فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ فيه الأمربقتال من جمع بين هذه الأوصاف الآتية، ولما فرغ من الكلام على مشركي العرب بقوله :﴿براءة من الله﴾ إلى هنا أخذ يتكلم على أهل الكتابين وهو نص في أن أهل الكتاب لا يؤمنون بالله تعالى فاليهود كفروا لأنهم ما قدروا الله حق قدره ولا عرفوه بصفات كماله، وفرقوا بين الإيمان بالله ورسوله، وغلوا في عزير فقالوا هو ابن الله، والنصارى كفروا لأنهم غلوا في المسيح وقالوا هو ثالث ثلاثة.
قال مجاهد : نزلت هذه الآية حين أمر محمد وأصحابه بقتال الروم فغزا بعد نزولها غزوة تبوك، وقال الكلبي : نزلت في قريظة والنضير من اليهود فصالحهم فكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين.
﴿و﴾ نص الله تعالى في الآية بأنهم ﴿لا﴾ يؤمنون ﴿باليوم الآخر﴾ فإن قلت إنهم قد قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وإثبات الجنة والنار فرع إثبات اليوم الآخر.
قلت : لما كان إثباتهم إياه بغير صفاته ودعوى كاذبة بأنهم أهل الجنة لا غير وأنهم يعذبون أياما معينة، أن إثباته بهذه الصفة نفيا له فإنه إيمان باطل، وإلا لآمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل أنهم يعتقدون بعثة الأرواح دون الأجسام ويعتقدون أن أهل الجنة لا يأكلون فيها ولا يشربون ولا ينكحون، ومن اعتقد ذلك فليس إيمانه كإيمان المؤمنين وإن زعم أنه مؤمن.
﴿ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ مما ثبت في كتبه بأن الله حرم الشحوم فأذابوها وباعوها وأكلوا أثمانها وحرم عليهم أشياء كثيرة فأحلوها، قال سعيد ابن جبير في الآية : يعني الذين لا يصدقون بتوحيد الله وما حرم الله من الخمر والخنزير، وقيل معناه لا يحرمون ما حرم الله في القرآن ولا ما حرم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في السنة، والأول أولى وقيل لا يعلمون بما في التوراة والإنجيل بل حرفوهما وأتوا بأحكام من قبل أنفسهم وقلدوا أحبارهم ورهبانهم واتخذوهم أربابا من دون الله.
﴿ولا يدينون دين الحق﴾ أي دين الإسلام الثابت الناسخ لسائر الأديان وقيل دين أهل الحق وهم المسلمون، وقيل دين الله، والمعنى واحد وفيه أن دينهم بعد بعثته صلى الله عليه وآله وسلم قد صار باطلا.
ثم إنه تعالى لما وصل إليهم بهذه الصلات الأربع بينهم بقوله :﴿من الذين أوتوا الكتاب﴾ فكلمة من بيانية كما في قوله تعالى :﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ وإنما أبهم أولا ثم بين ثانيا زيادة في تمكن العلم في قلب السامع فيعلم المأمور به علمين، علما إجماليا ثم علما تفصيليا فيكون زيادة في تمكن الخبر عنده، ولما في ذلك من تشويق النفس إلى البيان بعد الإبهام.
فهذا بيان لإسم المبهم الموصول مع ما في حيزه وهم اليهود والنصارى أهل التوراة والإنجيل بالاتفاق، ويدل له قوله تعالى :﴿قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل﴾ فإذا أتى لفظ أهل الكتاب فالمراد به الفريقان وإذا قيل بنو إسرائيل فالمراد بهم اليهود وإذا قيل النصارى فهم الذين أنزل إليهم الإنجيل، والمجوس ليسوا من أهل الكتاب لقوله صلى الله عليه وآله وسلم :( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) أخرجه البخاري من حديث عبد الرحمن بن عوف.
ويدل له أيضا قوله تعالى :﴿أن يقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا﴾ وهذا صريح في أنهم ليسوا منهم.
