بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله تعالى :
﴿قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾، يعني : لا يصدقون بتوحيد الله، ﴿وَلاَ باليوم الآخر﴾ بالبعث بعد الموت، ﴿وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ﴾، في التوراة والإنجيل والقرآن، ﴿وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق﴾، يقول : لا يخضعون لدين الحق، ولا يقرون بشهادة لا إله إلا الله. ومعناه لا يؤمنون بالله إيمان الموحدين، لأن أهل الكتاب كانوا يقرون بالله، ولكنهم قالوا : لله ولد ؛ وأقروا بالبعث، ولكنهم لا يقرون لأهل الجنة بالنعمة، لأنهم لا يقرون بالأكل والشرب والجماع. فليس يدينون دين الحق، يعني : دين الإسلام ؛ ويقال : دين الله تعالى، لأن الله تعالى هو الحق، فأمر الله تعالى بقتلهم إلا أن يعطوا الجزية. وهو قوله تعالى :﴿حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صاغرون﴾ ؛ قال بعضهم : عن قهر وذلّ، كما يقال : اليد في هذا لفلان، يعني : الأمر النافذ لفلان. ويقال :﴿عَن يَدٍ﴾، يعني : عن إنعام عليهم بذلك، لأن قبول الجزية وترك أنفسهم يد ونعمة عليهم. ويقال : عن اعتراف المسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم. ويقال :﴿عَن يَدٍ﴾ يعني : عن قيام يمشون بها صاغرين تؤخذ من أيديهم. وقال الأخفش : يعني : كرهاً. ﴿وَهُمْ صاغرون﴾، يعني : ذليلين.
قال الفقيه : قتال الكفار على ثلاثة أنواع : في وجه، يقاتلون حتى يسلموا ولا يقبل منهم إلا الإسلام، وهم مشركو العرب والمرتدون من الأعراب أو من غيرهم ؛ وفي وجه آخر، يقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ؛ وهم اليهود والنصارى والمجوس ؛ فأما اليهود والنصارى بهذه الآية، وأما المجوس بالخبر، وهو قوله ﷺ :« سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ » وفي الوجه الثالث، واختلفوا فيه، وهم المشركون من غير العرب وغير أهل الكتاب، مثل الترك والهند ونحو ذلك، في قول الشافعي : لا يجوز أخذ الجزية منهم، وفي قول أبي حنيفة وأصحابه : يجوز أخذ الجزية منهم، كما يجوز من المجوس، لأنهم من غير العرب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى