محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
٤٣ ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبن لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾.
﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ أي لهؤلاء المنافقين بالتخلف حين اعتلوا بعللهم ﴿حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾ هلا تركتهم لما استأذنوك فلم تأذن لأحد منهم في القعود، لتعلم الصادق منهم في إظهار طاعتك من الكاذب، فإنهم قد كانوا مصرين على القعود عن الغزو.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: تنبيهات :
الأول- اعلم أن في تصديره تعالى فاتحة الخطاب ببشارة العفو، دون ما يوهم العتاب، من مراعاة جانبه عليه الصلاة والسلام، وتعهده بحسن المفاوضة، ولطف المراجعة، ما لا يخفى على أولي الألباب.
قال سفيان بن عينة : انظروا إلى هذا اللطف، بدأ بالعفو قبل ذكر المعفوّ. قال مكّي :﴿عفا الله عنك﴾ افتتاح كلام مثل ( أصلحك الله وأعزك ). وقال الداوديّ : إنها تكرمة.
أقول : ويؤيد ذلك قول علي بن الجهم(١) يخاطب المتوكل وقد أمر بنفيه :
وما اشتهر من كون العفو لا يكون إلا عن ذنب - غير صحيح - فالواجب تفسيره في كل مقام بما يناسبه.
قال الشهاب : وهو يستعمل حيث لا ذنب، كما تقول لمن تعظمه، عفا الله عنك، ما صنعت في أمري وفي الحديث(٢) " عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له ".
وقال السخاوندي : هو تعليم لتعظيمه ﷺ، ولولا تصدير العفو في الخطاب لما قام بصولة العتاب.
وقال القاضي عياض في ( الشفا ) : وأما قوله تعالى :﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ فأمر لم يتقدم للنبي ﷺ، فيه من الله نهي، فيعد معصية. ولا عده الله عليه معصية، بل لم يعده أهل العلم معاتبة، وغلّطوا من ذهب إلى ذلك.
قال نفطويه : وقد حاشاه الله من ذلك، بل ما كان مخيرا في أمرين. قالوا : وقد كان له أن يفعل ما يشاء فيما لم ينزل عليه وحي، وكيف ؟ وقد قال الله تعالى :﴿فأذن لمن شئت منهم﴾ فلما أذن لهم أعلمه الله بما لم يطلع عليه من سرهم، أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا لنفاقهم وأنه لا حرج عليه فيما فعل، وليس ﴿عفا﴾ هنا بمعنى غفر، بل كما قال النبي ﷺ، (٣) " عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق "، ولم يجب عليهم قط، أي لم يلزمهم ذلك.
ونحوه للقشيري قال : وإنما يقول :( العفو لا يكون إلا عن ذنب ) من لم يعرف كلام العرب، / قال ومعنى ﴿عفا الله عنك﴾ أي لم يلزمك ذنبا. انتهى.
وقد عد ما وقع في ( الكشاف ) هنا من قبيح سقطاته.
وللعلامة أبي السعود مناقشة معه في ذلك. أوردها لبلوغها الغاية في البلاغة قال رحمه الله :
ولقد أخطأ وأساء الأدب، وبئسما فعل فيما فعل وقال وكتب، من زعم أن الكلام كناية عن الجناية، وأن معناه أخطأت وبئسما فعلت، هب أنه كناية، أليس إيثارها على التصريح بالجناية للتلطيف في الخطاب، والتخفيف في العتاب، وهب أن العفو مستلزم لكونه من القبح واستتباع اللائمة، بحيث يصحح هذه المرتبة من المشابهة بالسوء، أو يسوغ إنشاء الاستقباح بكلمة ( بئسما ) المنبئة عن بلوغ القبح إلى رتبة يتعجب منها. ولا يخفى أنه لم يكن في خروجهم مصلحة للدين، أو منفعة للمسلمين، بل كان فيه فساد وخبال، حسبما نطق به قوله تعالى ﴿لو خرجوا...﴾الخ، وقد كره سبحانه كما يفصح عنه قوله تعالى ﴿ولكن كره الله انبعاثهم..﴾ الآية - نعم. كان الأولى تأخير الإذن حتى يظهر كذبهم آثر ذي أثير(٤) ويفتضحوا على رؤوس الأشهاد، ولا يتمكنوا من التمتع بالعيش على الأمن والدعة، ولا يتسنى لهم الابتهاج فيما بينهم، بأنهم غروه عليه الصلاة والسلام، وأرضوه بالأكاذيب على أنه لم يهنأ لهم عيش ولا قرت لهم عين، إذ لم يكونوا على أمن واطمئنان بل كانوا على خوف من ظهور أمرهم وقد كان. انتهى.
قال الخفاجي : وحاول بعضهم توجيه كلام ( الكشاف ) بأن مراده أن الأصل فيه ذلك، فأبدله بالعفو تعظيما لشأنه، ولذا قام العفو على ما يوجب الجناية فلا خطأ فيه.
قال السيوطي في ( الإكليل ) : واستدل بها من قال : إن اجتهاده قد يخطئ ولكن ينبه عليه بسرعة.
الثالث- قال الرازي : دلت الآية على وجوب الاحتراز عن العجلة، ووجوب التثبت والتأني وترك الاغترار بظواهر الأمور، والمبالغة في التفحص حتى يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستحقه من التقريب أو الإبعاد.
الرابع- قال أبو السعود : تغيير الأسلوب بأن عبر عن الفريق الأول بالموصول الذي / صلته فعل دال على الحدوث، وعن الفريق الثاني باسم الفاعل المفيد للدوام، للإيذان بأن ما ظهر من الأولين صدق حادث في أمر خاص غير مصحح لنظمهم في سلك الصادقين، وأن ما صدر من الآخرين، وإن كان كذبا حادثا متعلقا بأمر خاص لكنه أمر جار على عادتهم المستمرة، ناشئ عن رسوخهم في الكذب، ودقق رحمه الله في بيان لطائف أخر. فلتراجع.
الخامس- قيل : نفي الفعل المستقبل الدال على الاستمرار في قوله تعالى :﴿لا يستأذنك﴾ يفيد نفي الاستمرار وهذا معنى قول الزمخشري : ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك اهـ.
قال النحرير : ولا يبعد حمله على استمرار النفي كما في أكثر المواضع، أي عادتهم عدم الاستئذان.
قال الناصر : وهذا الأدب يجب أن يقتفى مطلقا، فلا يليق بالمرء أن يستأذن أخاه في أن يسدي له معروفا، ولا بالمضيف أن يستأذن ضيفه في أن يقدم إليه طعاما، فإن الاستئذان في أمثال هذه المواطن أمارة التكلف والتكره، وصلوات الله على خليله وسلامه، لقد بلغ من كرمه وأدبه مع ضيوفه أنه كان لا يتعاطى شيئا من أسباب التهيؤ للضيافة بمرأى منهم. فلذلك مدحه الله تعالى على لسان رسوله ﷺ بهذه الخلة الجميلة، والآداب الجليلة، فقال تعالى(٥) ﴿فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين﴾ أي ذهب على خفاء منهم، كيلا يشعروا به، والمهتم بأمر ضيفه بمرأى منه، ربما يعد كالمستأذن له في الضيافة فهذا من الآداب التي ينبغي أن يتمسك بها ذوو المروءة، وأولوا القوة، وأشد من الاستئذان في الخروج للجهاد ونصرة الدين، التثاقل عن المبادرة إليه، بعد الحض عليه والمناداة، وأسوأ أحوال المتثاقل، وقد دعى الناس إلى الغزاة، أن يكون متمسكا بشعبة من النفاق. نعوذ بالله من التعرض لسخطه.
﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ أي لهؤلاء المنافقين بالتخلف حين اعتلوا بعللهم ﴿حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾ هلا تركتهم لما استأذنوك فلم تأذن لأحد منهم في القعود، لتعلم الصادق منهم في إظهار طاعتك من الكاذب، فإنهم قد كانوا مصرين على القعود عن الغزو.
الأول- اعلم أن في تصديره تعالى فاتحة الخطاب ببشارة العفو، دون ما يوهم العتاب، من مراعاة جانبه عليه الصلاة والسلام، وتعهده بحسن المفاوضة، ولطف المراجعة، ما لا يخفى على أولي الألباب.
قال سفيان بن عينة : انظروا إلى هذا اللطف، بدأ بالعفو قبل ذكر المعفوّ. قال مكّي :﴿عفا الله عنك﴾ افتتاح كلام مثل ( أصلحك الله وأعزك ). وقال الداوديّ : إنها تكرمة.
أقول : ويؤيد ذلك قول علي بن الجهم(١) يخاطب المتوكل وقد أمر بنفيه :
| عفا الله عنك أَلا حرمةٌ | تَعُوذُ بعفوك أَن أبْعَدَ |
| ألم تر عبداً عدا طورَهُ | ومولًى عفا، ورشيداً هدى |
| أقلني، أقالك من لم يَزَلْ | يقيك، ويصرفُ عنك الردى |
قال الشهاب : وهو يستعمل حيث لا ذنب، كما تقول لمن تعظمه، عفا الله عنك، ما صنعت في أمري وفي الحديث(٢) " عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له ".
وقال السخاوندي : هو تعليم لتعظيمه ﷺ، ولولا تصدير العفو في الخطاب لما قام بصولة العتاب.
وقال القاضي عياض في ( الشفا ) : وأما قوله تعالى :﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ فأمر لم يتقدم للنبي ﷺ، فيه من الله نهي، فيعد معصية. ولا عده الله عليه معصية، بل لم يعده أهل العلم معاتبة، وغلّطوا من ذهب إلى ذلك.
قال نفطويه : وقد حاشاه الله من ذلك، بل ما كان مخيرا في أمرين. قالوا : وقد كان له أن يفعل ما يشاء فيما لم ينزل عليه وحي، وكيف ؟ وقد قال الله تعالى :﴿فأذن لمن شئت منهم﴾ فلما أذن لهم أعلمه الله بما لم يطلع عليه من سرهم، أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا لنفاقهم وأنه لا حرج عليه فيما فعل، وليس ﴿عفا﴾ هنا بمعنى غفر، بل كما قال النبي ﷺ، (٣) " عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق "، ولم يجب عليهم قط، أي لم يلزمهم ذلك.
ونحوه للقشيري قال : وإنما يقول :( العفو لا يكون إلا عن ذنب ) من لم يعرف كلام العرب، / قال ومعنى ﴿عفا الله عنك﴾ أي لم يلزمك ذنبا. انتهى.
وقد عد ما وقع في ( الكشاف ) هنا من قبيح سقطاته.
وللعلامة أبي السعود مناقشة معه في ذلك. أوردها لبلوغها الغاية في البلاغة قال رحمه الله :
ولقد أخطأ وأساء الأدب، وبئسما فعل فيما فعل وقال وكتب، من زعم أن الكلام كناية عن الجناية، وأن معناه أخطأت وبئسما فعلت، هب أنه كناية، أليس إيثارها على التصريح بالجناية للتلطيف في الخطاب، والتخفيف في العتاب، وهب أن العفو مستلزم لكونه من القبح واستتباع اللائمة، بحيث يصحح هذه المرتبة من المشابهة بالسوء، أو يسوغ إنشاء الاستقباح بكلمة ( بئسما ) المنبئة عن بلوغ القبح إلى رتبة يتعجب منها. ولا يخفى أنه لم يكن في خروجهم مصلحة للدين، أو منفعة للمسلمين، بل كان فيه فساد وخبال، حسبما نطق به قوله تعالى ﴿لو خرجوا...﴾الخ، وقد كره سبحانه كما يفصح عنه قوله تعالى ﴿ولكن كره الله انبعاثهم..﴾ الآية - نعم. كان الأولى تأخير الإذن حتى يظهر كذبهم آثر ذي أثير(٤) ويفتضحوا على رؤوس الأشهاد، ولا يتمكنوا من التمتع بالعيش على الأمن والدعة، ولا يتسنى لهم الابتهاج فيما بينهم، بأنهم غروه عليه الصلاة والسلام، وأرضوه بالأكاذيب على أنه لم يهنأ لهم عيش ولا قرت لهم عين، إذ لم يكونوا على أمن واطمئنان بل كانوا على خوف من ظهور أمرهم وقد كان. انتهى.
قال الخفاجي : وحاول بعضهم توجيه كلام ( الكشاف ) بأن مراده أن الأصل فيه ذلك، فأبدله بالعفو تعظيما لشأنه، ولذا قام العفو على ما يوجب الجناية فلا خطأ فيه.
قال السيوطي في ( الإكليل ) : واستدل بها من قال : إن اجتهاده قد يخطئ ولكن ينبه عليه بسرعة.
الثالث- قال الرازي : دلت الآية على وجوب الاحتراز عن العجلة، ووجوب التثبت والتأني وترك الاغترار بظواهر الأمور، والمبالغة في التفحص حتى يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستحقه من التقريب أو الإبعاد.
الرابع- قال أبو السعود : تغيير الأسلوب بأن عبر عن الفريق الأول بالموصول الذي / صلته فعل دال على الحدوث، وعن الفريق الثاني باسم الفاعل المفيد للدوام، للإيذان بأن ما ظهر من الأولين صدق حادث في أمر خاص غير مصحح لنظمهم في سلك الصادقين، وأن ما صدر من الآخرين، وإن كان كذبا حادثا متعلقا بأمر خاص لكنه أمر جار على عادتهم المستمرة، ناشئ عن رسوخهم في الكذب، ودقق رحمه الله في بيان لطائف أخر. فلتراجع.
الخامس- قيل : نفي الفعل المستقبل الدال على الاستمرار في قوله تعالى :﴿لا يستأذنك﴾ يفيد نفي الاستمرار وهذا معنى قول الزمخشري : ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك اهـ.
قال النحرير : ولا يبعد حمله على استمرار النفي كما في أكثر المواضع، أي عادتهم عدم الاستئذان.
قال الناصر : وهذا الأدب يجب أن يقتفى مطلقا، فلا يليق بالمرء أن يستأذن أخاه في أن يسدي له معروفا، ولا بالمضيف أن يستأذن ضيفه في أن يقدم إليه طعاما، فإن الاستئذان في أمثال هذه المواطن أمارة التكلف والتكره، وصلوات الله على خليله وسلامه، لقد بلغ من كرمه وأدبه مع ضيوفه أنه كان لا يتعاطى شيئا من أسباب التهيؤ للضيافة بمرأى منهم. فلذلك مدحه الله تعالى على لسان رسوله ﷺ بهذه الخلة الجميلة، والآداب الجليلة، فقال تعالى(٥) ﴿فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين﴾ أي ذهب على خفاء منهم، كيلا يشعروا به، والمهتم بأمر ضيفه بمرأى منه، ربما يعد كالمستأذن له في الضيافة فهذا من الآداب التي ينبغي أن يتمسك بها ذوو المروءة، وأولوا القوة، وأشد من الاستئذان في الخروج للجهاد ونصرة الدين، التثاقل عن المبادرة إليه، بعد الحض عليه والمناداة، وأسوأ أحوال المتثاقل، وقد دعى الناس إلى الغزاة، أن يكون متمسكا بشعبة من النفاق. نعوذ بالله من التعرض لسخطه.