محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
٢٩ ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾
﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ اعلم أنه لما ذكر تعالى حكم المشركين في إظهار البراءة من عهدهم، وفي إظهار البراءة عنهم في أنفسهم، وفي وجوب مقاتلتهم وفي تبعيدهم عن المسجد الحرام، وعدم الخوف من الفاقة المتوهمة، من انقطاعهم – ذكر بعده حكم أهل الكتاب. هو أن يقاتلوا إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية، منبها في تضاعيف ذلك على بعض طرق الإغناء الموعود على الوجه الكلي، مرشدا إلى سلوكه ابتغاء لفضله واستنجازا لوعده.
قال مجاهد :" نزلت الآية حين أمر النبي ﷺ بقتال الروم، فغزا بعد نزولها غزوة تبوك ".
وقال الكلبي : نزلت في قريظة والنضير من اليهود، فصالحهم فكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام، وأول ذلّ أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين. انتهى.
ولا يخفى شمول الآية لكل ذلك بلا تخصيص.
قال ابن كثير : هذه الآية أول أمر نزل بقتال أهل الكتاب، اليهود والنصارى، وكان ذلك في سنة تسع، ولهذا تجهز الرسول ﷺ لقتال الروم، ودعا الناس إلى ذلك، وأظهره لهم، وبعث إلى أحياء العرب، حول المدينة، فندبهم فأوعبوا معه، واجتمع من المقاتلة نحو من ثلاثين ألفا، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين، وغيرهم، وكان ذلك في عام جدب، ووقت قيظ وحر. وخرج رسول الله ﷺ، يريد الشام / لقتال الروم، فبلغ تبوك، ونزل بها، وأقام بها قريبا من عشرين يوما، ثم استخار الله في الرجوع فر جع عامه ذلك لضيق الحال، وضعف الناس، كما سيأتي بيانه بعد إن شاء الله تعالى. انتهى.
والتعبير عن ( أهل الكتاب ) بالموصول المذكور، للإيذان بعلّية ما في حيز الصلة للأمر بالقتال، فإنهم لا يؤمنون بالله واليوم والآخر، كما أمر تعالى، إذ لديهم من فساد العقيدة، فيما يجب له تعالى، وفي البعث أعظم ضلال وزيغ، ﴿ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ يعني ما ثبت تحريمه في الكتاب والسنة، وقيل : المراد برسوله الرسول الذي يزعمون اتباعه، فالمعنى أنهم يخالفون أصل دينهم المنسوخ اعتقادا وعملا، إذ غيروا وبدلوا اتباعا لأهوائهم.
قال الشهاب : فيكون المراد : لا يتبعون شريعتنا ولا شريعتهم ومجموع الأمرين سبب لقتالهم. وقوله تعالى :﴿دين الحق﴾ من إضافة الموصوف للصفة، أو المراد ب ﴿الحق﴾ الله تعالى، وقوله تعالى :﴿حتى يعطوا الجزية﴾ أي ما تقرر عليهم أن يعطوه.
قال ابن الأثير : الجزية المال الذي يعقد عليه الكتابي الذمة، وهي ( فعلة ) من الجزاء كأنها جزت عن قتله.
وقال الراغب : سميت بذلك للاجتراء بها عن حقن دمهم. (١)
وقال الشهاب : قيل مأخذها من ( الجزاء ) بمعنى القضاء. يقال : جزيته بما فعل، أي جازيته. أو أصلها الهمز من ( الجزء والتجزئة )، لأنها طائفة من المال يعطى. وقيل : إنها معرب ( كزيت ) وهو الجزية بالفارسية. انتهى.
وقوله تعالى :﴿عن يد﴾ حال من فاعل ﴿يعطوا﴾. و ( اليد ) هنا إما بمعنى الاستسلام والانقياد، يقال : هذه يدي لك، أي استسلمت إليك، وانقدت لك. وأعطى يده أي انقاد. كما يقال في خلافه : نزع يده من الطاعة. لأن من أبى وامتنع لم يعط يده، بخلاف المطيع / المنقاد، وإما بمعنى النقد، أي حتى يعطوها نقدا غير نسيئة فيكون ك ( اليد ) في قوله ﷺ (٢) :" لا تبيعوا الذهب والفضة... " إلى قوله :" يدا بيد ". وإما بمعنى الجارحة الحقيقية، و " عن " بمعنى الباء، أي لا يبعثون بها عن يد أحد، ولكن عن يد المعطي إلى يد الآخذ. وإما بمعنى : عن طيبة نفس ؛ قال أبو عبيدة، كل من انطاع لقاهر بشيء أعطاه، من غير طيب نفس به وقهر له، من يد في يد، فقد أعطاه عن يد ( مجاز القرآن ج ١ ص ٢٥٦ ). وإما بمعنى الجماعة أنشد ابن الأعرابي :
أعطى فأعطاني يدا وداراوباحة حوّلها عقارا
( الأساس ج ٢ ص ٥٦٠ واللسان ج ١٥ص ٤٢٥ بيروت ).
ومنه الحديث(٣) " وهم يدٌ على من سواهم " أي هم مجتمعون على أعدائهم، يعاون بعضهم بعضا - قاله أبو عبيد - وإما بمعنى الذل - نقله ابن الأعرابي وحكاه وجها في الآية -.
هذا إن أريد باليد يد المعطي. وإن أريد بها يد الآخذ، فاليد إما بمعنى القوة، أي عن يد قاهرة مستولية ويقولون : مالي به يد أي قوة. وإما بمعنى السلطان، وهو كالذي قبله، ومنه يد الريح سلطانها. قال لبيد :
*نطافٌ أمرها بيد الشَّمال*
( اللسان ج ١٥ ص ٤٢٢. وصدره كما جاء في الأساس ج ٢ ص ٥٦٠ :
*أضل صواره وتضيفته* وفيه : نطوف )
لما ملكت الريح تصريف السحاب، جعل لها سلطان عليه. وإما بمعنى النعمة، أي عن إنعام عليهم بذلك، لأن قبول الجزية، وترك أنفسهم عليهم نعمة عليهم.
قال الناصر : في ( الانتصاف ) : وهذا الوجه أملى بالفائدة.
وإما بمعنى الغنى، حكاه في ( العناية ) ونقله ( التاج ) في معاني اليد.
وقوله تعالى :﴿وهم صاغرون﴾ أي أذلاء.
تنبيهات
الأول- قوله تعالى :﴿عن يد﴾ إما حال من الضمير في ( يعطوه ) أو من الجزية أي مقرونة بالانقياد، ومسلمة بأيديهم وصادرة عن غنى ومقرونة بالذلة، وكائنة عن إنعام عليهم. كذا في ( العناية ).
الثاني- قال السيوطي في ( الإكليل ) هذه الآية أصل قبول الجزية من أهل الكتاب.
الثالث – قال أيضا : استدل من قال بأن معنى اليد فيما تقدم، الغنى أنها لا تجب على معسر. ومن قال بأنه لا يرسل بها، على أنه لا يجوز توكيل مسلم بها، ولا أن يضمنها عنه، ولا أن يحيل بها عليه.
الرابع – قال السيوطي أيضا استدل بقوله تعالى :﴿وهم صاغرون﴾ من قال إنها تؤخذ بإهانة، فيجلس الآخذ ويقوم الذمي ويطأطىء رأسه، ويحني ظهره، ويضعها في الميزان ويقبض الآخذ لحيته ويضرب لهزمتيه. قال : ويرد به على النووي حيث قال : إن هذه سيئة باطلة. انتهى.
قلت : ولقد : صدق النووي عليه الرحمة والرضوان، فإنها سيئة قبيحة، تأباها سماحة الدين، والرفق المعلوم منه، ولولا قصد الرد على من قالها لما شوهت بنقلها ديباجة الصحيفة.
ثم رأيت ابن القيم، رد ذلك بقوله : هذا كله مما لا دليل عليه، ولا هو من مقتضى الآية، ولا نقل عن رسول الله ﷺ، ولا عن أصحابه قال : والصواب في الآية أن الصغار هو التزامهم بجريان أحكام الله تعالى عليهم وإعطاء الجزية، فإن ذلك هو الصغار وبه قال الشافعي. انتهى.
ثم قال السيوطي : واستدل بالآية من قال : إن أهل الذمة يتركون في بلد أهل الإسلام، لأن مفهومها الكف عنهم عند أدائها، ومن الكف ألا يجلوا. ومن قال لا حد لأقلها، ومن قال هي عوض حقن الدم لا أجرة الدار. انتهى.
الخامس- روى أبو عبيد في كتاب ( الأموال ) عن ابن شهاب، قال : أول من أعطى الجزية من أهل الكتاب أهل نجران وكانوا نصارى.
السادس – قال أبو عبيد : ثبتت الجزية على اليهود والنصارى بالكتاب، وعلى المجوس بالسنة.
وقال ابن القيم : لما نزلت آية الجزية أخذها ﷺ، من ثلاث طوائف : من المجوس واليهود والنصارى، ولم يأخذها من عباد الأصنام. فقيل : لا يجوز أخذها من كافر غير هؤلاء، ومن دان بدينهم اقتداء بأخذه وتركه، وقيل : بل تؤخذ من أهل الكتاب وغيرهم من الكفار وهم كعبدة الأصنام من العجم، دون العرب والأول قول الشافعي وأحمد في ( إحدى روايتيه )، والثاني قول أبي حنفية وأحمد في الرواية الأخرى. وأصحاب القول الثاني يقولون : إنما لم يأخذها من مشركي العرب لأنها إنما نزلت فرضيتها بعد أن أسلمت دارة العرب ولم يبق فيها مشرك، فإنها نزلت بعد فتح مكة، ودخول العرب في دين الله أفواجا، فلم يبق بأرض العرب مشرك، ولهذا غزا بعد الفتح تبوك، وكانوا نصارى ولو كان بأرض العرب مشركون لكانوا يلونه، وكانوا أولى بالغزو من الأبعدين. ومن تأمل السير وأيام الإسلام، علم أن الأمر كذلك، فلم تؤخذ منهم الجزية لعدم من يؤخذ عنه، لا لأنهم ليسوا من أهلها، قالوا : وقد أخذها من المجوس فليسوا بأهل كتاب. ولا يصح أنه كان لهم كتاب ورفع، وهو حديث لا يثبت مثله، ولا يصح سنده، ولا فرق بين عبادة النار، وعبادة الأصنام بل أهل الأوثان أقرب حالا من عباد النار، وكان فيهم من التمسك بدين إبراهيم ما لم يكن في عباد النار، بل عباد النار أعداء إبراهيم الخليل. فإذا أخذت منهم الجزية فأخذها من / عباد الأصنام أولى، وعلى ذلك تدل سنة رسول الله ﷺ، كما ثبت عنه في ( صحيح مسلم )(٤) أنه قال :" إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خلال ثلاث، فأيتهن أجابوك إليها، فاقبل منهم وكف عنهم ثم أمره أن يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية أو يقاتلهم ؟.
وقال المغيرة لعامل كسرى :" أمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبد الله أو تؤدي الجزية ".
وقال رسول الله ﷺ لقريش(٥) " هل لكم في كلمة تدين لكم بها العرب، وتؤدي العجم إليكم بها الجزية ؟ قالوا : ما هي قال : لا إله إلا الله ".
ثم ذكر ابن القيم رحمه الله أن النبي ﷺ، (٦) صالح أهل نجران على ألفي حلة، النصف في صفر، والبقية في رجب يؤدونها إلى المسلمين، وعارية ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح، يغزون بها، والمسلمون ضامنون بها، حتى يردوها عليهم، إن كان باليمن كيدة أو غدرة. وعلى ألا يهدم لهم بيعة، ولا يخرج لها قس، ولا يفتنوا عن دينهم، ما لم يحدثوا حدثا، أو يأكلوا الربا.
ولما وجه(٧) ﷺ معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل محتلم دينارا، أو قيمته من ثياب. وفي هذا دليل على أن الجزية غير مقدرة الجنس، ولا القدر، بل يجوز أن تكون ثيابا وذهبا وحللا، وتزيد وتنقص بحسب حاجة المسلمين، واحتمال من تؤخذ منه، وحاله/ في الميسرة، وما عنده من المال. ولم يفرق رسول الله ﷺ ولا حلفاؤه في الجزية بين العرب والعجم، بل أخذها رسول الله ﷺ، من نصارى العرب. وأخذها من مجوس(٨) هَجَر. وكانت مدينة قاعدة البحرين، وكان أهلها عربا، فإن العرب أمة ليس لها في الأصل كتاب، وكانت كل طائفة تدين بدين من جاورها من الأمم، فكانت عرب البحرين مجوسا لمجاورتها فارس وتنوخ وبهرا. وبنو تغلب نصارى لمجاورتهم للروم. وكانت قبائل من اليمن يهود، لمجاورتهم ليهود اليمن، فأجرى رسول الله ﷺ أحكام الجزية، ولم يعتبر آباءهم، ولا متى دخلوا في أهل الكتاب، هل كان دخولهم قبل النسخ والتبديل أو بعده، ومن أين يعرفون ذلك، وكيف ينضبط وما الذي دل عليه ؟ وقد ثبت في السير والمغازي أن من الأنصار من تهود أبنائهم بعد النسخ بشريعة عيسى، وأراد آباؤهم إكراههم على الإسلام، فأنزل الله تعالى(٩) :﴿لا إكراه في الدين﴾ وفي قوله لمعاذ(١٠) " خذ من كل حالم دينارا "، دليل على أنها لا تؤخذ من صبي ولا امرأة.
السابع- قال الإمام أبو يوسف رحمه الله في كتاب ( الخراج ) :
وليس في شيء من أموالهم، الرجال منهم و
١ عبارة النهاية ولسان العرب، "كأنها جزت عن قتله" وهي أوضح من عبارة الراغب..
٢ أخرجه البخاري في : ٣٤ كتاب البيوع، ٧٨ باب بيع الفضة بالفضة، و ٧٩ باب بيع الدينار بالدينار نسأ، ً حديث رقم ١٠٩٧ عن أبي سعيد الخدري.
وأخرجه مسلم في : ٢٢ كتاب المساقاة حديث ٧٦ (طبعتنا) وانفرد مسلم بقوله (إلا بدأ بيد)..

٣ أخرجه ابن ماجة في ٢١ كتاب الديات، ٣١ باب المسلمون تتكافأ دماؤهم حديث رقم ٢٦٨٣ (طبعتنا) عن ابن عباس.
.

٤ أخرجه مسلم في : ٣٢ كتاب الجهاد، حديث ٣ (طبعتنا) عن بريدة بن الحصيب.
.

٥ أخرجه الترمذي في : ٤٤ كتاب التفسير، ٣٨ سورة ص، ١- حدثنا محمود بن غيلان.
وأخرجه في المسند بالصفحة رقم ٢٢٧ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٢٠٠٨ (طبعة المعارف)..

٦ أخرجه أبو داود في : ١٩- كتاب الخراج والإمارة والفيء، ٣٠ باب في أخذ الجزية، حديث ٣٠٤١..
٧ أخرجه أبو داود في : ٩- كتاب الزكاة، ٥ باب في زكاة السائمة حديث رقم ١٥٧٦..
٨ أخرجه البخاري في : ٥٨- كتاب الجزية والموادعة، ١- باب الجزية والموادعة مع أهل الحرب، حديث ١٤٩١ و ١٤٩٢ و ١٤٩٣.
٩ ٢ / البقرة / ٢٥٦..
١٠ أخرجه أبو داود في : ٩- كتاب الزكاة ٥ باب في زكاة السائمة، حديث ١٥٧٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى