)، وفي تفسيره ٢‏/‏١٤١ (١٠٦٦)، وابن جرير ١١‏/‏٣٩٧. وأصله في مسلم ١‏/‏٢٨٢ (٣٧٢).
٣
عن سعيد بن المسيب -من طريق ابن شهاب- قال: قال الله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام﴾، قال:كان أبو سفيان يدخل مسجد المدينة وهو كافر، غير أنّ ذلك لا يَحِلُّ في المسجد الحرام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٦.
٤
عن الأوزاعيِّ، قال: كتب عمر بن عبد العزيز: أن يُمنَعَ أن يدخُلَ اليهودُ والنصارى المساجدَ، وأتْبَع نهيَه: ﴿إنما المشركون نجس﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٣٩٨. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٥
عن حُصين، قال: كتب عمر بن عبد العزيز: أن لا يَقْعُدَنَّ قاضٍ في المسجد يدخل عليه فيه المشركون؛ فإنهم نجس، قال الله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: عوامة) ١١‏/‏٢٦٩ (٢٢٢٥٧).
٦
عن عبد الله بن أبي نجيح -من طريق مَعْمَر- قال: أدركتُ وما يُتْرَكُ يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ يدخلون الحرم، وما يَطَؤوْنه إلا مُسارَقَةً١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٦‏/‏٥٣ (٩٩٨٣).
٧
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق عقيل- وسُئِل عن المشركين. فقال: ليس للمشرك أن يقرب المسجد الحرام بعد عامهم هذا، فكان ولاة الأمر لا يُرَخِّصون للمشركين في دخول مكة١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٦. وقد أورد السيوطي عقب الآية ٧‏/‏٣٠٩-٣١٠ آثارًا عن إخراج المشركين ونحوهم من جزيرة العرب.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ عطية (٤/٢٨٧): «نَصَّ اللهُ تعالى في هذه الآية على المشركين وعلى المسجد الحرام، فقاس مالكٌ رحمه الله وغيرُه جميعَ الكفار مِن أهل الكتاب وغيرِهم على المشركين، وقاس سائرَ المساجد على المسجد الحرام، ومنع مِن دخول الجميع في جميع المساجد. وكذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله، ونزع في كتابه بهذه الآية، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ [النور:٣٦]. وقال الشافعي: هي عامة في الكفار، خاصة في المسجد الحرام. فأباح دخولَ اليهود والنصارى والوثنيين في سائر المساجد. ومن حُجَّته حديثُ: ربط ثمامة بن أثال. وقال أبو حنيفة: هي خاصة في عبدة الأوثان، وفي المسجد الحرام. فأباح دخول اليهود والنصارى في المسجد الحرام وغيره، ودخول عبدة الأوثان في سائر المساجد. وقال عطاء: وصْفُ المسجدِ بالحرامِ، ومنعُ القُرْبِ؛ يقتضي منعَهم مِن جميع الحرم».

نزول الآية

١٠ أقوال
١
عن سعيد بن جبير -من طريق واقِد- قال: لَمّا نزلت: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ شَقَّ ذلك على أصحابِ النبيِّ ﷺ، وقالوا: مِن يأتِينا بطعامِنا وبالمتاع؟ فنزلت: ﴿وإن خفتم عيلة﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١/ ٤٠١ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد بن سليمان- يقول في قوله: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾: كان ناسٌ من المسلمين يَتَأَلَّفون العِيرَ، فلمّا نزلت براءةُ بقتال المشركين حيثما ثُقِفُوا، وأن يقعدوا لهم كل مرصد؛ قذف الشيطانُ في قلوب المؤمنين: فمِن أين تعيشون وقد أُمِرْتُم بقتال أهل العِير؟! فعَلِم اللهُ من ذلك ما عَلِم، فقال: أطيعوني، وامْضُوا لأمري، وأطيعوا رسولي، فإنِّي سوف أغنيكم مِن فضلي. فتَوَكَّل لهم اللهُ بذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٠٢.
٣
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق سماك- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾، قال: كان المشركون يَجِيئُون إلى البيت، ويَجِيئُون معهم بالطعام، ويَتَّجِرون به، فلمّا نُهُوا أن يأتوا البيت قال المسلمون: مِن أينَ لنا طعام؟ فأنزَل الله: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾. قال: فأنزَل اللهُ عليهم المطر، وكَثُرَ خيرُهم حينَ ذهب عنهم المشركون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٠٠.
٤
عن عطية بن سعد العوفي -من طريق أبي جعفر- قال: لَمّا قيل: ولا يَحُجُّ بعد العام مشرك. قالوا: قد كُنّا نُصيب من بياعاتِهِم١ في الموسم. قال: فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾، يعني: بما فاتهم مِن بياعاتهم٢
التخريج
  1. ١البِياعَة: السِّلْعة. اللسان (بيع).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٠١.
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد-: لَمّا نفى الله المشركين عن المسجد الحرام شَقَّ ذلك على المسلمين، وكانوا يأتون بِبَيْعاتٍ ينتفع بذلك المسلمون؛ فأنزل الله: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير١١‏/‏٤٠٣-٤٠٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإن خفتم عيلة﴾ وذلك أنّ الله عز وجل أنزل بعد غزاة تبوك: ﴿فاقتلوا المشركين... ﴾ إلى قوله: ﴿كل مرصد﴾ [التوبة:٥]، فوسوس الشيطانُ إلى أهل مكة، فقال: مِن أين تجدون ما تأكلون، وقد أُمِر أنّه مَن لم يكن مسلمًا أن يُقْتَل ويُؤْخَذ الغنم، ويُقْتَل مَن فيها؟! فقال الله تعالى: امضوا لأمري، وأمر رسولي، ﴿فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٦٦.
٧
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة-: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة﴾، وذلك أنّ الناس قالوا: لَتُقْطَعَنَّ عنّا الأسواق، فلَتَهْلَكَنَّ التجارةُ، ولَيَذْهَبَنَّ ما كُنّا نُصِيب فيها مِن المرافق. فنزل: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٠٥.
٨
عن أبي هريرة -من طريق حميد بن عبد الرحمن- قال: أنزل اللهُ في العام الذي نبَذ فيه أبو بكرٍ إلى المشركين: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس﴾ الآية. فكان المشركون يُوافُون بالتجارة، فيَنتفِعُ بها المسلمون، فلمّا حرَّم اللهُ على المشركين أن يَقْرَبُوا المسجد الحرام؛ وجَد المسلمون في أنفسهم مِمّا قُطِعَ عنهم من التجارة التي كان المشركون يُوافُون بها؛ فأنزل الله: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾. فأحلَّ في الآية الأخرى التي تَتبَعُها الجزيةَ، ولم تكن تُؤْخَذُ قبلَ ذلك، فجعلها عِوضًا ممّا منعهم مِن موافاةِ المشركين بتجاراتِهم، فقال: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ إلى قوله: ﴿صاغرون﴾. فلمّا أحقَّ الله ذلك للمسلمين عرَفوا أنّه قد عاضَهم أفضلَ ممّا كانوا وجدوا عليه ممّا كان المشركون يُوافُون به من التجارة١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في مسند الشاميين ٤‏/‏١٨٤-١٨٥ (٣٠٦٧)، والبيهقي في الكبرى ٩‏/‏٣١٢ (١٨٦٣٥)، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٩ (١٠٠٣١) مختصرًا، من طريق أبي اليمان، أخبرني شعيب، عن الزهري، أخبرني حميد بن عبد الرحمن، أنّ أبا هريرة به.
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: كان المشركون يَجِيئُون إلى البيت، ويَجِيئُون معهم بالطعام يَتَّجِرون به، فلمّا نُهُوا عن أن يأتوا البيتَ قال المسلمون: فمِن أينَ لنا الطعامُ؟ فأنزَل الله: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾. قال: فأنزَل الله عليهم المطر، وكَثُرَ خيرُهم حينَ ذهب المشركون عنهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٧ (١٠٠٢٠)، من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس به. إسناده ضعيف؛ فيه سماك بن حرب، قال عنه ابن حجر في التقريب (٢٦٢٤): «صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغيّر بأخرة، فكان ربما تلقّن».
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- قال: لَمّا نفى الله المشركين عن المسجد الحرام ألقى الشيطانُ في قلوب المؤمنين، فقال: مِن أينَ تأكلون وقد نُفِي المشركون، وانقطعت عنكم العِيرُ؟ قال الله تعالى: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾. فأمَرَهم بقتال أهل الكتاب، وأغناهم من فضله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٠٠، من طريق عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس به. إسناده جيد. وينظر: مقدمة الموسوعة.
التفسير بالمأثور لسورة التوبة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٨ من سورة التوبة

١٤ وقفةً في هذه الآية

  • المسجد الحرام هو مقام التوحيد الأول وأطهر بقعة على وجه الأرض فلا يدخله مشرك {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام}

    — محمد الربيعة

  • "وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ" نحن نخاف وأنت تغني يا رب ما ألطفك

    — عبدالله بلقاسم

  • "إنما المشركون نجس" وحضارة مادية تولدت من نجاسة فهي نجسة .. إلا ما وضع منها لله .

