اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
﴿وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله﴾ الآية.
قرأ عاصم(١) والكسائيُّ بتنوين " عُزَيْرٌ "، والباقون من غير تنوين، فأمَّا القراءةُ الأولى فيحتمل أن يكون اسماً عربياً مبتدأ، و " ابنُ " خبره، فتنوينه على الأصل، ويحتمل أن يكون أعجمياً، ولكنهُ خفيفُ اللَّفظِ، ك " نُوحِ "، و " لُوطٍ "، فصُرفَ لخفَّة لفظه، وهذا قول أبي عبيد، يعني : أنَّهُ تصغيرُ " عَزَر "، فحكَمه حكم مُكَبَّره، وقال : هذا ليس منسوباً إلى أبيه، إنَّما هو كقولك : زيد ابن الأمير، وزيد ابن أخينا، و " عُزَيْرٌ " مبتدأ وما بعده خبره، ورُدَّ هذا بأنَّه ليس بتصغير، إنَّما هو أعْجَمي، جاء على هيئة التَّصغيرِ في لسان العرب، ك " سُلَيْمَان "، جاء على مثال " عُثَيْمَان، وعُمْيَران ".
وأمَّا القراءةُ الثانية ؛ فيحتمل حذفُ التنوين ثلاثة أوجه :
أحدها : أنَّه حذف التنوين لالتقاء الساكنين على حدِّ قراءة ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد﴾ [الإخلاص: ١-٢]. قال الفرَّاء : نون التنوين في " عُزَيْرٌ " ساكنة، والباء في قوله " ابْنُ اللهِ " ساكنة، فالتقى ساكنان، فحذف نون التنوين للتخفيف ؛ وأنشد :[ المتقارب ]
وألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍولا ذَاكِرٍ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً(٢)
وهو اسمٌ منصرفٌ مرفوعٌ بالابتداء، و " ابن " خبره.
الثاني : أنَّ تنوينه حذف، لوقوع الابن صفة له، فإنَّه مرفوعٌ بالابتداء، و " ابن " صفته، والخبرُ محذوفٌ، أي : عُزَيرٌ ابْنُ الله نَبيُّنا، أو إمامُنَا، أو رسولُنَا، وقد تقدَّم أنَّه متى وقع " الابن " صفة بين علمين، غير مفصولٍ بينه وبين موصوفه، حذفت ألفه خطّاً، وتنوينه لفظاً، ولا تثبت إلاَّ ضرورة، وتقدم الاشتشهادُ عليه آخر المائدة. ويجوز أن يكون " عُزَيْرٌ " خبر مبتدأ مضمر، أي : نَبيُّنا عُزير، و " ابن " صفةٌ له، أو بدل، أو عطف بيان.
الثالث : أنه إنَّما حذف، لكونه ممنوعاً من الصَّرف، للتعريف والعجمة. ولم يرسم في المصحف إلاَّ بإثبات الألف، وهي تنصرُ من يجعله خبراً.
وقال الزمخشري(٣) :" عزير ابن " مبتدأ وخبره، كقوله :﴿المسيح ابن الله﴾ و " عُزَيْرٌ " اسم أعجمي، :" عَزرَائيل، وعيزار " ولعجمته وتعريفه امتنع صرفه، ومن صرفه جعله عربياً. وقول من قال بسقوط التنوين ؛ لالتقاء الساكنين، كقراءة ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد﴾ [الإخلاص: ١، ٢] ولأنَّ " الابن " وقع وصفاً، والخبر محذوف، وهو " معبودنا " فتمحُّلٌ عن مندوحة ".

فصل


لمَّا حكم تعالى في الآيةِ المتقدِّمة على اليهودِ والنَّصارى بأنهم لا يُؤمنونَ بالله، شرح ذلك في هذه الآية، بأن نقل عنهم أنهم أثبتُوا للهِ ابناً ومنْ جوَّز ذلك في حق الإله، فقد أنكر الإله في الحقيقة، وأيضاً بيَّن تعالى أنهم بمنزلة المشركين في الشرك وإن كانت طرق القول بالشرك مختلفة، إذ لا فرق بين من يعبد الصَّنم وبين من يعبد المسيح وغيره، لأنه لا معنى للشرك إلاَّ أن يتَّخذ الإنسانُ مع الله معبوداً، وهذا معنى الشِّرك، بل لو تأمَّلنَا لعلمنا أن كفر عابد الوثن أخَفّ من كفر النصارى ؛ لأنَّ عابد الوثن لا يقولُ : إنَّ هذا الوثن خالق للعالم، بل يجريه مجرى الشيء الذي يتوسَّلُ به إلى طاعة الله، والنَّصارى يثبتون الحلول والاتحاد وذلك كفر قبيح ؛ فثبت أنَّه لا فرق بين هؤلاء الحلولية وبين سائر المشركين.
فإن قيل : اليهودُ قسمان : منهم مشبهة، ومنهم موحدة، كما أنَّ المسلمين كذلك، فهَبْ أنَّ المشبهة منهم منكرون لوجود الإله، فما قولكم في موحدة اليهود ؟.
فالجوابُ : أولئك لا يكونوا داخلين تحت هذه الآية، وإنما وجبت الجزيةُ عيهم ؛ لأنَّه لمَّا ثبت وجوب الجزية على بعضهم ؛ وجب القول به في حل الكلِّ ؛ لأنه لا قائل بالفرق.
وأما النَّصارى فيقولون بالأب والابن وروح القُدسِ، والحلول والاتحاد، وذلك ينافي الإلهيَّة.
وإنَّما خصَّ الله الطائفتين بقبول الجزية منهم ؛ لأنَّهم في الظاهر ألصقوا أنفسهم بموسى وعيسى - عليهما الصَّلاة والسَّلام -، وادَّعُوا أنهم يعملون بالتوراة والإنجيل ؛ فلأجل تعظيم هذين الرسولين المعظمين، وكتابيهما المعظمين، ولتعظيم أسلاف هؤلاء اليهود والنصارى، لأنهم كانوا على الدِّين الحق، حكم الله بقبول الجزية منهم، وإلاَّ ففي الحقيقة لا فرق بينهم وبين المشركين.

فصل


في قوله :﴿وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله﴾ أقوال :
أحدها : قال عبيد بن عمير : إنَّما قال هذا رجلٌ واحد من اليهود اسمه : فنحاص بن عازوراء، وهو الذي قال :﴿إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾(٤) [آل عمران: ١٨١].
وثانيها : روى سعيدُ بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال :" أتى رسول الله ﷺ جماعة من اليهود سلام بن مشكم، والنعمان بن أبي أوْفَى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا : كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، ولا تزعم أنَّ عُزيراً ابن الله ؟ فنزلت هذه الآية(٥). وعلى هذين القولين، فالقائل بهذا بعض اليهود، وإنما نُسب ذلك إلى اليهود بناء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحدِ، يقال : فلانٌ ركبَ الخيولَ وجالسَ السَّلاطينَ، ولعله لم يركب ولم يجالس إلا واحداً.
وثالثها : لعلَّ هذا المذهب كان فَاشياً فيهم ثمَّ انقطع، فحكى الله ذلك عنهم، ولا عبرة بإنكار اليهُودِ ذلك، فإنَّ حكاية الله عنهم أصدق، والسَّبب في ذلك ما روى عطية العوفي عن ابن عباس أن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق، فأنساهم الله التوراة، ونسخها من صدورهم، فتضرَّع عزير إلى الله وابتهل إليه، فعاد حفظ التوراة إلى قلبه، فأنذر قومه به فلمَّا حرَّبُوه وجدوه صادقا فيه، ثم إنَّ التابوت نزل بعد دعائه منهم، فلمَّا رأوا التَّابُوتَ عرضوا ما كان فيه على الذي كان يعلمهم عزير ؛ فوجدوه مثله، فقالوا : ما أوتي عزير هذا إلاَّ أنه ابن الله(٦).
وقال الكلبيُّ :" لمَّا قتل بُخْتنصَّر علماءهم، فلمْ يبق فيهم أحدٌ يعرف التوراة، وكان عزير ابن ذاكَ صغيراً ؛ فاستصغره فلم يقتله، فلمَّا رجع بنو إسرائيل إلى بيتِ المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة بعث الله عزيراً، ليجدِّد لهم التوراة، ويكون لهم آية بعدما أماته مائة عام، يقال : أتاهُ ملكٌ بإناءٍ فيه ماء ؛ فسقاه، فمثلت التوراة في صدره، فلمَّا أتاهُم وقال : أنا عُزَيرٌ فكذَّبُوه وقالوا : إنْ كنت كما تزعُمُ فأملِ علينا التوراة فكتبها لهم، ثمَّ إنَّ رجلاً قال : إنَّ أبي حدَّثَنِي عن جدِّي أنَّ التوراة جعلت في خابية ودفنت في كرم، فانطلقوا معه حتى أخرجوها فعرضوها على ما كتب عزير، فلم يغادر حرفاً، فقالوا : إنَّ الله لم يقذف التوراة في قلب رجلٍ إلاَّ أنه ابنه، فقالوا : عُزيرٌ ابنُ الله " (٧).

فصل


وأمَّا قولُ النَّصارى المسيح ابن اللهِ، فظاهرٌ، وفيه إشكال، وهو أنَّا نقطع أن المسيح عليه الصلاة والسلام كان مبرأً من دعوة النَّاس إلى الأبوة والبنوة ؛ فإنَّ هذا أفحش أنواع الكُفْرِ، فكيف يليق بأكابر الأنبياء ؟ وإذا كان كذلك، فكيف يعقلُ إطباق محبي عيسى من النصارى عليه، ومن الذي وضع هذا المذهب الفاسدَ ؟
وأجاب المفسِّرُون عن هذا : بأنَّ أتباع عيسى - عليه الصلاة والسلام - كانُوا على الحقِّ بعدما رفع عيسى حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له : بولص قتل جماعةً من أصحاب عيسى، ثم قال لليهود : إن كان الحقُّ مع عيسى ؛ فقد كفرنا، والنَّار مصيرنا، ونحن مغبونون إنْ دخلوا الجنَّة ودخلنا النارَ، وإني أحتال ؛ فأضلهم حتى يدخلوا النَّار، وكان له فرس يقال له : العقاب، يقاتلُ عليه، فعرقب فرسه، وأظهر الندامة، ووضع التراب على رأسه، فقالت له النَّصارى : مَنْ أنتَ ؟ قال : بولص عدوكم، تبتُ، فنوديت من السَّماء ليس لك توبة إلاَّ أنْ تَتَنَصَّر ؛ وقد تبت، فأدخلوه الكنيسة، ومكث سنةً لا خرج ليلاً ولا نهاراً، حتَّى تعلَّم الإنجيل وقال : نوديت أنَّ الله قبل توبتك ؛ فصدقوه وأحبوه.
ثم مضى إلى بيتِ المقدسِ، واستخلف عليهم رجلاً اسمه : نسطور، وعلمه أنَّ عيسى، ومريم والإله كانوا ثلاثة، وتوجه إلى الرُّوم وعلَّمهم اللاهوت والنَّاسوت، وقال : ما كان عيسى إنساناً، ولا جسماً ولكنه ابن الله، وعلَّم رجلاً يقال له : يعقوبُ ذلك، ثم دعا رجلاً يقال له ملكا فقال له : إنَّ الإله لم يزل، ولا يزال عيسى، ثم دعا هؤلاء الثلاثة وقال لكلِّ واحد منهم أنت خالصتي فادع النَّاس إلى إنجيلك، ولقد رأيتُ عيسى في المنام ورضي عنِّي، وإنِّي غداً أذبح نفسي لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح، فذبح نفسه، فلمَّا كان يوم ثالثه دعا كل واحد منهم النَّاس إلى مذهبه ؛ فتبع كلُّ واحد منهم طائفة، فاختلفوا واقتتلوا، هذا ما حكاه الواحديُّ وغيره.
قال ابنُ الخطيبِ(٨) :" والأقربُ عندي أن يقال : لعلَّه ورد لفظ الابن في الإنجيل على سبيل التِّشريفِ، ثم إنَّ القومَ لأجل عداوة اليهود ؛ ولأجل أن يقاتلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بغلو فاسد في الطَّرف الثاني، فبالغوا وفسَّرُوا لفظ الابن بالبنوة الحقيقية، والجهال قبلوا ذلك، وفشا هذا المذهبُ الفاسدُ في أتباع عيسى، والله أعلم بحقيقة الحال ".
قوله :﴿ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ واعلم أنَّ كلَّ قول إنَّما يقال بالفمِ، فما معنى تخصيصهم بهذه الصفة ؟ والجواب من وجوه :
أحدها : أنَّ معناه قول لا يعضده برهانٌ، وإنّما هو لفظ يفوهُون به فارغ من معنى معتبر لحقه ؛ لأن إثبات الولد للإله مع أنه مُنزَّهٌ عن الحاجة والشهوة، والمضاجعة، والمباضعة قولٌ باطلٌ، ليس له تأثير في العقل، ونظيره قوله تعالى :﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧].
وثانيها : أنَّ الإنسان قد يختار مذهباً إمَّا على سبيل الكناية، وإمَّا على سبيل الرَّمز، وأمَّا إذا صرَّح بلسانه فهو الغاية في اختيار ذلك المذهب، والمعنى على هذا : أنَّهم يُصرِّحون بهذا المذهبِ ولا يخفونه ألبتة.
وثالثها : أنَّ المعنى : أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت هذه المقالة في الأفواه والألسنة والمرادُ : مبالغتهم في دعوة الخلقِ إلى هذا المذهب.
قال أهل المعاني : لم يذكر اللهُ قولاً مقروناً بالأفواه والألسن إلاَّ كان ذلك زوراً.
قال ابنُ العربي :" في هذه الآية دليلٌ من قول ربنا تبارك وتعالى على أنَّ من أخبر عن كفر غيره الذي لا يجوز لأحد أن يبتدىء به لا حرج عليه ؛ لأنَّه إنَّما ينطق به على سبيل الاستعظام له والرَّد عليه، ولو شاء ربنا ما تكلم به أحد، فإذا أمكن من إطلاق الألسنة به فقد أذن بالإخبار عنه، على معنى إنكاره بالقلب واللسان، والردّ عليه بالحجَّة ".
قوله " يُضَاهِئُونَ " قرأ العامة " يُضَاهُون " بضمِّ الهاءِ، بعدها واو، وعاصم(٩) بهاءٍ مكسورة، بعدها همزةٌ مضمومة، بعدها واو، فقيل : هما بمعنى واحدٍ،
١ ينظر: السبعة ص (٣١٣)، الحجة للقراء السبعة ٤/١٨١، إعراب القراءات ١/٢٣٧-٢٣٦، النشر ٢/٢٧٩، إتحاف فضلاء البشر ٢/٨٩..
٢ تقدم..
٣ ينظر: تفسير الكشاف ٢/٢٦٣..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٣٥٠) وذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٢٨٤)..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٣٥٠) من طريق سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٤١٣) وزاد نسبته إلى ابن إسحاق وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه..

٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٣٥٠-٣٥١) وذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٢٨٤)..
٧ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٢٨٤) والرازي في "تفسيره" (١٦/٢٨)..
٨ ينظر: تفسير الفخر الرازي ١٦/٢٨..
٩ ينظر: السبعة ص (٣١٤)، الحجة للقراء السبعة ٤/١٨٦، حجة القراءات ص (٣١٦-٣١٧)، إعراب القراءات ١/٢٤٦، إتحاف فضلاء البشر ٢/٩٠..

ثم انتهى إلى قوله :﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله﴾ فقلت : إنّا لنسا نعبدهم، فقال :" أَلَيْسَ يحرِّمون مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونَهُ ويُحلون ما حرَّم اللهُ ؛ فَتَسْتحلُّونَهُ ؟ " قال قلت : بلى، قال :" فَتِلْكَ عبادتُهُمْ " (١٥).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى