الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي
عن الكتاب
أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله﴾ قال : ذكر ما كان من أول شأنه حتى بعث ؛ يقول الله : فأنا فاعل ذلك به وناصره كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين.
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال :« اشترى أبو بكر رضي الله عنه من عازب رجلاً بثلاثة عشر درهماً فقال لعازب : مر البراء فليحمله إلى منزلي. فقال : لا، حتى تحدثنا كيف صنعت حيث خرج رسول الله ﷺ وأنت معه ؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه : خرجنا فأدلجنا فأحثثنا يوماً وليلة حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة فضربت ببصري هل أرى ظلاً فآوي إليه، فإذا أنا بصخرة فأهويت إليها فإذا بقية ظلها فسوّيته لرسول الله ﷺ، وفرشت له فروة وقلت اضطجع يا رسول الله فاضطجع، ثم خرجت أنظر هل أرى أحداً من الطلب فإذا أنا براعي غنم، فقلت : لمن أنت يا غلام ؟ فقال : لرجل من قريش، فسماه فعرفته فقلت : هل في غنمك من لبن ؟ قال : نعم. فقلت : وهل أنت حالب لي ؟ قال : نعم. قال : فأمرته فاعتقل لي شاة منها، ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته فنفض كفيه ومعي اداوة على فمها خرقة فحلب لي كثبة من اللبن، فصببت على القدح من الماء حتى برد أسفله، ثم أتيت رسول الله ﷺ فوافقته قد استيقظ، فقلت : اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثم قلت : هل آن الرحيل ؟ قال : فارتحلنا والقوم يطلبونا فلم يدركنا منهم إلا سراقة على فرس له، فقلت : يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا فقال :» لا تحزن إن الله معنا « حتى إذا دنا فكان بيننا وبينه قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة، فقلت : يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا وبكيت. . . ! قال : لم تبك فقلت : أما والله لا أبكي على نفسي ولكني أبكي عليك. فدعا رسول الله ﷺ وقال » اللهمَّ اكفناه بما شئت « فساخت فرسه إلى بطنها في أرض صلد ووثب عنها، وقال : يا محمد إن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهماً فإنك ستمر بإبلي وغنمي في موضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك. فقال رسول الله ﷺ » لا حاجة لي فيها ودعا رسول الله ﷺ فأطلق، ورجع إلى أصحابه ومضى رسول الله ﷺ وأنا معه حتى قدمنا المدينة فتلقاه الناس فخرجوا على الطرق وعلى الأجاجير واشتد الخدم والصبيان في الطرق الله أكبر جاء رسول الله ﷺ محمد، تنازع القوم أيهم ينزل عليه فقال رسول الله ﷺ « أنزل الليلة على بني النجار أخوال عبد المطلب لأكرمهم بذلك ». فلما أصبح غداً حيث أمر.
وأخرج البخاري عن سراقة بن مالك رضي الله عنه قال : خرجت أطلب النبي ﷺ وأبا بكر رضي الله عنه، حتى إذا دنوت منهما عثرت بي فرسي، فقمت فركبت حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت وأبو بكر رضي الله عنه يكثر التلفت، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عنان ساطع في السماء مثل الدخان، فناديتهما بالأمان : فوقفا لي ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهما أنه سيظهر رسول الله ﷺ.
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :« لما خرج رسول الله ﷺ من الليل لحق بغار ثور قال : وتبعه أبو بكر رضي الله عنه، فلما سمع رسول الله ﷺ حسَّه خلفه خاف أن يكون الطلب، فلما رأى ذلك أبو بكر رضي الله عنه تنحنح، فلما سمع ذلك رسول الله ﷺ عرفه فقام له حتى تبعه فأتيا الغار، فأصبحت قريش في طلبه فبعثوا إلى رجل من قافة بني مدلج، فتبع الأثر حتى انتهى إلى الغار وعلى بابه شجرة، فبال في أصلها القائف ثم قال : ما جاز صاحبكم الذي تطلبون هذا المكان.
قال : فعند ذلك حزن أبو بكر رضي الله عنه فقال له رسول الله ﷺ » لا تحزن إن الله معنا « قال : فمكث هو وأبو بكر رضي الله عنه في الغار ثلاثة أيام يختلف إليهم بالطعام عامر بن فهيرة وعلي يجهزهم، فاشتروا ثلاثة أباعر من إبل البحرين واستأجر لهم دليلاً، فلما كان بعض الليل من الليلة الثالثة أتاهم علي رضي الله عنه بالإِبل والدليل، فركب رسول الله ﷺ راحلته وركب أبو بكر أخرى فتوجهوا نحو المدينة وقد بعثت قريش في طلبه.
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس وعلي وعائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهم وعائشة بنت قدامة وسراقة بن جعشم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا :« خرج رسول الله ﷺ والقوم جلوس على بابه، فأخذ حفنة من البطحاء فجعل يدرها على رؤوسهم ويتلو ﴿يس. والقرآن الحكيم﴾ [يس: ١ - ٢] الآيات ومضى، فقال لهم قائل ما تنتظرون ؟ قالوا : محمداً. قال : قد - والله - مر بكم. قالوا : والله ما أبصرناه ! وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، وخرج رسول الله ﷺ وأبو بكر رضي الله عنه إلى غار ثور فدخلاه، وضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض، وطلبته قريش أشد الطلب حتى انتهت إلى باب الغار، فقال بعضهم : إن عليه لعنكبوتا قبل ميلاد محمد.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عائشة بنت قدامة « أن النبي ﷺ قال : لقد خرجت من الخوخة متنكراً، فكان أول من لقيني أبو جهل، فعمى الله بصره عني وعن أبي بكر حتى مضينا ».
وأخرج أبو نعيم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها « أن أبا بكر رضي الله عنه رأى رجلاً مواجه الغار فقال : يا رسول الله إنه لرائينا. قال : كلا إن الملائكة تستره الآن بأجنحتها، فلم ينشب الرجل أن قعد يبول مستقبلهما. فقال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر لو كان يراك ما فعل هذا ».
وأخرج أبو نعيم عن محمد بن إبراهيم التيمي رضي الله عنه « أن النبي ﷺ حين دخل الغار ضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض، فلما انتهوا إلى فم الغار قال قائل منهم : ادخلوا الغار فقال أمية بن خلف : وما أربكم إلى الغار ؟ إن عليه لعنكبوتا كان قبل ميلاد محمد، فنهى النبي ﷺ عن قتل العنكبوت، قال : إنها جند من جنود الله ».
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عطاء بن أبي ميسرة رضي الله عنه قال : نسجت العنكبوت مرتين. مرة على داود عليه السلام حين كان طالوت يطلبه، ومرة على النبي ﷺ في الغار.
وأخرج ابن سعد وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال :« لما خرج النبي ﷺ وأبو بكر رضي الله عنه التفت أبو بكر رضي الله عنه فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال : يا نبي الله هذا فارس قد لحقنا. فقال «اللهمَّ اصرعه ». فصرع عن فرسه فقال : يا نبي الله مرني بما شئت. قال : تقف مكانك لا تتركن أحداً يلحق بنا. فكان أول النهار جاهداً على رسول الله ﷺ وفي آخر النهار مسلحة له، وفي ذلك يقول سراقة مخاطباً لأبي جهل :
وأخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ضبة بن محصن العبري قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : أنت خير من أبي بكر، فبكى وقال : والله لَليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر، هل لك أن أحدثك بليلته ويومه ؟ قال : قلت : نعم يا أمير المؤمنين. قال : أما ليلته، فلما خرج رسول الله ﷺ هارباً من أهل مكة، خرج ليلاً فتبعه أبو بكر رضي الله عنه فجعل يمشي مرة أمامه ومرة خلفه، ومرة عن يمينه ومرة عن يساره، فقال له رسول الله ﷺ » ما هذا يا أبا بكر ما أعرف هذا من فعلك ؟ ! قال : يا رسول الله اذكر الرصد فأكون أمامك واذكر الطلب فأكون من خلفك ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لا آمن عليك. فمشى رسول الله ﷺ ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه، فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه أنها قد حفيت حمله على كاهله وجعل يشد به حتى أتى فم الغار فأنزله، ثم قال : والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك، فدخل فلم ير شيئاً فحمله فأدخله، وكان في الغار خرق فيه حيات وأفاعي، فخشي أبو بكر رضي الله عنه أن يخرج منهن شيء يؤذي رسول الله ﷺ فألقمه قدمه، فجعلن يضربنه وتلسعه الأفاعي والحيات وجعلت دموعه تتحدر ورسول الله ﷺ يقول له : يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته، أي طمأنينته لأبي بكر رضي الله عنه ؛ فهذه ليلته.
وأما يومه ؛ فلما توفي رسول الله ﷺ وارتدت العرب، فقال بعضهم : نصلي ولا نزكي. وقال بعضهم : لا نصلي ولا نزكي، فأتيته ولا آلوه نصحاً فقلت : يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم. فقال : جبار في الجاهلية خوّار في الإِسلام، بماذا تألفهم، أبشعر مفتعل أو بشعر مفتري ؟ قبض رسول الله ﷺ وارتفع الوحي، فوالله لو منعوني عقالاً مما كانوا يعطون لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه. قال : فقاتلنا معه فكان - والله - رشيد الأمر ؛ فهذا يومه.
وأخرج أبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب رضي الله عنه وعروة رضي الله عنه. أنهم ركبوا في كل وجه يطلبون النبي ﷺ وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم ويجعلون له الجعل العظيم، وأتوا على ثور الجبل الذي فيه الغار الذي فيه النبي ﷺ حتى طلعوا فوقه، وسمع أبو بكر رضي الله عنه والنبي ﷺ أصواتهم، وأشفق أبو بكر وأقبل عليه الهم والخوف، فعند ذلك يقول له رسول الله ﷺ « لا تحزن إن الله معنا، ودعا رسول الله ﷺ فنزلت عليه سكينة من الله ﴿فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾ ».
وأخرج ابن شاهين وابن مردويه وابن عساكر « عن حبشي بن جنادة قال : قال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله لو أن أحداً من المشركين رفع قدمه لأبصرنا. قال » يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا ».
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن الذين طلبوهم صعدوا الجبل فلم يبق أن يدخلوا. فقال أبو بكر رضي الله عنه : أتينا. فقال رسول الله ﷺ «لا تحزن إن الله معنا » وانقطع الأثر فذهبوا يميناً وشمالاً.
وأخرج ابن عساكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : خرج رسول الله وخرج أبو بكر رضي الله عنه معه، لم يأمن على نفسه غيره حتى دخلا الغار.
وأخرج ابن شاهين والدارقطني وابن مردويه وابن عساكر « عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ﷺ لأبي بكر «أنت صاحبي في الغار، وأنت معي على الخوض ».
وأخرج ابن عساكر من حديث ابن عباس عن أبي هريرة. مثله.
وأخرج ابن عدي وابن عساكر
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال :« اشترى أبو بكر رضي الله عنه من عازب رجلاً بثلاثة عشر درهماً فقال لعازب : مر البراء فليحمله إلى منزلي. فقال : لا، حتى تحدثنا كيف صنعت حيث خرج رسول الله ﷺ وأنت معه ؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه : خرجنا فأدلجنا فأحثثنا يوماً وليلة حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة فضربت ببصري هل أرى ظلاً فآوي إليه، فإذا أنا بصخرة فأهويت إليها فإذا بقية ظلها فسوّيته لرسول الله ﷺ، وفرشت له فروة وقلت اضطجع يا رسول الله فاضطجع، ثم خرجت أنظر هل أرى أحداً من الطلب فإذا أنا براعي غنم، فقلت : لمن أنت يا غلام ؟ فقال : لرجل من قريش، فسماه فعرفته فقلت : هل في غنمك من لبن ؟ قال : نعم. فقلت : وهل أنت حالب لي ؟ قال : نعم. قال : فأمرته فاعتقل لي شاة منها، ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته فنفض كفيه ومعي اداوة على فمها خرقة فحلب لي كثبة من اللبن، فصببت على القدح من الماء حتى برد أسفله، ثم أتيت رسول الله ﷺ فوافقته قد استيقظ، فقلت : اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثم قلت : هل آن الرحيل ؟ قال : فارتحلنا والقوم يطلبونا فلم يدركنا منهم إلا سراقة على فرس له، فقلت : يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا فقال :» لا تحزن إن الله معنا « حتى إذا دنا فكان بيننا وبينه قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة، فقلت : يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا وبكيت. . . ! قال : لم تبك فقلت : أما والله لا أبكي على نفسي ولكني أبكي عليك. فدعا رسول الله ﷺ وقال » اللهمَّ اكفناه بما شئت « فساخت فرسه إلى بطنها في أرض صلد ووثب عنها، وقال : يا محمد إن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهماً فإنك ستمر بإبلي وغنمي في موضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك. فقال رسول الله ﷺ » لا حاجة لي فيها ودعا رسول الله ﷺ فأطلق، ورجع إلى أصحابه ومضى رسول الله ﷺ وأنا معه حتى قدمنا المدينة فتلقاه الناس فخرجوا على الطرق وعلى الأجاجير واشتد الخدم والصبيان في الطرق الله أكبر جاء رسول الله ﷺ محمد، تنازع القوم أيهم ينزل عليه فقال رسول الله ﷺ « أنزل الليلة على بني النجار أخوال عبد المطلب لأكرمهم بذلك ». فلما أصبح غداً حيث أمر.
وأخرج البخاري عن سراقة بن مالك رضي الله عنه قال : خرجت أطلب النبي ﷺ وأبا بكر رضي الله عنه، حتى إذا دنوت منهما عثرت بي فرسي، فقمت فركبت حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت وأبو بكر رضي الله عنه يكثر التلفت، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عنان ساطع في السماء مثل الدخان، فناديتهما بالأمان : فوقفا لي ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهما أنه سيظهر رسول الله ﷺ.
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :« لما خرج رسول الله ﷺ من الليل لحق بغار ثور قال : وتبعه أبو بكر رضي الله عنه، فلما سمع رسول الله ﷺ حسَّه خلفه خاف أن يكون الطلب، فلما رأى ذلك أبو بكر رضي الله عنه تنحنح، فلما سمع ذلك رسول الله ﷺ عرفه فقام له حتى تبعه فأتيا الغار، فأصبحت قريش في طلبه فبعثوا إلى رجل من قافة بني مدلج، فتبع الأثر حتى انتهى إلى الغار وعلى بابه شجرة، فبال في أصلها القائف ثم قال : ما جاز صاحبكم الذي تطلبون هذا المكان.
قال : فعند ذلك حزن أبو بكر رضي الله عنه فقال له رسول الله ﷺ » لا تحزن إن الله معنا « قال : فمكث هو وأبو بكر رضي الله عنه في الغار ثلاثة أيام يختلف إليهم بالطعام عامر بن فهيرة وعلي يجهزهم، فاشتروا ثلاثة أباعر من إبل البحرين واستأجر لهم دليلاً، فلما كان بعض الليل من الليلة الثالثة أتاهم علي رضي الله عنه بالإِبل والدليل، فركب رسول الله ﷺ راحلته وركب أبو بكر أخرى فتوجهوا نحو المدينة وقد بعثت قريش في طلبه.
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس وعلي وعائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهم وعائشة بنت قدامة وسراقة بن جعشم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا :« خرج رسول الله ﷺ والقوم جلوس على بابه، فأخذ حفنة من البطحاء فجعل يدرها على رؤوسهم ويتلو ﴿يس. والقرآن الحكيم﴾ [يس: ١ - ٢] الآيات ومضى، فقال لهم قائل ما تنتظرون ؟ قالوا : محمداً. قال : قد - والله - مر بكم. قالوا : والله ما أبصرناه ! وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، وخرج رسول الله ﷺ وأبو بكر رضي الله عنه إلى غار ثور فدخلاه، وضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض، وطلبته قريش أشد الطلب حتى انتهت إلى باب الغار، فقال بعضهم : إن عليه لعنكبوتا قبل ميلاد محمد.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عائشة بنت قدامة « أن النبي ﷺ قال : لقد خرجت من الخوخة متنكراً، فكان أول من لقيني أبو جهل، فعمى الله بصره عني وعن أبي بكر حتى مضينا ».
وأخرج أبو نعيم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها « أن أبا بكر رضي الله عنه رأى رجلاً مواجه الغار فقال : يا رسول الله إنه لرائينا. قال : كلا إن الملائكة تستره الآن بأجنحتها، فلم ينشب الرجل أن قعد يبول مستقبلهما. فقال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر لو كان يراك ما فعل هذا ».
وأخرج أبو نعيم عن محمد بن إبراهيم التيمي رضي الله عنه « أن النبي ﷺ حين دخل الغار ضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض، فلما انتهوا إلى فم الغار قال قائل منهم : ادخلوا الغار فقال أمية بن خلف : وما أربكم إلى الغار ؟ إن عليه لعنكبوتا كان قبل ميلاد محمد، فنهى النبي ﷺ عن قتل العنكبوت، قال : إنها جند من جنود الله ».
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عطاء بن أبي ميسرة رضي الله عنه قال : نسجت العنكبوت مرتين. مرة على داود عليه السلام حين كان طالوت يطلبه، ومرة على النبي ﷺ في الغار.
وأخرج ابن سعد وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال :« لما خرج النبي ﷺ وأبو بكر رضي الله عنه التفت أبو بكر رضي الله عنه فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال : يا نبي الله هذا فارس قد لحقنا. فقال «اللهمَّ اصرعه ». فصرع عن فرسه فقال : يا نبي الله مرني بما شئت. قال : تقف مكانك لا تتركن أحداً يلحق بنا. فكان أول النهار جاهداً على رسول الله ﷺ وفي آخر النهار مسلحة له، وفي ذلك يقول سراقة مخاطباً لأبي جهل :
| أبا حكم لو كنت والله شاهداً | لأمر جوادي أن تسيخ قوائمه |
| علمت ولم تشكك بأن محمداً | رسول ببرهان فمن ذا يقاومه |
وأما يومه ؛ فلما توفي رسول الله ﷺ وارتدت العرب، فقال بعضهم : نصلي ولا نزكي. وقال بعضهم : لا نصلي ولا نزكي، فأتيته ولا آلوه نصحاً فقلت : يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم. فقال : جبار في الجاهلية خوّار في الإِسلام، بماذا تألفهم، أبشعر مفتعل أو بشعر مفتري ؟ قبض رسول الله ﷺ وارتفع الوحي، فوالله لو منعوني عقالاً مما كانوا يعطون لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه. قال : فقاتلنا معه فكان - والله - رشيد الأمر ؛ فهذا يومه.
وأخرج أبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب رضي الله عنه وعروة رضي الله عنه. أنهم ركبوا في كل وجه يطلبون النبي ﷺ وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم ويجعلون له الجعل العظيم، وأتوا على ثور الجبل الذي فيه الغار الذي فيه النبي ﷺ حتى طلعوا فوقه، وسمع أبو بكر رضي الله عنه والنبي ﷺ أصواتهم، وأشفق أبو بكر وأقبل عليه الهم والخوف، فعند ذلك يقول له رسول الله ﷺ « لا تحزن إن الله معنا، ودعا رسول الله ﷺ فنزلت عليه سكينة من الله ﴿فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾ ».
وأخرج ابن شاهين وابن مردويه وابن عساكر « عن حبشي بن جنادة قال : قال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله لو أن أحداً من المشركين رفع قدمه لأبصرنا. قال » يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا ».
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن الذين طلبوهم صعدوا الجبل فلم يبق أن يدخلوا. فقال أبو بكر رضي الله عنه : أتينا. فقال رسول الله ﷺ «لا تحزن إن الله معنا » وانقطع الأثر فذهبوا يميناً وشمالاً.
وأخرج ابن عساكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : خرج رسول الله وخرج أبو بكر رضي الله عنه معه، لم يأمن على نفسه غيره حتى دخلا الغار.
وأخرج ابن شاهين والدارقطني وابن مردويه وابن عساكر « عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ﷺ لأبي بكر «أنت صاحبي في الغار، وأنت معي على الخوض ».
وأخرج ابن عساكر من حديث ابن عباس عن أبي هريرة. مثله.
وأخرج ابن عدي وابن عساكر