    — #إشراقات براءة

  • "وإن خفتم عيلة" الخوف من الفقر والحاجة والعوز خوف طبيعي .. من غرائز النفوس.

    — #إشراقات براءة

  • ﴿وإن خفتم عَيْلَة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ غِناك وفقرك بيده ، فَلِم تُذل نفسك لغيره

    — إبراهيم العقيل

  • {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله "إن شاء"} دليل على أن الرزق ليس بالاجتهاد، وإنما هو من فضل الله تولى قسمته بين عباده. القرطبي

    — محاسن التاويل

  • { فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء } تعليق للإغناء بالمشيئة ، لأن الغنى في الدنيا ليس من لوازم الإيمان ولا يدل على محبة الله فإن الدنيا لمن يحب ومن لا يحب ولا يعطي الله الإيمان إلا من يحب .

    — تفسير السعدي

  • تأملات قرآنية من تفسير ابن كثير//

    — سعد الحجري

  • (إنما المشركون نجس) مهما تطهروا وتنظفوا وتطيبوا، فخبث التصورات والعقائد والأفعال، لا تطهره مياه الأنهار والبحار، فلا يغرنك المظهر عن المخبر، ولا الدعوى أو القول عن الحقيقة أو العمل، وكن على طاهرة باطنك أن يتلطخ بالرجس أحرص من طهارة ظاهرك.

    — إبراهيم الأزرق

  • (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله) تكفل الله لمن أقام أمر الله على حساب إغلاق باب رزق أن يفتح الله له من فضله أبواباً، إن كانت المصلحة له في ذلك ولهذا قال: (إن شاء)، وتأمل لم يقل فسوف يسد حاجتكم بل (يغنيكم)، ومن أين؟ (من فضله) والله ذو الفضل العظيم.

    — إبراهيم الأزرق

  • الخوف من الفقر لا يمنعان المؤمن من امتثال أمر ربّه؛ فإن الله تعالى بشر من امتثل أمره بالغنى. ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ ﴾

    — هذا بصائر للناس

  • دورة الطريق إلي براءة (تدبرات في سورة التوبة) سورة التوبة آية 28

    — حازم شومان

ووقفتانِ أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

الناسخ والمنسوخ في الآية ٢٨ من سورة التوبة

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بعد عامهم هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
قال جماعةٌ: هذه الآيةُ نَسَخَت ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - صالَحهُم عليه منأن لا يُمْنَعَ أَحدٌ من البيتِ والمسجدِ الحرام والحرَم، (بقوله) ﴿بَعْدَ عامهم هذا﴾ يعني: بقيةَ سنة تِسع، فَمُنِعوا مِن الدُّخولِ بعد سنة تسع، وكان قد صالحهم على أن يَدخلوا ولا يُمْنَعوا.
ومذهبُ مالكٍ أن يُمْنَعَ المشركون كُلُّهُم وأهلُ الكتاب من دخول الحرم ومن دخول كل مسجد - وهو قول عمر بن عبد العزيز وقتادة -.
ومذهبُ الشافعي أن يُمنعوا من الحرَم، ولا يُمنَعوا من سائر المساجد.
وأجاز أبو حنيفة وأصحابه دخول أهل الكتاب خاصة الحرَمَ وسائر المساجد، ويمنعُ ذلكَ كُلَّه غيرَ أهل الكتاب.
قال أبو محمد: وهذه الآية كالتي قبلها كان حَقُّها ألاَّ تُذكَرَ في الناسخ والمنسوخ؛ لأنها لم تنسخ قرآناً.

ترجمات معاني الآية ٢٨ من سورة التوبة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(28) O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Ḥarām after this, their [final] year. And if you fear privation, Allāh will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allāh is Knowing and Wise.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال