تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) بالتخلف ( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ) أي يطلعك الله على نفاقهم، فيكون ذلك آية من آيات النبوة[ من م، في الأصل : الله ] : إن لم اذن لهم بالتخلف، أو إن تأذن[ أدرج قبلها في الأصل وم : لم ] لهم يتبين لك نفاقهم ؛ لأنهم يتخلفون، ويفارقونك، وإن لم تأذن لهم، والذين صدقوا لا يقارقونك ؛ فيتبين هؤلاء من هؤلاء، ويظهر كذب هؤلاء من صدق هؤلاء المؤمنين.
وفي قوله :( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ ) دلالة أن النبي إنما أذن لهم بالتخلف بلا أمر. وفيه دلالة العمل بالاجتهاد لأنه لو كان أذن لهم بالتخلف بالأمر لم تكن إجابته على الإذن. دل أنه إنما أذن لهم بالتخلف بالاجتهاد لما ظن أنهم غنما يستأذنونه بالقعود للعدو.
فإن قيل : كيف عاتب رسوله بما أذن لهم بالقعود، وقد أخبر أنه إنما كان يحكم بما أراه الله بقوله :( لتحكم بين الناس بما أراك الله )[النساء: ١٠٥] قيل : يحتمل أنه إنما عاتبه على ترك [ الأفضل لأن ترك ][ من م، ساقطة من الأصل ] الإذن لهم بالقعود أفضل من الإذن ؛ إذ به يتبين له الصادق من الكاذب، ويكون فيه آية من آيات الرسالة. ويجوز أن يعاتب على ترك الأفضل.
ويحتمل أن يكون قوله :( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) تعليما من الله أن كيف يعامل الناس بعضهم بعضا ؟ ليس على العتاب.
ومن الناس من استدل على تفضيل رسول الله على غيره من الأنبياء، صلوات الله عليهم، بهذه الآية لأنه يذكر العفو، وكذلك في جميع ما ذكر من العتاب لم يذكر زلته، وذكر في سائر الأنبياء الزلات.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى