معالم التنزيل — البغوي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إلا تنصروه فقد نصره الله﴾، هذا إعلام من الله عز وجل أنه المتكفل بنصر رسوله وإعزاز دينه، أعانوه أو لم يعينوه، وأنه قد نصره عند قلة الأولياء، وكثرة الأعداء، فكيف به اليوم وهو في كثرة من العدد والعدد، ﴿إذ أخرجه الذين كفروا﴾، من مكة حين مكروا به وأرادوا تبييته وهموا بقتله.
قوله تعالى :﴿ثاني اثنين﴾ أي هو أحد الاثنين، والاثنان : أحدهما رسول الله ﷺ، والآخر أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ﴿إذ هما في الغار﴾، وهو نقب في جبل ثور بمكة، ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ قال الشعبي : عاتب الله عز وجل أهل الأرض جميعا في هذه الآية غير أبي بكر الصديق رضي الله عنه. أخبرنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن بن عثمان، أنبأنا خيثمة بن سليمان، ثنا أحمد بن عبد الله الدورقي، ثنا سعيد بن سليمان، عن علي بن هاشم عن كثير النواء عن جميع بن عمير قال : أتيت ابن عمر رضي الله عنهما فسمعته يقول : قال رسول الله ﷺ لأبي بكر رضي الله عنه :" أنت صاحبي في الغار وصاحبي على الحوض ". قال الحسين بن الفضل : من قال إن أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله ﷺ فهو كافر لإنكاره نص القرآن. وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعا، لا يكون كافرا. وقوله عز وجل :﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ لم يكن حزن أبي بكر جبنا منه، وإنما كان إشفاقا على رسول الله ﷺ. وقال : إن أقتل فأنا رجل واحد وإن قتلت هلكت الأمة. وروي أنه حين انطلق مع رسول الله ﷺ إلى الغار جعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، فقال له رسول الله ﷺ : مالك يا أبا بكر ؟ قال : أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك، فلما انتهيا إلى الغار قال مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الغار، فدخل فاستبرأه ثم قال : انزل يا رسول الله، فنزل فقال عمر : والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر. أخبرنا أبو المظفر التميمي، أنا محمد بن عبد الرحمن بن عثمان المعروف بابن أبي النظر، أنا خيثمة بن سليمان، ثنا أبو قلابة الرقاشي، ثنا حيان بن هلال، ثنا همام بن يحي، ثنا ثابت البناني، ثنا أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حدثهم، قال : نظرت إلى أقدام المشركين فوق رؤوسنا ونحن في الغار فقلت : يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه أبصرنا، فقال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، ثنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، قال ابن شهاب : فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت :" لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشيا، فلما ابتلي المسلمون. خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة، حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض، فأعبد ربي، قال ابن الدغنة : فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج. إنك تكسب المعدم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، إرجع، واعبد ربك ببلدك فرجع، وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال : أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدم. ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق ؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة : وقالوا لابن الدغنة : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها، وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره ثم بدا لأبي بكر أن يبني مسجدا بفناء داره وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن فيقتصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه، وينظرون إليه. وكان أبو بكر رضي الله عنه رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا : فابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا، وأبناءنا، فانهه فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، إن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين بذلك لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة رضي الله عنها فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال : قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فأما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر : فإني أرد إليك جوارك، وأرضي بجوار الله، والنبي ﷺ يومئذ بمكة، فقال النبي ﷺ للمسلمين : إني رأيت دار هجرتكم، ذات نخل، بين لابتين وهما الحرتان. فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر رضي الله عنه قبل المدينة، فقال له رسول الله ﷺ : على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي فقال أبو بكر : وهل ترجو ذلك بأبي أنت ؟ قال : نعم فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين -كانتا عنده- ورق السمر، وهو الخبط، أربعة أشهر ".
قال ابن شهاب. قال عروة : قالت عائشة رضي الله عنها :" فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر : هذا رسول الله ﷺ متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر : فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت : فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر : أخرج من عندك، فقال أبو بكر : إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال : فإني قد أذن لي في الخروج فقال أبو بكر : الصحبة بأبي أنت يا رسول الله ؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم قال أبو بكر : فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال رسول الله : بالثمن قالت عائشة رضي الله عنها : فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين، قالت : ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة، كبائت فيها، فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر، منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل، وهو لبن منحتهما ورضيفهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلا من بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا، - والخريت : الماهر بالهداية- قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم على طريق السواحل ".
قال ابن شهاب : وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المديحي، وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم : أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك بن جعشم يقول : جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر رضي الله عنه دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، أقبل رجل منهم، حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال : يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه، قال سراقة : فعرفت أنهم هم، فقلت له : إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت البيت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة، فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجه الأرض، وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي، فخررت عنها فقمت، فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا ؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام، تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ، وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات، فساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر النبي ﷺ، فقلت له : إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم خبر ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني ولم يسألاني شيئا إلا أن قالا : أخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى رسول الله ﷺ. قال ابن شهاب : فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ﷺ من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته : يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلام، فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله ﷺ صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك، فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله ﷺ ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول ﷺ بالمدينة، وهو يصلي ف

تفسير هذه الآية من كتب أخرى