تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي
عن الكتاب
وقوله تعالى :( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) الآية ذكر أهل الكتاب اليهود والنصارى، وأخبر أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وهم في الظاهر يقرون بوحدانية الله واليوم الآخر في المعنى منه.
قيل : هم، وإن آمنوا في الظاهر بالله واليوم الآخر، فإنما يؤمنون بإله، له ولد، كما ذكره على إثره، وهو قوله :( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله )[التوبة: ٣٠] فالإيمان بإله، له ولد ليس بإيمان بالله، فهم غير مؤمنين.
وكذلك آمنوا بالبعث واليوم الآخر، ولكن لم يؤمنوا بالموعود في الآخرة. فالإيمان باليوم الآخر بغير الموعود فيه ليس بإيمان به. أو أن يقال : إنهم، وإن أقروا بما ذكرنا، وآمنوا به، فقد استحلوا أشياء، حرمها الله عليهم، وحرموا أشياء، أحلها الله لهم. ومن آمن بالكتب كلها والرسل، ولم يؤمن بآية منها أو برسول منهم فهو غير مؤمن بالله واليوم الآخر ولا مصدق له.
وقوله تعالى :( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ) الآية ذكر أهل الكتاب اليهود والنصارى، وأخبر أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وهم في الظاهر يقرون بوحدانية الله واليوم الآخر في المعنى منه.
قيل : هم، وإن آمنوا في الظاهر بالله واليوم الآخر، فإنما يؤمنون بإله، له ولد، كما ذكره على إثره، وهو قوله :( وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ )[التوبة: ٣٠] فالإيمان بإله له ولد، ليس بإيمان بالله، فهم غير مؤمنين.
وكذلك آمنوا بالبعث واليوم الآخر، ولكن لم يؤمنوا بالموعود في الآخرة. فالإيمان باليوم الآخر بغير الموعود فيه ليس بإيمان به. أو أن يقال : إنهم، وإن أقروا بما ذكرنا، وآمنوا به، فقد استحلوا أشياء، حرمها الله عليهم، وحرموا أشياء أحلها الله لهم. ومن آمن بالكتب كلها والرسل، ولم يؤمن بآية منها أو برسول منهم فهو غير مؤمن بالله واليوم الآخر ولا مصدق له.
وقوله تعالى :( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ) الآية فإن قال لنا ملحد : إنكم تقاتلون الكفرة للكفر، ثم إذا أعطوكم شيئا من المال تركتم مقاتلتهم. فلو كان قتالكم إياهم لذلك لطمع في الدنيا لكنتم لا تتركون [ مقاتلتهم لشيء، يبذلونه لكم ][ في الأصل : لمقاتلتهم لشيء يبذلونكم ] وكذلك لو كانت المقاتلة للكفر نفسه لكان النساء في ذلك والرجال سواء، إذ هم في الكفر شرع[ في الأصل وم : شرعا ] سواء. وقالوا : لو كانت المقاتلة معهم لما ذكرنا، وهو حكمه، والأمر بذلك حكيما لكان الناس جميعا في ذلك سواء، ولا يتركون أحدا بشيء من ذلك، بل يقاتلون أبدا ولا يرضون منه غيره.
فيقال لهم : إنا لا نقاتل الكفرة للكفر، ولكنا ندعوهم إلى الإسلام، فإن أحابوا إلى ذلك، وإلا قاتلناهم ليضطرهم القتل إلى الإسلام. لهذا ما نقاتلهم لشيء سواه. فإذا كان في أخذ الجزية معنى ما ندعوهم إلى الإسلام : فإذا قبلوا ذلك تركناهم على ذلك لعلهم /٢١١-أ/ يرغبون في الإسلام إذا رأوا شرائعنا وأحكامنا، لا إنا تركناهم رغبة في ما نأخذ منهم أو طمعا في ذلك.
وأصله المحنة، إذ الدار دار المحنة ليست بدار الجزاء، والمحنة تكون بمختلف الأشياء لا بما يتلفها[ في الأصل وم : تلفها ] ؛ مرة يمتحنهم بالقتل، ومرة بأخذ الأموال، ومرة بالشدائد كقوله :( ولنبلونكم بشيء من الخوف )الآية[البقرة: ١٥٥] وقوله :( وبلوناهم بالحسنات والسيئات )[الأعراف: ١٦٨] ونحو ذلك.
فإذا كان ذلك محنة لا جزاء أجاز ذلك حكمه. وأما قوله بأنا نقاتل الرجال ولا نقاتل النساء، ونسترقهن ؛ لأنهن أتباع للرجال في جميع الأحوال وخدم لهم فإذا أسلموا أسلمن. هذا معروف في ما بينهم ؛ إذ هن في أيدي الرجال يفعلون بهن ما شاؤوا.
وأصله ما ذكرنا أن القتال محنة ليس هو جزاء الكفر ؛ إذ الدار دار المحنة، فلهو أن يمتحن بعضا بالقتل وبعضا بأخذا المال [ وبعضا ][ ساقطة من الأصل وم ] لا بذا ولا ذاك. ولو كان جزاء لسوى بينهم وهو التخليد في النار أبدا.
فإن قيل : ما الحكمة في أخذ الجزية من سائر الكفرة، إذا كانوا أهل الكتاب أو المجوس، وترك الأخذ من مشركي العرب ؟ قيل لوجوه :
أحدها : أن ليس مشركي العرب دين يدينون به، يقاتلون عن ذلك الدين، ولا له أصل يعتمدون، عليه، ويحاجون الناس بالحجاج التي لهم.
فإذا كان كذلك أمكن إقامة الحجج على هؤلاء وإلزام البراهين، ولا كذلك مشركو العرب ؛ إذ لا دين لهم ينسبون إليهم ومذاهب يدعون غيرهم إليها[ في الأصل وم : إليه ] بالحجاج. وأمكن في غيرهم. لذلك افترقا، والله أعلم بذلك.
والثاني : أنهم تمنوا أن يكون لهم رسول من جنسهم يتبعون فيما يدعوهم إليه، ونذير يجيبونه، حتى أقسموا على ذلك وأكدوا القول في ذلك ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) الآية[الأنعام: ١٠٩] ولم يكن من غيرهم من الكفرة ما كان منهم.
فإذا كان كذلك فهم يقاتلون أبدا حتى يوفوا ما وعدوا كقوله :( تقاتلونهم أو يسلمون )[الفتح: ١٦].
والثالث : لفضل رسول الله ﷺ إذ كان منهم ومن جنسهم، فلا يترك أحد في تلك البقعة على غير دينه.
وأمكن أن يكون وجه آخر ؛ وهو أن مشركي العرب في حد القليل أمكنت المقاتلة معهم والقيام لهم، فلا يرضى منهم إلا الإسلام. وأما غيرهم من الكفرة في بقاع مختلفة وهم كثير، إذا اجتمعوا لم يكن في وسع أهل الإسلام القيام لهم والقتال معهم، فيلحق المسلمين في ذلك ضرر بين. لذلك كان ما ذكر.
وقوله تعالى :( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) الآية. قد ذكرنا أنهم، وإن كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر عند أنفسهم أنهم في الحقيقة غير مؤمنين به ؛ لأن شرط إيمانهم بالرسل جميعا والكتب أجمع فهم قد تركوا الإيمان ببعض الرسل وببعض الكتب. ومن كفر برسول من الرسل أو بكتاب من الكتب أو بحرف منها كان كافرا بالله. وقوله تعالى :( وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) يحتمل أنهم لا يحرمون تحرف الكتب وكتمان بعث[ في الأصل وم : نعت ] رسول الله، والله حرم ذلك عليهم، أو لا يحرمون عبادة الأوثان، والله ورسوله يحرمان[ في الأصل وم : يحرم ] ذلك، أو لا يحرمون ما حرم الله ورسوله من الخمر والخنزير وغيرهما، والله أعلم.
وقوله تعالى :( وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ ) وهو الإسلام لأنه توجبه العقول كلها وتشهد [ به ][ ساقطة من الأصل وم ] خلقة الخلائق كلها، أو أن يقول : لا يدينون دين الذي [ له الحق، إنما يدينون الدين الذي ][ من م، ساقطة من الأصل ] لا حق له وهو دين الشيطان، وهو ما يدعوهم إلى عبادة الأصنام، فيجيبونه، والله أعلم.
وقوله تعالى :( حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) يحتمل [ في الأصل وم : ويحتمل ] قوله :( يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ) أي يقبلوها لا على الإعطاء نفسه، وهو ما ذكرنا في قوله :( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ )[ التوبة : ٥و١١ ] وهو على القبول لها لا على الفعل نفسه. ويحتمل نفس الإعطاء ؛ وهو، والله أعلم، ما جعلت الجزية لحقن الدماء تقدم[ في الأصل وم : فتقدم ] لتحقن بها الدماء[ من م : في الأصل : الدم ].
وقوله تعالى :( عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) قال بعضهم ( عن يد ) أي لا يؤخر قبضها عن وقت قبولها بل تؤخذ يدا عن يد.
وقال بعضهم :( عن يد ) أي عن قهر وغلبة. وقيل ( عن يد ) عن طوع وطيب. وقيل : عن [ جماعتهم، لكنا لا ندري ما يعنون بالجماعة ][ من م، في الأصل : جماعهم ].
وقوله تعالى :( صاغرون ) قيل : ذليلون، وهو من الذل ؛ يقال صغر الرجل يصغر صغارا فهو صاغر أي ذل، فهو ذليل وقيل ( صاغرون ) أي مذمومون[ في الأصل وم : مذمون ]. وعن ابن عباس رضي الله عنه [ أنه قال ][ ساقطة من الأصل وم ] يمشون بها تلبين.
وأصلها الذلة التي ذكر الله في قوله :( ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا )[آل عمران: ١١٢] فإذا قبلوا ذلك فقد أذهبوا الذل والصغار.
وقوله تعالى :( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) الآية. أما اليهود والنصارى فلا خلاف بين أهل العلم في أن من بذل منهم الجزية أخذت منه، [ وأقر به ][ في الأصل : وأقرب ] على دينه.
وأما المجوس فإنه يؤخذ منهم الجزية لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : ما أدري أصنع بالمجوس فإنهم ليسوا بمسلمين ولا من أهل الكتاب.
قال عبد الرحمن بن عوف : أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول :«سنوا بهم سنة أهل الكتاب »[ البيهقي في الكبرى٩١/١٩٨و١٩٠ ]. وفي بعض الروايات أشهد أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر.
وعن علي أن أبا بكر وعمر أخذا الجزية من المجوس وقال علي بن أبي طالب أنا أعلم الناس بهم كانوا أهل كتاب يقرؤونه، وأهل علم يدرسونه فنزع ذلك من صدروهم. وعن أبي ذر عن أبي موسى [ أنه ][ ساقطة من الأصل وم ] قال : لولا إني رأيت أصحابي أخذوا الجزية من المجوس ما أخذتها.
وعن أبي عبيدة من الجراح [ أنه ][ ساقطة من الأصل وم ] قال : كتب النبي ﷺ إلى المنذر أنه قال :«من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا وأكلنا ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة رسوله ومن أحب ذلك من المجوس فهو آمن ومن أبى فعليه الجزية »[ بنحوه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف ٢٠١١٣ ].
وعلى ذلك مضت الأئمة ولم ينكر أحد من السلف حتى قال قوم من المجوس إنما أخذت منهم الجزية لأنهم أهل كتاب ولكن الجزية تؤخذ اتباعا لرسول الله :«سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نساءهم ولا آكلي ذبائحهم »[ البيهقي في الكبرى ٩١/١٨٩و١٩٠ ] وروي عن الصحابة وأئمة الهدى.
ثم المسألة في تقدير الجزية. روي في بعض الأخبار عن رسول الله ﷺ «أنه بعث معاذا إلى اليمن فقال له : خذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر »[ السيوطي في الذر المنثور ٤/١٦٩ ].
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه بعث عثمان بن عفان حليفا إلى السواد وأمر أن يضع على أهل السواد الخراج ثمانية وأربعين درهما أو أربعة وعشرين درهما أو اثني عشر درها، وفي بعض الروايات أنه ضرب على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهما، مع ذلك أرزاقا للمسلمين وضيافة ثلاثة أيام.
وأصحابنا يجعلونهم ثلاث طبقات : أغنياء وأوساطا وفقراء ؛ فيؤخذ من الغني الموسر ثمانية وأربعون درهما ومن الوسط أربعة وعشرون ومن الفقير المحارف اثنا عشر درهما، وفي بعض الأخبار أربعون درهما أو أربعة دنانير وضيافة ثلاثة أيام أو عشرون درهما أو دينار أو هو ما ذكرنا ثمانية وأربعون بغير ضيافة وغير مؤنة.
وما روي من أربعين درهما أو أربعة دنانير مع الضيافة والرزق الذي ذكر في الخبر وهذا من عمر بحضرة المهاجرين والأنصار، فلم يأتي عن أحد النكير عليه ولا الرد، فهو كالاتفاق منهم على ذلك.
ثم لا يحتمل أن يكون عمر قدر ذلك التقدير رأيا منه لأن المُقَدرات /٢١١-ب/ والمُعَذِّرات، سبيل معرفتها التوقيف والسمع لا العقل، فهو كالمسموع عن رسول الله ﷺ وما روي من حديث معاذ حين
قيل : هم، وإن آمنوا في الظاهر بالله واليوم الآخر، فإنما يؤمنون بإله، له ولد، كما ذكره على إثره، وهو قوله :( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله )[التوبة: ٣٠] فالإيمان بإله، له ولد ليس بإيمان بالله، فهم غير مؤمنين.
وكذلك آمنوا بالبعث واليوم الآخر، ولكن لم يؤمنوا بالموعود في الآخرة. فالإيمان باليوم الآخر بغير الموعود فيه ليس بإيمان به. أو أن يقال : إنهم، وإن أقروا بما ذكرنا، وآمنوا به، فقد استحلوا أشياء، حرمها الله عليهم، وحرموا أشياء، أحلها الله لهم. ومن آمن بالكتب كلها والرسل، ولم يؤمن بآية منها أو برسول منهم فهو غير مؤمن بالله واليوم الآخر ولا مصدق له.
وقوله تعالى :( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ) الآية ذكر أهل الكتاب اليهود والنصارى، وأخبر أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وهم في الظاهر يقرون بوحدانية الله واليوم الآخر في المعنى منه.
قيل : هم، وإن آمنوا في الظاهر بالله واليوم الآخر، فإنما يؤمنون بإله، له ولد، كما ذكره على إثره، وهو قوله :( وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ )[التوبة: ٣٠] فالإيمان بإله له ولد، ليس بإيمان بالله، فهم غير مؤمنين.
وكذلك آمنوا بالبعث واليوم الآخر، ولكن لم يؤمنوا بالموعود في الآخرة. فالإيمان باليوم الآخر بغير الموعود فيه ليس بإيمان به. أو أن يقال : إنهم، وإن أقروا بما ذكرنا، وآمنوا به، فقد استحلوا أشياء، حرمها الله عليهم، وحرموا أشياء أحلها الله لهم. ومن آمن بالكتب كلها والرسل، ولم يؤمن بآية منها أو برسول منهم فهو غير مؤمن بالله واليوم الآخر ولا مصدق له.
وقوله تعالى :( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ) الآية فإن قال لنا ملحد : إنكم تقاتلون الكفرة للكفر، ثم إذا أعطوكم شيئا من المال تركتم مقاتلتهم. فلو كان قتالكم إياهم لذلك لطمع في الدنيا لكنتم لا تتركون [ مقاتلتهم لشيء، يبذلونه لكم ][ في الأصل : لمقاتلتهم لشيء يبذلونكم ] وكذلك لو كانت المقاتلة للكفر نفسه لكان النساء في ذلك والرجال سواء، إذ هم في الكفر شرع[ في الأصل وم : شرعا ] سواء. وقالوا : لو كانت المقاتلة معهم لما ذكرنا، وهو حكمه، والأمر بذلك حكيما لكان الناس جميعا في ذلك سواء، ولا يتركون أحدا بشيء من ذلك، بل يقاتلون أبدا ولا يرضون منه غيره.
فيقال لهم : إنا لا نقاتل الكفرة للكفر، ولكنا ندعوهم إلى الإسلام، فإن أحابوا إلى ذلك، وإلا قاتلناهم ليضطرهم القتل إلى الإسلام. لهذا ما نقاتلهم لشيء سواه. فإذا كان في أخذ الجزية معنى ما ندعوهم إلى الإسلام : فإذا قبلوا ذلك تركناهم على ذلك لعلهم /٢١١-أ/ يرغبون في الإسلام إذا رأوا شرائعنا وأحكامنا، لا إنا تركناهم رغبة في ما نأخذ منهم أو طمعا في ذلك.
وأصله المحنة، إذ الدار دار المحنة ليست بدار الجزاء، والمحنة تكون بمختلف الأشياء لا بما يتلفها[ في الأصل وم : تلفها ] ؛ مرة يمتحنهم بالقتل، ومرة بأخذ الأموال، ومرة بالشدائد كقوله :( ولنبلونكم بشيء من الخوف )الآية[البقرة: ١٥٥] وقوله :( وبلوناهم بالحسنات والسيئات )[الأعراف: ١٦٨] ونحو ذلك.
فإذا كان ذلك محنة لا جزاء أجاز ذلك حكمه. وأما قوله بأنا نقاتل الرجال ولا نقاتل النساء، ونسترقهن ؛ لأنهن أتباع للرجال في جميع الأحوال وخدم لهم فإذا أسلموا أسلمن. هذا معروف في ما بينهم ؛ إذ هن في أيدي الرجال يفعلون بهن ما شاؤوا.
وأصله ما ذكرنا أن القتال محنة ليس هو جزاء الكفر ؛ إذ الدار دار المحنة، فلهو أن يمتحن بعضا بالقتل وبعضا بأخذا المال [ وبعضا ][ ساقطة من الأصل وم ] لا بذا ولا ذاك. ولو كان جزاء لسوى بينهم وهو التخليد في النار أبدا.
فإن قيل : ما الحكمة في أخذ الجزية من سائر الكفرة، إذا كانوا أهل الكتاب أو المجوس، وترك الأخذ من مشركي العرب ؟ قيل لوجوه :
أحدها : أن ليس مشركي العرب دين يدينون به، يقاتلون عن ذلك الدين، ولا له أصل يعتمدون، عليه، ويحاجون الناس بالحجاج التي لهم.
فإذا كان كذلك أمكن إقامة الحجج على هؤلاء وإلزام البراهين، ولا كذلك مشركو العرب ؛ إذ لا دين لهم ينسبون إليهم ومذاهب يدعون غيرهم إليها[ في الأصل وم : إليه ] بالحجاج. وأمكن في غيرهم. لذلك افترقا، والله أعلم بذلك.
والثاني : أنهم تمنوا أن يكون لهم رسول من جنسهم يتبعون فيما يدعوهم إليه، ونذير يجيبونه، حتى أقسموا على ذلك وأكدوا القول في ذلك ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) الآية[الأنعام: ١٠٩] ولم يكن من غيرهم من الكفرة ما كان منهم.
فإذا كان كذلك فهم يقاتلون أبدا حتى يوفوا ما وعدوا كقوله :( تقاتلونهم أو يسلمون )[الفتح: ١٦].
والثالث : لفضل رسول الله ﷺ إذ كان منهم ومن جنسهم، فلا يترك أحد في تلك البقعة على غير دينه.
وأمكن أن يكون وجه آخر ؛ وهو أن مشركي العرب في حد القليل أمكنت المقاتلة معهم والقيام لهم، فلا يرضى منهم إلا الإسلام. وأما غيرهم من الكفرة في بقاع مختلفة وهم كثير، إذا اجتمعوا لم يكن في وسع أهل الإسلام القيام لهم والقتال معهم، فيلحق المسلمين في ذلك ضرر بين. لذلك كان ما ذكر.
وقوله تعالى :( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) الآية. قد ذكرنا أنهم، وإن كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر عند أنفسهم أنهم في الحقيقة غير مؤمنين به ؛ لأن شرط إيمانهم بالرسل جميعا والكتب أجمع فهم قد تركوا الإيمان ببعض الرسل وببعض الكتب. ومن كفر برسول من الرسل أو بكتاب من الكتب أو بحرف منها كان كافرا بالله. وقوله تعالى :( وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) يحتمل أنهم لا يحرمون تحرف الكتب وكتمان بعث[ في الأصل وم : نعت ] رسول الله، والله حرم ذلك عليهم، أو لا يحرمون عبادة الأوثان، والله ورسوله يحرمان[ في الأصل وم : يحرم ] ذلك، أو لا يحرمون ما حرم الله ورسوله من الخمر والخنزير وغيرهما، والله أعلم.
وقوله تعالى :( وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ ) وهو الإسلام لأنه توجبه العقول كلها وتشهد [ به ][ ساقطة من الأصل وم ] خلقة الخلائق كلها، أو أن يقول : لا يدينون دين الذي [ له الحق، إنما يدينون الدين الذي ][ من م، ساقطة من الأصل ] لا حق له وهو دين الشيطان، وهو ما يدعوهم إلى عبادة الأصنام، فيجيبونه، والله أعلم.
وقوله تعالى :( حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) يحتمل [ في الأصل وم : ويحتمل ] قوله :( يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ) أي يقبلوها لا على الإعطاء نفسه، وهو ما ذكرنا في قوله :( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ )[ التوبة : ٥و١١ ] وهو على القبول لها لا على الفعل نفسه. ويحتمل نفس الإعطاء ؛ وهو، والله أعلم، ما جعلت الجزية لحقن الدماء تقدم[ في الأصل وم : فتقدم ] لتحقن بها الدماء[ من م : في الأصل : الدم ].
وقوله تعالى :( عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) قال بعضهم ( عن يد ) أي لا يؤخر قبضها عن وقت قبولها بل تؤخذ يدا عن يد.
وقال بعضهم :( عن يد ) أي عن قهر وغلبة. وقيل ( عن يد ) عن طوع وطيب. وقيل : عن [ جماعتهم، لكنا لا ندري ما يعنون بالجماعة ][ من م، في الأصل : جماعهم ].
وقوله تعالى :( صاغرون ) قيل : ذليلون، وهو من الذل ؛ يقال صغر الرجل يصغر صغارا فهو صاغر أي ذل، فهو ذليل وقيل ( صاغرون ) أي مذمومون[ في الأصل وم : مذمون ]. وعن ابن عباس رضي الله عنه [ أنه قال ][ ساقطة من الأصل وم ] يمشون بها تلبين.
وأصلها الذلة التي ذكر الله في قوله :( ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا )[آل عمران: ١١٢] فإذا قبلوا ذلك فقد أذهبوا الذل والصغار.
وقوله تعالى :( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) الآية. أما اليهود والنصارى فلا خلاف بين أهل العلم في أن من بذل منهم الجزية أخذت منه، [ وأقر به ][ في الأصل : وأقرب ] على دينه.
وأما المجوس فإنه يؤخذ منهم الجزية لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : ما أدري أصنع بالمجوس فإنهم ليسوا بمسلمين ولا من أهل الكتاب.
قال عبد الرحمن بن عوف : أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول :«سنوا بهم سنة أهل الكتاب »[ البيهقي في الكبرى٩١/١٩٨و١٩٠ ]. وفي بعض الروايات أشهد أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر.
وعن علي أن أبا بكر وعمر أخذا الجزية من المجوس وقال علي بن أبي طالب أنا أعلم الناس بهم كانوا أهل كتاب يقرؤونه، وأهل علم يدرسونه فنزع ذلك من صدروهم. وعن أبي ذر عن أبي موسى [ أنه ][ ساقطة من الأصل وم ] قال : لولا إني رأيت أصحابي أخذوا الجزية من المجوس ما أخذتها.
وعن أبي عبيدة من الجراح [ أنه ][ ساقطة من الأصل وم ] قال : كتب النبي ﷺ إلى المنذر أنه قال :«من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا وأكلنا ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة رسوله ومن أحب ذلك من المجوس فهو آمن ومن أبى فعليه الجزية »[ بنحوه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف ٢٠١١٣ ].
وعلى ذلك مضت الأئمة ولم ينكر أحد من السلف حتى قال قوم من المجوس إنما أخذت منهم الجزية لأنهم أهل كتاب ولكن الجزية تؤخذ اتباعا لرسول الله :«سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نساءهم ولا آكلي ذبائحهم »[ البيهقي في الكبرى ٩١/١٨٩و١٩٠ ] وروي عن الصحابة وأئمة الهدى.
ثم المسألة في تقدير الجزية. روي في بعض الأخبار عن رسول الله ﷺ «أنه بعث معاذا إلى اليمن فقال له : خذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر »[ السيوطي في الذر المنثور ٤/١٦٩ ].
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه بعث عثمان بن عفان حليفا إلى السواد وأمر أن يضع على أهل السواد الخراج ثمانية وأربعين درهما أو أربعة وعشرين درهما أو اثني عشر درها، وفي بعض الروايات أنه ضرب على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهما، مع ذلك أرزاقا للمسلمين وضيافة ثلاثة أيام.
وأصحابنا يجعلونهم ثلاث طبقات : أغنياء وأوساطا وفقراء ؛ فيؤخذ من الغني الموسر ثمانية وأربعون درهما ومن الوسط أربعة وعشرون ومن الفقير المحارف اثنا عشر درهما، وفي بعض الأخبار أربعون درهما أو أربعة دنانير وضيافة ثلاثة أيام أو عشرون درهما أو دينار أو هو ما ذكرنا ثمانية وأربعون بغير ضيافة وغير مؤنة.
وما روي من أربعين درهما أو أربعة دنانير مع الضيافة والرزق الذي ذكر في الخبر وهذا من عمر بحضرة المهاجرين والأنصار، فلم يأتي عن أحد النكير عليه ولا الرد، فهو كالاتفاق منهم على ذلك.
ثم لا يحتمل أن يكون عمر قدر ذلك التقدير رأيا منه لأن المُقَدرات /٢١١-ب/ والمُعَذِّرات، سبيل معرفتها التوقيف والسمع لا العقل، فهو كالمسموع عن رسول الله ﷺ وما روي من حديث معاذ حين