تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ) وقوله[ في الأصل وم : وقال ] تعالى في آية أخرى ( تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ) ( أن دعوا للرحمن ولدا )[ مريم : ٩٠و٩١ ] أخبر أن السموات تكاد تتفطر، وتنشق الأرض، وتخر الجبال لعظيم ما قالوا في الله سبحانه من البهتان والفرية عليه أن له ولدا ثم بين الذي ذكر ذلك، فقال :( وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ) فذكر الآية، وأخبر، والله أعلم، أنهم قالوا في الله ما قالوا لوجوه.
أحدها : دلالة إثبات رسالة محمد ﷺ لأن هؤلاء المتأخرين لم يقولوا هذا، ولكن إنما قال ذلك أوائلهم، ولكن كتموا ذلك، فأخبر رسول الله ﷺ أن أوائلهم قالوا ذلك، وهم كانوا يكتمون عن رسول الله ذلك، ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله.
والثاني : يخبر رسوله سفه أوائلهم، ويصبره على سفه هؤلاء ليصبر على سفههم وآذاهم.
والثالث : يخبر أنهم مشبهة لأنهم نسبوا المخلوق إليه، وقالوا : إن فلانا ابنه لما رأوا منه أشياء. فلولا أنهم عرفوا الله بمثل معرفتهم المخلوق، وإلا ما قالوا ذلك، ولا اعتقدوا من التشبيه وغير ذلك، والله أعلم.
وقوله تعالى :( ذلك قوله بأفواههم ) أي ذلك قول قالوه بلا حجة ولا برهان، كانت لهم في ذلك، أو قالوا ذلك بأفواههم على غير شبه، اعترضت لهم، فحملتهم[ في الأصل وم : تحملهم ] على ذلك.
وقوله تعالى :( يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ) يحتمل هذا أن قد كان قبل هؤلاء من قد قال مثل قول هؤلاء ( كذلك يحي الله الموتى )[البقرة: ٧٣] ليس أن يحيي الموتى كلهم إحياء كما أحيى ذلك القتيل بضرب بعض من البقرة، ولكن يحييهم إحياء، ذلك قوله :( يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ) في الكفر نفسه.
ويحتمل : ضاهى قول النصارى قول اليهود. والمضاهاة المشابهة والإشباه. وقوله ( يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ) أن يشبه النصارى بقولهم [ عن عيسى ][ في الأصل وم : لعيسى ] إنه ابن الله قول اليهود من قبل ( عزير ابن الله ) فمضاهاة النصارى في عيسى واليهود قبلهم في عزير.
وقوله تعالى :( قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) هذه الكلمة كلمة اللعن، تستعمل عند مناكير القول والفعل من غير حصول المنفعة.
وقوله تعالى :( أنى يؤفكون ) يحتمل من أين يؤفكون، ويفترون على الله على غير شبهة اعترضت لهم ؟
ويحتمل ( أنى يؤفكون ) أين كيف يؤفكون بلا منفعة تحصل لهم ؟

تفسير هذه الآية من كتب أخرى