الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً﴾ : العامَّةُ على " عُدّة " بضم العين وتاء التأنيث وهي الزَّادُ والراحلةُ وجميعُ ما يَحْتاج إليه المسافرُ.
وقرأ محمد بن عبد الملك بن مروان وابنهُ معاوية " عُدَّةُ " كذلك إلا أنه جعل مكان تاء التأنيث هاء ضمير غائب تعود على الخروج. واختُلِف في تخريجِها فقيل : أصلُها كقراءة الجمهور بتاء التأنيث، ولكنهم يحذفونها للإِضافةِ كالتنوين. وجعل الفراء من ذلك قولَه تعالى :﴿وَإِقَامَ الصَّلاَة﴾
[النور: ٣٧]، ومنه قولُ زهير :
٢٤٨٨ إنَّ الخَلِيْطَ أجَدُّوا البَيْنَ فانْجَرَدُواوأَخْلَفُوك عِدَ الأمرِ الذي وَعدُوا
يريد : عِدَّة الأمرِ. وقال صاحب " اللوامح " : لمَّا أضافَ جعل الكناية نائبةً عن التاء فأسقطها ؛ وذلك لأنَّ العُدَّ بغير تاء ولا تقديرها هو الشيء الذي يخرج في الوجه ". وقال أبو حاتم :" هو جمع عُدَّة ك بُرّ جمع بُرّة، ودُرّ جمع دُرَّة، والوجهُ فيه عُدَد، ولكن لا يوافق خطَّ المصحف.
وقرأ زر بن حبيش وعاصم في رواية أبان " عِدَّهُ " بكسر العين مضافةً إلى هاءِ الكناية. قال ابن عطية :" وهو عندي اسمٌ لِما يُعَدُّ كالذِّبْح والقِتلْ. وقُرىء أيضاً " عِدَّة " بكسر العين وتاء التأنيث، والمرادُ عدة من الزاد والسلاح مشتقاً من العَدَد.
قوله :﴿وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ﴾ الاستدراكُ هنا يحتاجُ إلى تأمل ؛ ولذلك قال الزمخشري :" فإن قلت : كيف موقعُ حرفِ الاستدراك ؟ قلت : لمَّا كان قولُه ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ﴾ معطياً نفيَ خروجهم واستعدادهم للغزو قيل : ولكنْ كره الله [ انبعاثَهم ]، كأنه قيل : ما خرجوا ولكن تَثَبَّطوا عن الخروج لكراهةِ انبعاثهم، كما [ تقول : ما ] أحسن زيدٌ إليَّ ولكن أساء إليّ " انتهى. يعني أن ظاهر الآية يقتضي أنَّ ما بعد " لكن " موافقٌ لما قبلها، وقد تقرَّر فيها أنها لا تقع إلا بين ضدين أو نقيضين أو خلافين على/ خلاف في هذا الأخير فلذلك احتاج إلى الجواب المذكور.
قال الشيخ :" وليست الآيةُ نظيرَ هذا المثال يعني : ما أحسن زيداً إليّ ولكن أساء، لأن المثالَ واقعٌ فيه " لكن " بين [ ضدَّيْن، والآيةُ واقعٌ فيها " لكن " بين ] متفقين من جهة المعنى "، قلت : مُرَادُهم بالنقيضين النفيُ والإِثبات لفظاً وإن كانا يتلاقيان في المعنى، ولا يُعَدُّ ذلك اتفاقاً.
والتَّثْبيطُ : التَّعْويق. يقال : ثَبَّطْتُ زيداً أي : عُقْتُه عَمَّا يريده من قولهم : ناقة ثَبِطَة أي بطيئة السير. والمراد بقوله " اقعدوا " التَّخْلية وهو كنايةٌ عن تباطُئِهم، وأنهم تشبهوا بالنساء أو الصبيان والزَّمْنى وذوي الأعذار، وليس المراد قعوداً كقوله :
٢٤٨٩ دَعِ المكارِم لا تَقْصِدْ لبُغْيَتهاواقعُدْ فإنَّك أنت الطاعِمُ الكاسي

تفسير هذه الآية من كتب أخرى