قال أبو الوفاء بن عقيل في الآية : أن قوله قاتلوا أمر بالعقوبة ثم قال ﴿لا يؤمنون بالله﴾ فبين الذنب الذي يوجب العقوبة ثم قال :﴿واليوم الآخر﴾ فأكد الذنب الذي في جانب الاعتقاد ثم قال :﴿ولا يحرمون﴾ وفيه زيادة للذنب في مخالفة الأعمال ثم قال :﴿ولا يدينون﴾ وفيه إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة والأنفة عن الاستسلام ثم قال :﴿من الذين أوتوا الكتاب﴾ تأكيدا للحجة عليهم لأنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ثم قال :﴿حتى يعطوا الجزية﴾ فبين الغاية التي تمتد إليها العقوبة أه.
والجزية وزنها فعلة من جزى يجزي إذا كافى عما أسدي إليه وكأنهم أعطوها جزاء عما منحوا من الأمن، وقيل سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه، وهي في الشرع ما يعطيه المعاهد على عهده وهو الخراج المضروب على رقابهم كل عام إذلالا وصغارا.
قال أحمد بن تيمية رحمه الله : والأول أصح وهذا يرجع إلى أنها عقوبة أو أجرة فهي غاية للقتال، والمراد بإعطائها التزامها بالعقد وإن لم يجيء وقت دفعها ﴿عن يد﴾ في موضع النصب على الحال أي يعطوها أذلاء مقهرين عن يد متوانية غير ممتنعة، هذا إن أريد به المعطي، وإن أريد به الآخر فالمراد عن يد قاهرة مستولية وقيل معناه يعطونها بأيديهم غير مستنيبين فيها أحدا، وقيل المعنى نقدا غير نسيئة، وقيل عن إنعام منكم عليهم لأن أخذها منهم نوع من أنواع الإنعام عليهم، قاله في الكشاف، وقيل معناه مذمومون.
وفي زاده " يد " قد تجعل كناية عن الانقياد أعطى فلان بيده إذا أسلم وانقاد لأن من أبى وامتنع لم يعط يده بخلاف المطيع المنقاد كأنه قيل قاتلهم حتى يعطوا الجزية عن طيب نفس وانقياد، دون أن يكرهوا عليه فإذا احتيج في أخذها منهم إلى الإكراه لا يبقى عقد الذمة أه.
وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وأبو ثور إلى أنها لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، وقال الأوزاعي ومالك : أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الكفرة كائنا من كان ويدخل في أهل الكتاب على القول الأول المجوس، قال ابن المنذر لا أعلم خلافا في أن الجزية تؤخذ منهم.
قال علي بن أبي طالب : أنا أعلم الناس بالمجوس كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه. الحديث ولكن ضعفه جماعة من الحفاظ كما قاله ابن القيم، ويدل له ما في البخاري أن عمر توقف في أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذها من مجوس هجر.
وفي الصحيحين من حديث عمرو بن عوف الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان هو صلى الله عليه وآله وسلم صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي.
وذكر أبو عبيدة في كتاب الأموال عن الزهري قال : قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوسا، فالجزية تؤخذ من هذه الطوائف الثلاث اتفاقا، فاليهود والنصارى تؤخذ منهم بنص القرآن، والمجوس تأخذ منهم بنص السنة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم :( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) أخرجه البخاري.
ثم اختلف أهل العلم في مقدار الجزية فقال عطاء : لا مقدار لها، وإنما تؤخذ على ما صولحوا عليه وبه قال يحيى بن آدم وأبو عبيد وابن جرير إلا أنه قال : أقلها دينار وأكثرها لا حد له، وقال الشافعي : دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين لا ينقص منه شيء، وبه قال أبو ثور، وقال الشافعي : وإن صولحوا على أكثر من دينار جاز، وإذا زادوا وطابت بذلك أنفسهم قبل منهم.
وقال مالك : إنها أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الورق الغني والفقير سواء ولو كان مجوسيا لا تزيد ولا تنقص، وقال أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل : اثنا عشر وأربعة وعشرون وثمانية وأربعون ولا تجب على صبي ولا مجنون ولا امرأة، وهو اتفاق.
وفي كتابه صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ إلى أهل اليمن أنه يأخذ من كل حالم دينارا فخص الحاكم دون المرأة والصبي، وقد روي في ذلك حالمة، قال الأئمة من المحديثن : أن هذه الزيادة غير محفوظة، ولأن عمر بن الخطاب لما فتح الأمصار لم يأخذ الجزية إلا من الرجال دون النساء وأقره الصحابة واستمروا عليه.
وقال أبو محمد بن حزم رحمه الله : تلزم الجزية الأنثى لقوله تعالى :﴿حتى يعطوا الجزية﴾ ولا شك أن الدين لازم النساء كلزومه للرجال، ولم يأت نص بالفرق بينهما في الجزية، ثم ساق حديث معاذ بلفظ حالم وحالمة، وأسنده إلى ابن جريج وساق حديثا مرسلا مثله، ولا يخفى ضعف ما ذهب إليه.
وأما العبد فإن كان سيده مسلما فلا جزية عليه بالاتفاق، ومن اليهود السامرية وأنهم فرق كثيرة وقد فتح الصحابة الأمصار وأقروهم على تسليم الجزية وكذلك الأئمة والخلفاء بعدهم.
وأما الصابئة فقال ابن القيم : أنهم أمة كثيرة وأكثرهم فلاسفة ولهم مقالات مشهورة، ثم ذكر أنها تؤخذ منهم الجزية فإنهم أحسن حالا من المجوس، فأخذها من المجوس تنبيه على أخذها من الصابئة بالطريق الأولى، فإن المجوس من أخبث الأمم دينا ومذهبا، ثم ساق مذاهبهم.
وأما بنو تغلب وهم فرقة انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية فهم من النصارى كانت لها شوكة وقوة، وجاء الإسلام وهم كذلك وأنفوا من الجزية فضوعفت عليهم الصدقة عوضا عن الجزية، فهذه الطوائف التي تؤخذ منها الجزية أو ما صولحوا عليه.
ويهود خيبر وغيرهم داخلون في عموم الآية، ولم يأت لهم مخصص، وإنما لم يأخذها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يهود المدينة ولا من يهود خيبر لأنه أجلى يهود المدينة، وقاتل من قاتل منهم قبل نزولها، وأما أهل خيبر فإنه صالحهم قبل نزول فريضة الجزية ولم ينزل فرضها إلا في التاسعة من الهجرة.
واختلف الناس في أخذ الجزية ممن عدا من ذكرناه بعد الاتفاق على أخذها من أهل الكتابين والمجوس، فقالت الحنفية : تؤخذ أيضا من عبدة الأوثان من العجم، ولا تؤخذ من عبدة الأوثان من العرب، واستدلوا بالحديث الذي أخرجه أحمد والترمذي عن ابن عباس مرفوعا قال :( أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب وتؤدي الجزية بها إليهم العجم ) (١) وذهب مالك وأبو يوسف إلى أنها تقبل الجزية من العربي الوثني مستدلين بحديث بريدة الذي أخرجه مسلم، وهو حديث طويل شريف فيه وصايا لأمراء السرايا، وفيه ( إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال وفيه : فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم ) فدل أن الجزية تؤخذ من كل كافر(٢).
هذا ظاهر الحديث ولم يستثن منهم كافرا دون كافر، ولا يقال هذا خاص بأهل الكتاب فإن اللفظ يأبى اختصاصه بهم، وأيضا سرايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجيوشه أكثر من كانت تقاتل عبدة الأوثان من العرب، فيؤخذ من عموم الكفار بالسنة، ومن أهل الكتاب بالقرآن، وقد أخذها صلى الله عليه وآله وسلم من المجوس عباد النار. ولا فرق بينهم وبين عباد الأوثان.
فإن قيل إنه لم يأخذها من أحد من عباد الأوثان مع كثرة قتاله لهم، قلنا آية الجزية إنما نزلت عام تبوك في التاسعة بعد الإسلام من كان في جزيرة العرب، ولم يبق بها أحد من عباد الأوثان.
قال الحافظ بن القيم : والمسألة مبنية على حرف واحد، وهو أن الجزية هل وضعت عاصمة للدم أو مظهرة لصغار الكفر وإذلال أهله، والثاني راجح، وقد جاز استرقاق العربي الوثني، فإنه صح ذلك بلا مرية، ويبقى على كفره، والمقصود أنه لا فرق بين الكفار في أخذ الجزية والاسترقاق، وأطال في هذا واختاره.
وأما تقدير الجزية كما تقدم فيرد على الجميع أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر معاذا يقبض دينارا من كل حالم، وجعله صنفا واحدا لا ثلاثة أصناف، وأول من جعلهم ثلاثة ع
١ - الإمام أحمد ١/ ٢٢٧..
٢ - مسلم ١٧٣١..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى