بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ ؛ وذلك أن بعض المنافقين استأذنوا رسول الله ﷺ بالتخلف عن الخروج إلى غزوة تبوك، ولم يكن لهم عذر، فأذن لهم رسول الله ﷺ فقال الله تعالى للنبي ﷺ :﴿عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ وقال عون بن عبد الله : أخبره بالعفو قبل أن يخبره بالذنب.
ويقال : إن النبي ﷺ فعل فعلين قبل أن يؤذن له، فعاتبه الله على ذلك وعفا عنه، أحدهما في فداء أسارى بدر، والثاني في إذنه للمنافقين بالتخلف. فقال له :﴿عَفَا الله عَنكَ﴾ وَلم يقل : يعافيك لم أذنت لهم في التخلف والقعود عن الجهاد.
قال الفقيه : سمعت من يذكر، عن أبي سعيد الفاريابي أنه قال : معناه ﴿عفا الله عنك﴾ يا سليم القلب لم أذنت لهم، فيقال : إن الله تعالى إذا قال لعبده : لم فعلت كذا وكذا ؟ يكون ذلك أشد عليه من الموت كذا وكذا مرةً لهيبة قوله : لم فعلت كذا ؟ ولو أنه بدأ للنبي ﷺ بقوله : لم أذنت، لكان يخاف على النبي ﷺ أن ينشق قلبه من هيبة هذا الكلام. إلا أن الله تعالى برحمته أخبره بالعفو، حتى سكن قلبه، ثم قال ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ بالقعود عن الجهاد. ﴿حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ﴾، يعني : معرفة الذين صدقوا بعذرهم وإيمانهم. ﴿وَتَعْلَمَ الكاذبين﴾ في عذرهم وإيمانهم ويقال : معناه حتى يتبين لك المؤمن المخلص من المنافق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى