مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾
اعلم أن هذا ذكر طريق آخر في ترغيبهم في الجهاد، وذلك لأنه تعالى ذكر في الآية الأولى أنهم إن لم ينفروا باستنفاره، ولم يشتغلوا بنصرته فإن الله ينصره بدليل أن الله نصره وقواه، حال ما لم يكن معه إلا رجل واحد، فههنا أولى، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : لقائل أن يقول : كيف يكون قوله :﴿فقد نصره الله﴾ جوابا للشرط ؟
وجوابه أن التقدير إلا تنصروه، فسينصره من نصره حين ما لم يكن معه إلا رجل واحد، ولا أقل من الواحد. والمعنى أنه ينصره الآن كما نصره في ذلك الوقت.
المسألة الثانية : قوله :﴿إذ أخرجه الذين كفروا﴾ يعني قد نصره الله في الوقت الذي أخرجه الذين كفروا من مكة وقوله :﴿ثاني اثنين﴾ نصب على الحال، أي في الحال التي كان فيها ﴿ثاني اثنين﴾ وتفسير قوله :﴿ثاني اثنين﴾ سبق في قوله :﴿ثالث ثلاثة﴾ وتحقيق القول أنه إذا حضر اثنان فكل واحد منهما يكون ثانيا في ذينك الاثنين للآخر فلهذا السبب قالوا : يقال فلان ثاني اثنين، أي هو أحدهما. قال صاحب «الكشاف » : وقرئ ﴿ثاني اثنين﴾ بالسكون و﴿إذ هما﴾ بدل من قوله :﴿إذ أخرجه﴾ والغار ثقب عظيم في الجبل، وكان ذلك الجبل يقال له ثور، في يمين مكة على مسيرة ساعة، مكث رسول الله ﷺ فيه مع أبي بكر ثلاثا. وقوله :﴿إذ يقول﴾ : بدل ثان.
المسألة الثالثة : ذكروا أن قريشا ومن بمكة من المشركين تعاقدوا على قتل رسول الله ﷺ فنزل ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ فأمره الله تعالى أن يخرج هو وأبو بكر أول الليل إلى الغار، والمراد من قوله :﴿أخرجه الذين كفروا﴾ هو أنهم جعلوه كالمضطر إلى الخروج. وخرج رسول الله ﷺ وأبو بكر أول الليل إلى الغار، وأمر عليا أن يضطجع على فراشه ليمنعهم السواد من طلبه، حتى يبلغ هو وصاحبه إلى ما أمر الله به، فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر الغار أولا، يلتمس ما في الغار، فقال له النبي ﷺ، " مالك ؟ " فقال : بأبي أنت وأمي، الغيران مأوى السباع والهوام، فإن كان فيه شيء كان بي لا بك، وكان في الغار جحر، فوضع عقبه عليه لئلا يخرج ما يؤذي الرسول، فلما طلب المشركون الأثر وقربوا، بكى أبو بكر خوفا على رسول الله ﷺ فقال عليه السلام :" لا تحزن إن الله معنا " فقال أبو بكر : إن الله لمعنا، فقال الرسول :" نعم " فجعل يمسح الدموع عن خده. ويروى عن الحسن أنه كان إذا ذكر بكاء أبي بكر بكى، وإذا ذكر مسحه الدموع مسح هو الدموع عن خده. وقيل : لما طلع المشركون فوق الغار أشفق أبو بكر على رسول الله ﷺ وقال : إن تصب اليوم ذهب دين الله. فقال رسول الله :«ما ظنك باثنين الله ثالثهما » وقيل لما دخل الغار وضع أبو بكر ثمامة على باب الغار، وبعث الله حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت نسجت عليه وقال رسول الله ﷺ :«اللهم أعم أبصارهم » فجعلوا يترددون حول الغار ولا يرون أحدا.
المسألة الرابعة : دلت هذه الآية على فضيلة أبي بكر رضي الله عنه من وجوه : الأول : أنه عليه السلام لما ذهب إلى الغار لأجل أنه كان يخاف الكفار من أن يقدموا على قتله، فلولا أنه عليه السلام كان قاطعا على باطن أبي بكر، بأنه من المؤمنين المحققين الصادقين الصديقين، وإلا لما أصحبه نفسه في ذلك الموضع، لأنه لو جوز أن يكون باطنه بخلاف ظاهره، لخافه من أن يدل أعداءه عليه، وأيضا لخافه من أن يقدم على قتله. فلما استخلصه لنفسه في تلك الحالة، دل على أنه عليه السلام كان قاطعا بأن باطنه على وفق ظاهره. الثاني : وهو أن الهجرة كانت بإذن الله تعالى، وكان في خدمة رسول الله ﷺ جماعة من المخلصين، وكانوا في النسب إلى شجرة رسول الله أقرب من أبي بكر، فلولا أن الله تعالى أمره بأن يستصحب أبا بكر في تلك الواقعة الصعبة الهائلة، وإلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه الصحبة، وتخصيص الله إياه بهذا التشريف دل على منصب عال له في الدين. الثالث : أن كل من سوى أبي بكر فارقوا رسول الله ﷺ، أما هو فما سبق رسول الله كغيره، بل صبر على مؤانسته وملازمته وخدمته عند هذا الخوف الشديد الذي لم يبق معه أحد، وذلك يوجب الفضل العظيم. الرابع : أنه تعالى سماه ﴿ثاني اثنين﴾ فجعل ثاني محمد عليه السلام حال كونهما في الغار، والعلماء أثبتوا أنه رضي الله عنه كان ثاني محمد في أكثر المناصب الدينية، فإنه ﷺ لما أرسل إلى الخلق وعرض الإسلام على أبي بكر آمن أبو بكر، ثم ذهب أبو بكر وعرض الإسلام على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة آخرين من أجلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والكل آمنوا على يديه، ثم إنه جاء بهم إلى رسول الله ﷺ بعد أيام قلائل، فكان هو رضي الله عنه ﴿ثاني اثنين﴾ في الدعوة إلى الله، وأيضا كلما وقف رسول الله ﷺ في غزوة، كان أبو بكر رضي الله عنه يقف في خدمته ولا يفارقه، فكان ثاني اثنين في مجلسه، ولما مرض رسول الله ﷺ قام مقامه في إمامة الناس في الصلاة فكان ثاني اثنين، ولما توفي دفن بجنبه، فكان ثاني اثنين هناك أيضا، وطعن بعض الحمقى من الروافض في هذا الوجه وقال : كونه ثاني اثنين للرسول لا يكون أعظم من كون الله تعالى رابعا لكل ثلاث في قوله :﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم﴾ ثم إن هذا الحكم عام في حق الكافر والمؤمن، فلما لم يكن هذا المعنى من الله تعالى دالا على فضيلة الإنسان فلأن لا يدل من النبي على فضيلة الإنسان كان أولى.
والجواب : أن هذا تعسف بارد، لأن المراد هناك كونه تعالى مع الكل بالعلم والتدبير، وكونه مطلعا على ضمير كل أحد، أما ههنا فالمراد بقوله تعالى :﴿ثاني اثنين﴾ تخصيصه بهذه الصفة في معرض التعظيم وأيضا قد دللنا بالوجوه الثلاثة المتقدمة على أن كونه معه في هذا الموضع دليل قاطع على أنه ﷺ كان قاطعا بأن باطنه كظاهره، فأين أحد الجانبين من الآخر ؟
والوجه الخامس : من التمسك بهذه الآية ما جاء في الأخبار أن أبا بكر رضي الله عنه لما حزن قال عليه الصلاة والسلام «ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ » ولا شك أن هذا منصب علي، ودرجة رفيعة.
واعلم أن الروافض في الدين كانوا إذا حلفوا قالوا : وحق خمسة سادسهم جبريل، وأرادوا به أن الرسول ﷺ، وعليا، وفاطمة، والحسن والحسين، كانوا قد احتجبوا تحت عباءة يوم المباهلة، فجاء جبريل وجعل نفسه سادسا لهم، فذكروا للشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى أن القوم هكذا يقولون، فقال رحمه الله : لكم ما هو خير منه بقوله :«ما ظنك باثنين الله ثالثهما » ومن المعلوم بالضرورة أن هذا أفضل وأكمل.
والوجه السادس : أنه تعالى وصف أبا بكر بكونه صاحبا للرسول وذلك يدل على كمال الفضل. قال الحسين بن فضيل البجلي : من أنكر أن يكون أبو بكر صاحب رسول الله ﷺ كان كافرا، لأن الأمة مجمعة على أن المراد من ﴿إذ يقول لصاحبه﴾ هو أبو بكر، وذلك يدل على أن الله تعالى وصفه بكونه صاحبا له، اعترضوا وقالوا : إن الله تعالى وصف الكافر بكونه صاحبا للمؤمن، وهو قوله :﴿قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب﴾. والجواب : أن هناك وإن وصفه بكونه صاحبا له، ذكرا إلا أنه أردفه بما يدل على الإهانة والإذلال، وهو قوله :﴿أكفرت﴾ أما ههنا فبعد أن وصفه بكونه صاحبا له، ذكر ما يدل على الإجلال والتعظيم وهو قوله :﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ فأي مناسبة بين البابين لولا فرط العداوة ؟
والوجه السابع : في دلالة هذه الآية على فضل أبي بكر. قوله :﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ ولا شك أن المراد من هذه المعية، المعية بالحفظ والنصرة والحراسة والمعونة، وبالجملة فالرسول عليه الصلاة والسلام شرك بين نفسه وبين أبي بكر في هذه المعية، فإن حملوا هذه المعية على وجه فاسد، لزمهم إدخال الرسول فيه، وإن حملوها على محمل رفيع شريف، لزمهم إدخال أبي بكر فيه، ونقول بعبارة أخرى، دلت الآية على أن أبا بكر كان الله معه، وكل من كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين، لقوله تعالى :﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ والمراد منه الحصر، والمعنى : إن الله مع الذين اتقوا لا مع غيرهم، وذلك يدل على أن أبا بكر من المتقين المحسنين.
الوجه الثامن : في تقرير هذا المطلوب أن قوله :﴿إن الله معنا﴾ يدل على كونه ثاني اثنين في الشرف الحاصل من هذه المعية، كما كان ثاني اثنين إذ هما في الغار، وذلك منصب في غاية الشرف.
والوجه التاسع : أن قوله :﴿لا تحزن﴾ نهى عن الحزن مطلقا، والنهي يوجب الدوام والتكرار، وذلك يقتضي أن لا يحزن أبو بكر بعد ذلك البتة، قبل الموت وعند الموت وبعد الموت.
والوجه العاشر : قوله :﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ ومن قال الضمير في قوله :﴿عليه﴾ عائدا إلى الرسول فهذا باطل لوجوه :
الوجه الأول : أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وأقرب المذكورات المتقدمة في هذه الآية هو أبو بكر، لأنه تعالى قال :﴿إذ يقول لصاحبه﴾ والتقدير : إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر لا تحزن، وعلى هذا التقدير : فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر، فوجب عود الضمير إليه.
والوجه الثاني : أن الحزن والخوف كان حاصلا لأبي بكر لا للرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه عليه السلام كان آمنا ساكن القلب بما وعده الله أن ينصره على قريش. فلما قال لأبي بكر لا تحزن صار آمنا، فصرف السكينة إلى أبي بكر ليصير ذلك سببا لزوال خوفه، أولى من صرفها إلى الرسول ﷺ، مع أنه قبل ذلك ساكن القلب قوي النفس.
والوجه الثالث : أنه لو كان المراد إنزال السكينة على الرسول لوجب أن يقال : إن الرسول كان قبل ذلك خائفا، ولو كان الأمر كذلك لما أمكنه أن يقول لأبي بكر :﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ فمن كان خائفا كيف يمكنه أن يزيل الخوف عن قلب غيره ؟ ولو كان الأمر على ما قالوه لوجب أن يقال : فأنزل الله سكينته عليه، فقال لصاحبه لا تحزن، ولما لم يكن كذلك، بل ذكر أولا أنه عليه الصلاة والسلام قال لصاحبه لا تحزن، ثم ذكر بفاء التعقيب نزول السكينة، وهو قوله :﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ علمنا أن نزول هذه السكينة مسبوق بحصول السكينة في قلب الرسول عليه الصلاة والسلام، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن تكون هذه السكينة نازلة على قلب أبي بكر.
فإن قيل : وجب أن يكون قوله :﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ المراد منه أنه أنزل سكينته على قلب الرسول، والدليل عليه أنه عطف عليه قوله :﴿وأيده بجنود لم تروها﴾ وهذا لا يليق إلا بالرسول، والمعطوف يجب كونه مشاركا للمعطوف عليه، فلما كان هذا المعطوف عائدا إلى الرسول وجب في المعطوف عليه أن يكون عائدا إلى الرسول.
قلنا :
اعلم أن هذا ذكر طريق آخر في ترغيبهم في الجهاد، وذلك لأنه تعالى ذكر في الآية الأولى أنهم إن لم ينفروا باستنفاره، ولم يشتغلوا بنصرته فإن الله ينصره بدليل أن الله نصره وقواه، حال ما لم يكن معه إلا رجل واحد، فههنا أولى، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : لقائل أن يقول : كيف يكون قوله :﴿فقد نصره الله﴾ جوابا للشرط ؟
وجوابه أن التقدير إلا تنصروه، فسينصره من نصره حين ما لم يكن معه إلا رجل واحد، ولا أقل من الواحد. والمعنى أنه ينصره الآن كما نصره في ذلك الوقت.
المسألة الثانية : قوله :﴿إذ أخرجه الذين كفروا﴾ يعني قد نصره الله في الوقت الذي أخرجه الذين كفروا من مكة وقوله :﴿ثاني اثنين﴾ نصب على الحال، أي في الحال التي كان فيها ﴿ثاني اثنين﴾ وتفسير قوله :﴿ثاني اثنين﴾ سبق في قوله :﴿ثالث ثلاثة﴾ وتحقيق القول أنه إذا حضر اثنان فكل واحد منهما يكون ثانيا في ذينك الاثنين للآخر فلهذا السبب قالوا : يقال فلان ثاني اثنين، أي هو أحدهما. قال صاحب «الكشاف » : وقرئ ﴿ثاني اثنين﴾ بالسكون و﴿إذ هما﴾ بدل من قوله :﴿إذ أخرجه﴾ والغار ثقب عظيم في الجبل، وكان ذلك الجبل يقال له ثور، في يمين مكة على مسيرة ساعة، مكث رسول الله ﷺ فيه مع أبي بكر ثلاثا. وقوله :﴿إذ يقول﴾ : بدل ثان.
المسألة الثالثة : ذكروا أن قريشا ومن بمكة من المشركين تعاقدوا على قتل رسول الله ﷺ فنزل ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ فأمره الله تعالى أن يخرج هو وأبو بكر أول الليل إلى الغار، والمراد من قوله :﴿أخرجه الذين كفروا﴾ هو أنهم جعلوه كالمضطر إلى الخروج. وخرج رسول الله ﷺ وأبو بكر أول الليل إلى الغار، وأمر عليا أن يضطجع على فراشه ليمنعهم السواد من طلبه، حتى يبلغ هو وصاحبه إلى ما أمر الله به، فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر الغار أولا، يلتمس ما في الغار، فقال له النبي ﷺ، " مالك ؟ " فقال : بأبي أنت وأمي، الغيران مأوى السباع والهوام، فإن كان فيه شيء كان بي لا بك، وكان في الغار جحر، فوضع عقبه عليه لئلا يخرج ما يؤذي الرسول، فلما طلب المشركون الأثر وقربوا، بكى أبو بكر خوفا على رسول الله ﷺ فقال عليه السلام :" لا تحزن إن الله معنا " فقال أبو بكر : إن الله لمعنا، فقال الرسول :" نعم " فجعل يمسح الدموع عن خده. ويروى عن الحسن أنه كان إذا ذكر بكاء أبي بكر بكى، وإذا ذكر مسحه الدموع مسح هو الدموع عن خده. وقيل : لما طلع المشركون فوق الغار أشفق أبو بكر على رسول الله ﷺ وقال : إن تصب اليوم ذهب دين الله. فقال رسول الله :«ما ظنك باثنين الله ثالثهما » وقيل لما دخل الغار وضع أبو بكر ثمامة على باب الغار، وبعث الله حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت نسجت عليه وقال رسول الله ﷺ :«اللهم أعم أبصارهم » فجعلوا يترددون حول الغار ولا يرون أحدا.
المسألة الرابعة : دلت هذه الآية على فضيلة أبي بكر رضي الله عنه من وجوه : الأول : أنه عليه السلام لما ذهب إلى الغار لأجل أنه كان يخاف الكفار من أن يقدموا على قتله، فلولا أنه عليه السلام كان قاطعا على باطن أبي بكر، بأنه من المؤمنين المحققين الصادقين الصديقين، وإلا لما أصحبه نفسه في ذلك الموضع، لأنه لو جوز أن يكون باطنه بخلاف ظاهره، لخافه من أن يدل أعداءه عليه، وأيضا لخافه من أن يقدم على قتله. فلما استخلصه لنفسه في تلك الحالة، دل على أنه عليه السلام كان قاطعا بأن باطنه على وفق ظاهره. الثاني : وهو أن الهجرة كانت بإذن الله تعالى، وكان في خدمة رسول الله ﷺ جماعة من المخلصين، وكانوا في النسب إلى شجرة رسول الله أقرب من أبي بكر، فلولا أن الله تعالى أمره بأن يستصحب أبا بكر في تلك الواقعة الصعبة الهائلة، وإلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه الصحبة، وتخصيص الله إياه بهذا التشريف دل على منصب عال له في الدين. الثالث : أن كل من سوى أبي بكر فارقوا رسول الله ﷺ، أما هو فما سبق رسول الله كغيره، بل صبر على مؤانسته وملازمته وخدمته عند هذا الخوف الشديد الذي لم يبق معه أحد، وذلك يوجب الفضل العظيم. الرابع : أنه تعالى سماه ﴿ثاني اثنين﴾ فجعل ثاني محمد عليه السلام حال كونهما في الغار، والعلماء أثبتوا أنه رضي الله عنه كان ثاني محمد في أكثر المناصب الدينية، فإنه ﷺ لما أرسل إلى الخلق وعرض الإسلام على أبي بكر آمن أبو بكر، ثم ذهب أبو بكر وعرض الإسلام على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة آخرين من أجلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والكل آمنوا على يديه، ثم إنه جاء بهم إلى رسول الله ﷺ بعد أيام قلائل، فكان هو رضي الله عنه ﴿ثاني اثنين﴾ في الدعوة إلى الله، وأيضا كلما وقف رسول الله ﷺ في غزوة، كان أبو بكر رضي الله عنه يقف في خدمته ولا يفارقه، فكان ثاني اثنين في مجلسه، ولما مرض رسول الله ﷺ قام مقامه في إمامة الناس في الصلاة فكان ثاني اثنين، ولما توفي دفن بجنبه، فكان ثاني اثنين هناك أيضا، وطعن بعض الحمقى من الروافض في هذا الوجه وقال : كونه ثاني اثنين للرسول لا يكون أعظم من كون الله تعالى رابعا لكل ثلاث في قوله :﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم﴾ ثم إن هذا الحكم عام في حق الكافر والمؤمن، فلما لم يكن هذا المعنى من الله تعالى دالا على فضيلة الإنسان فلأن لا يدل من النبي على فضيلة الإنسان كان أولى.
والجواب : أن هذا تعسف بارد، لأن المراد هناك كونه تعالى مع الكل بالعلم والتدبير، وكونه مطلعا على ضمير كل أحد، أما ههنا فالمراد بقوله تعالى :﴿ثاني اثنين﴾ تخصيصه بهذه الصفة في معرض التعظيم وأيضا قد دللنا بالوجوه الثلاثة المتقدمة على أن كونه معه في هذا الموضع دليل قاطع على أنه ﷺ كان قاطعا بأن باطنه كظاهره، فأين أحد الجانبين من الآخر ؟
والوجه الخامس : من التمسك بهذه الآية ما جاء في الأخبار أن أبا بكر رضي الله عنه لما حزن قال عليه الصلاة والسلام «ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ » ولا شك أن هذا منصب علي، ودرجة رفيعة.
واعلم أن الروافض في الدين كانوا إذا حلفوا قالوا : وحق خمسة سادسهم جبريل، وأرادوا به أن الرسول ﷺ، وعليا، وفاطمة، والحسن والحسين، كانوا قد احتجبوا تحت عباءة يوم المباهلة، فجاء جبريل وجعل نفسه سادسا لهم، فذكروا للشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى أن القوم هكذا يقولون، فقال رحمه الله : لكم ما هو خير منه بقوله :«ما ظنك باثنين الله ثالثهما » ومن المعلوم بالضرورة أن هذا أفضل وأكمل.
والوجه السادس : أنه تعالى وصف أبا بكر بكونه صاحبا للرسول وذلك يدل على كمال الفضل. قال الحسين بن فضيل البجلي : من أنكر أن يكون أبو بكر صاحب رسول الله ﷺ كان كافرا، لأن الأمة مجمعة على أن المراد من ﴿إذ يقول لصاحبه﴾ هو أبو بكر، وذلك يدل على أن الله تعالى وصفه بكونه صاحبا له، اعترضوا وقالوا : إن الله تعالى وصف الكافر بكونه صاحبا للمؤمن، وهو قوله :﴿قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب﴾. والجواب : أن هناك وإن وصفه بكونه صاحبا له، ذكرا إلا أنه أردفه بما يدل على الإهانة والإذلال، وهو قوله :﴿أكفرت﴾ أما ههنا فبعد أن وصفه بكونه صاحبا له، ذكر ما يدل على الإجلال والتعظيم وهو قوله :﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ فأي مناسبة بين البابين لولا فرط العداوة ؟
والوجه السابع : في دلالة هذه الآية على فضل أبي بكر. قوله :﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ ولا شك أن المراد من هذه المعية، المعية بالحفظ والنصرة والحراسة والمعونة، وبالجملة فالرسول عليه الصلاة والسلام شرك بين نفسه وبين أبي بكر في هذه المعية، فإن حملوا هذه المعية على وجه فاسد، لزمهم إدخال الرسول فيه، وإن حملوها على محمل رفيع شريف، لزمهم إدخال أبي بكر فيه، ونقول بعبارة أخرى، دلت الآية على أن أبا بكر كان الله معه، وكل من كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين، لقوله تعالى :﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ والمراد منه الحصر، والمعنى : إن الله مع الذين اتقوا لا مع غيرهم، وذلك يدل على أن أبا بكر من المتقين المحسنين.
الوجه الثامن : في تقرير هذا المطلوب أن قوله :﴿إن الله معنا﴾ يدل على كونه ثاني اثنين في الشرف الحاصل من هذه المعية، كما كان ثاني اثنين إذ هما في الغار، وذلك منصب في غاية الشرف.
والوجه التاسع : أن قوله :﴿لا تحزن﴾ نهى عن الحزن مطلقا، والنهي يوجب الدوام والتكرار، وذلك يقتضي أن لا يحزن أبو بكر بعد ذلك البتة، قبل الموت وعند الموت وبعد الموت.
والوجه العاشر : قوله :﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ ومن قال الضمير في قوله :﴿عليه﴾ عائدا إلى الرسول فهذا باطل لوجوه :
الوجه الأول : أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وأقرب المذكورات المتقدمة في هذه الآية هو أبو بكر، لأنه تعالى قال :﴿إذ يقول لصاحبه﴾ والتقدير : إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر لا تحزن، وعلى هذا التقدير : فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر، فوجب عود الضمير إليه.
والوجه الثاني : أن الحزن والخوف كان حاصلا لأبي بكر لا للرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه عليه السلام كان آمنا ساكن القلب بما وعده الله أن ينصره على قريش. فلما قال لأبي بكر لا تحزن صار آمنا، فصرف السكينة إلى أبي بكر ليصير ذلك سببا لزوال خوفه، أولى من صرفها إلى الرسول ﷺ، مع أنه قبل ذلك ساكن القلب قوي النفس.
والوجه الثالث : أنه لو كان المراد إنزال السكينة على الرسول لوجب أن يقال : إن الرسول كان قبل ذلك خائفا، ولو كان الأمر كذلك لما أمكنه أن يقول لأبي بكر :﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ فمن كان خائفا كيف يمكنه أن يزيل الخوف عن قلب غيره ؟ ولو كان الأمر على ما قالوه لوجب أن يقال : فأنزل الله سكينته عليه، فقال لصاحبه لا تحزن، ولما لم يكن كذلك، بل ذكر أولا أنه عليه الصلاة والسلام قال لصاحبه لا تحزن، ثم ذكر بفاء التعقيب نزول السكينة، وهو قوله :﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ علمنا أن نزول هذه السكينة مسبوق بحصول السكينة في قلب الرسول عليه الصلاة والسلام، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن تكون هذه السكينة نازلة على قلب أبي بكر.
فإن قيل : وجب أن يكون قوله :﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ المراد منه أنه أنزل سكينته على قلب الرسول، والدليل عليه أنه عطف عليه قوله :﴿وأيده بجنود لم تروها﴾ وهذا لا يليق إلا بالرسول، والمعطوف يجب كونه مشاركا للمعطوف عليه، فلما كان هذا المعطوف عائدا إلى الرسول وجب في المعطوف عليه أن يكون عائدا إلى الرسول.
قلنا :