زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ قال المفسرون : نزلت في اليهود والنصارى. قال الزجاج : ومعناها : لا يؤمنون بالله إيمان الموحدين، لأنهم أقروا بأنه خالقهم وأنه له ولد، وكذلك إيمانهم بالبعث لأنهم لا يقرون بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون. وقال الماوردي : إقرارهم باليوم الآخر يوجب الإقرار بحقوقه، وهم لا يقرون بها، فكانوا كمن لا يقر به.
قوله تعالى :﴿وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ قال سعيد بن جبير : يعني الخمر والخنزير.
قوله تعالى :﴿وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ في الحق قولان :
أحدهما : أنه اسم الله، فالمعنى : دين الله، قاله قتادة.
والثاني : أنه صفة للدين، والمعنى : ولا يدينون الدين الحق ؛ فأضاف الاسم إلى الصفة. وفي معنى ﴿يَدِينُونَ﴾ قولان :
أحدهما : أنه بمعنى الطاعة، والمعنى : لا يطيعون الله طاعة حق، قاله أبو عبيدة. والثاني : أنه من : دان الرجل يدين كذا : إذا التزمه. ثم في جملة الكلام قولان :
أحدهما : أن المعنى : لا يدخلون في دين محمد ﷺ، لأنه ناسخ لما قبله.
والثاني : لا يعملون بما في التوراة من اتباع محمد ﷺ.
قوله تعالى :﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ﴾ قال ابن الأنباري : الجزية : الخراج المجعول عليهم ؛ سميت جزية، لأنها قضاء لما عليهم ؛ أخذ من قولهم : جزى يجزي : إذا قضى ؛ ومنه قوله تعالى :﴿لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، وقوله :" وَلاَ تَجْزِى عَنْ أَحَدٌ بَعْدِكَ ". وفي قوله :﴿عَن يَدٍ﴾ ستة أقوال :
أحدها : عن قهر، قاله قتادة، والسدي. وقال الزجاج : عن قهر وذل.
والثاني : أنه النقد العاجل، قاله شريك، وعثمان بن مقسم.
والثالث : أنه إعطاء المبتدئ بالعطاء، لا إعطاء المكافئ، قاله ابن قتيبة.
والرابع : أن المعنى : عن اعتراف للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم.
والخامس : عن إنعام عليهم بذلك، لأن قبول الجزية منهم إنعام عليهم، حكاهما الزجاج.
والسادس : يؤدونها بأيديهم، ولا ينفذونها مع رسلهم، ذكره الماوردي.
قوله تعالى :﴿وهم صاغرون﴾ الصاغر : الذليل الحقير.
وفي ما يكلفونه من الفعل الذي يوجب صغارهم خمسة أقوال :
أحدها : أن يمشوا بها ملببين، رواه أبو صالح عن ابن عباس : والثاني : أن لا يحمدوا على إعطائهم، قاله سلمان الفارسي. والثالث : أن يكونوا قياما والآخذ جالسا، قاله عكرمة. والرابع : أن دفع الجزية هو الصغار. والخامس : أن إجراء أحكام الإسلام عليهم هو الصغار.
فصل : واختلف في الذين تؤخذ منهم الجزية من الكفار، فالمشهور عن أحمد : أنها لا تقبل إلا من اليهود والنصارى والمجوس، وبه قال الشافعي. ونقل الحسن بن ثواب عن أحمد : أنه من سبي من أهل الأديان من العرب والعجم، فالعرب إن أسلموا، وإلا السيف، وأولئك إن أسلموا، وإلا الجزية ؛ فظاهر هذا أن الجزية تؤخذ من الكل، إلا من عابدي الأوثان من العرب فقط، وهو قول أبي حنيفة، ومالك.
فصل : فأما صفة الذين تؤخذ منهم الجزية، فهم أهل القتال. فأما الزمن، والأعمى، والمفلوج، والشيخ الفاني، والنساء، والصبيان، والراهب الذي لا يخالط الناس، فلا تؤخذ منهم.
فصل : فأما مقدارها، فقال أصحابنا : على الموسر : ثمانية وأربعون درهما، وعلى المتوسط : أربعة وعشرون، وعلى الفقير المعتل : اثنا عشر، وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك : على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعون درهما، وسواء في ذلك الغني والفقير. وقال الشافعي : على الغني والفقير دينار. وهل تجوز الزيادة والنقصان مما يؤخذ منهم ؟ نقل الأثرم عن أحمد : أنها تزاد وتنقص على قدر طاقتهم، فظاهر هذا : أنها على اجتهاد الإمام ورأيه. ونقل يعقوب بن بختان : أنه لا يجوز للإمام أن ينقص من ذلك، وله أن يزيد.
فصل : ووقت وجوب الجزية : آخر الحول، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة : تجب في أول الحول. فأما إذا دخلت سنة في سنة، فهل تسقط جزية السنة الماضية ؟ عندنا لا تسقط. وقال أبو حنيفة : تسقط. فأما إذا أسلم، فإنها تسقط بالإسلام. فأما إن مات ؛ فكان ابن حامد يقول : لا تسقط. وقال القاضي أبو يعلى : يحتمل أن تسقط.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى