روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ﴾ من مكة، وإسناد الإخراج إليهم إسناد إلى السبب البعيد فإن الله تعالى أذن له عليه الصلاة والسلام بالخروج حين كان منهم ما كان فخرج ﷺ بنفسه ﴿ثَانِيَ اثنين﴾ حال من ضميره عليه الصلاة والسلام. أي أحد اثنين من غير اعتبار كونه ﷺ ثانياً، فإن معنى قولهم ثالث ثلاثة ورابع أربعة ونحو ذلك أحد هذه الأعداد مطلقاً لا الثالث والرابع خاصة، ولذا منع الجمهور أن ينصب ما بعد بأن يقال ثالث ثلاثة ورابع أربعة، فلا حاجة إلى تكلف توجيه كونه عليه الصلاة والسلام ثانيهما كما فعله بعضهم. وقرىء ﴿ثَانِيَ﴾ بسكون الياء على لغة من يجري الناقص مجرى المقصور في الإعراب، وليس بضرورة خلافاً لمن زعمه وقال : إنه من أحسن الضرورة في الشعر. واستشكلت الشرطية بأن الجواب فيها ماض ويتشرط فيه أن يكون مستقبلاً حتى إذا كان ماضياً قلب مستقبلاً وهنا لم ينقلب، وأجيب بأن الجواب محذوف أقيم سببه مقامه وهو مستقبل أي إن لم تنصروه فسينصره الله تعالى الذي قد نصره في وقت ضرورة أشد من هذه المرة وإلى هذا يشير كلام مجاهد، وجوز أن يكون المراد إن لم تنصروه فقد أوجب له النصرة حين نصره في مثل ذلك الوقت فلن يخذله في غيره، وفرق بين الوجهين بعد اشتراكهما في أن جواب الشرط محذوف بأن الدال عليه على الوجه الأول النصرة المقيدة بزمان الضعف والقلة في السالف وعلى الوجه الثاني معرفتهم بأنه ﷺ من المنصورين، وقال القطب : الوجهان متقاربان إلا أن الأول مبني على القياس والثاني على الاستصحاب فإن النصرة ثابتة في تلك الحالة فتكون ثابتة في الاستقبال إذ الأصل بقاء ما كان على ما كان، وقيل : إنه على الوجه الأول يقدر الجواب وعلى الثاني هو نصر مستمر فيصح ترتيبه على المستقبل لشموله له ﴿إِذْ هُمَا فِى الغار﴾ بدل من ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ﴾ بدل البعض إذ المراد به زمان متسع فلا يتوهم التغاير المانع من البدلية، وقيل : إنه ظرف ﴿ثَانِيَ اثنين﴾ والمراد بالغار ثقب في أعلى ثور وهو جبل في الجهة اليمنى لمكة على مسير ساعة، مكثا فيه كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ثلاثة أيام يختلف إليهما بالطعام عامر بن فهيرة ؛ وعلي كرم الله تعالى وجهه يجهزهما فاشترى ثلاثة أباعر من إبل البحرين واستأجر لهما دليلاً، فلما كانا في بعض الليل من الليلة الثالثة أتاهم علي كرم الله تعالى وجهه بالإبل والدليل فركبوا وتوجهوا نحو المدينة، ولاختفائه عليه الصلاة والسلام في الغار ثلاثة اختفى الإمام أحمد فيما يروى زمن فتنة القرآن كذلك لكن لا في الغار، واختفى هذا العبد الحقير زمن فتح بغداد بعد المحاصرة سنة سبع وأربعين بعد الألف والمائتين خوفاً من العامة وبعض الخاصة لأمور نسبت إليّ وافتراها بعض المنافقين علي في سرداب عند بعض الأحبة ثلاثة أيام أيضاً لذلك ثم أخرجني منه بالعز أمين وأيدني الله تعالى بعد ذلك بالغر الميامين ﴿إِذْ يَقُولُ﴾ بدل ثان، وقيل : أول ﴿لصاحبه﴾ وهو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.
وقد أخرج الدارقطني. وابن شاهين. وابن مردويه. وغيرهم عن ابن عمر قال :" قال رسول الله ﷺ لأبي بكر رضي الله تعالى عنه : أنت صاحبي في الغار، وأنت معي على الحوض " وأخرج ابن عساكر من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وأبي هريرة مثله، وأخرج هو. وابن عدي من طريق الزهري عن أنس " أن رسول الله ﷺ قال لحسان : هل قلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه شيئاً ؟ قال : نعم. قال : قل وأنا أسمع. فقال حسان رضي الله تعالى عنه )
وثاني اثنين في الغار المنيف وقد
طاف العدو به إذ صاعد الجبلا
وكان حب رسول الله قد علموا
من البرية لم يعدل به رجلا
فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قال : صدقت يا حسان هو كما قلت " ولم يخالف في ذلك أحد حتى الشيعة فيما أعلم لكنهم يقولون ما ستعلمه ورده إن شاء الله تعالى ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا﴾ بالعصمة والمعونة فهي معية مخصوصة وإلا فهو تعالى مع كل واحد من خلقه. روى الشيخان. وغيرهما عن أنس قال : حدثني أبو بكر قال :«كنت مع النبي ﷺ في الغار فرأيت آثار المشركين فقلت : يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا تحت قدمه. فقال عليه الصلاة والسلام : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله تعالى ثالثهما ». وروى البيهقي وغيره. «أنه لما دخلا الغار أمر الله تعالى العنكبوت فنسجت على فم الغار وبعث حمامتين وحشيتين فباضتا فيه وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجلاً بعصيهم وسيوفهم حتى إذا كانوا قدر أربعين ذراعاً تعجل بعضهم فنظر في الغار ليرى أحداً فرأى حمامتين فرجع إلى أصحابه فقال : ليس في الغار أحد ولو كان قد دخله أحد ما بقيت هاتان الحمامتان ». وجاء في رواية قال بعضهم(١) : إن عليه لعنكبوتاً قبل ميلاد محمد ﷺ فانصرفوا، وأول من دخل الغار أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فقد أخرج ابن مردويه عن جندب بن سفيان قال : لما انطلق أبو بكر رضي الله تعالى عنه مع رسول الله ﷺ إلى الغار قال أبو بكر : لا تدخل يا رسول الله حتى استبرئه فدخل الغار فأصاب يده شيء فجعل يمسح الدم عن أصبعه وهو يقول :
ما أنت إلا أصبع دميتوفي سبيل الله ما لقيت
روى البيهقي في الدلائل. وابن عساكر «أنه لما خرج رسول الله ﷺ مهاجراً تبعه أبو بكر فجعل يمشي مرة أمامه ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن يساره. فقال له رسول الله ﷺ : ما هذا يا أبا بكر ؟ فقال : يا رسول الله أذكر الرصد فأكون أمامك واذكر الطلب فأكون خلفك ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لا آمن عليك فمشى رسول الله ﷺ ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه فلما رأى ذلك أبو بكر حمله على كاهله وجعل يشتد به حتى أتى فم الغار فأنزله ثم قال : والذي بعثك بالحق لا تدخل حتى أدخله فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك فدخل فلم ير شيئاً فحمله فأدخله وكان في الغار خرق فيه حيات وأفاعي فخشي أبو بكر أن يخرج منهن شيء يؤدي رسول الله ﷺ فألقمه قدمه فجعلن يضربنه ويلسعنه وجعلت دموعه تتحدر وهو لا يرفع قدمه حباً لرسول الله ﷺ ». وفي رواية «أنه سد كل خرق في الغار بثوبه قطعه لذلك قطعاً وبقي خرق سده بعقبه » رضي الله تعالى عنه ﴿فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ﴾ وهي الطمأنينة التي تسكن عندها القلوب ﴿عَلَيْهِ﴾ أي على النبي ﷺ. وأخرج ابن أبي حاتم. وأبو الشيخ. وابن مردويه. والبيهقي في الدلائل. وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الضمير للصاحب. وأخرج الخطيب في تاريخه عن حبيب بن أبي ثابت نحوه، وقيل : وهو الأظهر لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم ينزعج حتى يسكن ولا ينافيه تعين ضمير ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ له عليه الصلاة والسلام لعطفه على ﴿نَصَرَهُ الله﴾ لا على ﴿أَنَزلَ﴾ حتى تتفكك الضمائر على أنه إذا كان العطف عليه كما قيل به يجوز أن يكون الضمير للصاحب أيضاً كما يدل عليه ما أخرجه ابن مردويه من حديث أنس أن النبي ﷺ قال لأبي بكر رضي الله تعالى عنه :" يا أبا بكر إن الله تعالى أنزل سكينته عليك وأيدك " الخ وأن أبيت فأي ضرر في التفكيك إذا كان الأمر ظاهراً.
واستظهر بعضهم الأول وادعى أنه المناسب للمقام، وإنزال السكينة لا يلزم أن يكون لدفع الانزعاج بل قد يكون لرفعته ونصره ﷺ، والفاء للتعقيب الذكرى وفيه بعد، وفسرها بعضهم على ذلك الاحتمال بما لا يحوم حوله شائبة خوف أصلاً، والمراد بالجنود الملائكة النازلون يوم بدر.
والأحزاب. وحنين، وقيل : هم ملائكة أنزلهم الله تبارك وتعالى ليحرسوه في الغار. ويؤيده ما أخرجه أبو نعيم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنه «أن أبا بكر رأى رجلاً يواجه الغار فقال : يا رسول الله إنه لرآنا قال : كلا إن الملائكة تستره الآن بأجنحتها فلم ينشب الرجل أنقعد يبول مستقبلهما فقال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر لو كان يرانا ما فعل هذا »، والظاهر أنهما على هذا كانا في الغار بحيث يمكن رؤيتهما عادة ممن هو خارج الغار، واعترض هذا القول بأنه يأباه وصف الجنود بعدم رؤية المخاطبين لهم إلا أن يقال : المراد من هذا الوصف مجرد تعظيم أمر الجنود، ومن جعل العطف على ﴿أَنَزلَ﴾ التزم القول المذكور لاقتضائه لظاهر حال الفاء أن يكون ذلك الإنزال متعقباً على ما قبله وذلك مما لا يتأتى على القول الأول في الجنود ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى﴾ أي كلمتهم التي اجتمعوا عليها في أمر رسول الله ﷺ في دار الندوة حيث نجاه ربه سبحانه على رغم أنوفهم وحفظه من كيدهم مع أنهم لم يدعوا في القوس منزعاً في إيصال الشر إليه، وجعلوا الدية لمن يقتله أو يأسره عليه الصلاة والسلام، وخرجوا في طلبه عليه الصلاة والسلام رجالاً وركباناً فرجعوا صفر الأكف سود الوجوه، وصار له بعض من كان عليه عليه الصلاة والسلام. فقد أخرج ابن سعد. وأبو نعيم. والبيهقي كلاهما في الدلائل عن أنس رضي الله تعالى عنه قال :«لما خرج النبي ﷺ. وأبو بكر التفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم فقال : يا نبي الله هذا فارس قد لحق بنا فقال ﷺ : اللهم اصرعه فصرع عن فرسه فقال : يا نبي الله مرني بما شئت قال : فقفت مكانك لا تتركن أحداً يلحق بنا فكان أول النهار جاهداً على رسول الله ﷺ وآخر النهار مسلحة » وكان هذا الفارس سراقة، وفي ذلك يقول لأبي جهل :
أبا حكم والله لو كنت شاهدالأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه
علمت ولم تشكك بأن محمدارسول ببرهان فمن ذا يقاومه
وصح من حديث الشيخين وغيرهما «أن القوم طلبوا رسول الله ﷺ. وأبا بكر، وقال أبو بكر : ولم يدركنا منهم إلا سراقة على فرس له فقلت : يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا فقال :﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا﴾ حتى إذا دنا فكان بيننا وبينه قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة قلت : يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا وبكيت قال : لم تبكي ؟ قلت : أما والله ما أبكي عل نفسي ولكن أبكي عليك فدعا عليه عليه الصلاة والسلام وقال : اللهم أكفناه بما شئت فساخت فرسه إلى بطنها في أرض صلدة ووثب عنها وقال : يا محمد إن هذا عملك فادع الله تعالى أن ينجيني مما أنا فيه فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهماً فانك ستمر بإبلي وغنمي في موضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك فقال رسول الله ﷺ : لا حاجة لي فيها ودعا له فانطاق ورجع إلى أصحابه ومضى رسول الله ﷺ وأنا معه حتى قدمنا المدينة » الحديث، ويجوز تفسير الكلمة بالشرك وهو الذي أخرجه ابن المنذر.
وابن أبي حاتم. والبيهقي في الأسماء والصفات ن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فهي مجاز عن معتقدهم الذي من شأنهم التكلم به، وفسرها بعضهم بدعوة الكفر فهي بمعنى الكلام مطلقا، وزعم شيخ الإسلام بأن ا
١ - هو كما في بعض الروايات أمية بن خلف اهـ منه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى