اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً﴾.
قرأ العامة " عُدَّة " بضمِّ العين وتاء التأنيث، وهي الزَّادُ والراحلةُ، وجميعُ ما يحتاج إليه المسافرُ.
وقرأ محمد بنُ عبد الملك(١) بن مروان، وابنه معاوية " عُدَّهُ " كذلك، إلاَّ أنَّهث جعل مكان تاء التأنيث هاء ضمير غائب، يعود على " الخُرُوجِ ". واختلف في تخريجها، فقيل : أصلها كقراءة الجمهور بتاء التأنيث، ولكنهم يحذفونها للإضافةِ، كالتَّنوين، وجعل الفراء من ذلك قوله تعالى :﴿وَإِقَامَ الصلاة﴾ [الأنبياء: ٧٣].
ومنه قول زهير :[ البسيط ]
يريد : عدة الأمْرِ.
وقال صاحبُ اللَّوامح " لمَّا أضاف جعل الكناية نائبةً عن التاء، فأسقطها، وذلك لأن العُدَّ بغير تاء، ولا تقديرها، هو " البئرُ الذي يخرج في الوجه ". وقال أبو حاتم :" هو جمع " عُدَّة "، ك :" بُرّ " جمع " بُرّة "، و " دُرّ " جمع " دُرَّة " والوجهُ فيه " عُدَد " ولكن لا يوافق خطَّ المصحف ". وقرأ زر(٣) بن حبيش، وعاصم في رواية أبان " عِدَّهُ " بكسر العين، مضافة إلى هاء الكناية.
قال ابن عطيَّة : هو عِنْدِي اسمٌ لما يُمَدُّ، ك " الذَّبْح "، و " القِتْل ".
وقرئ أيضاً(٤) " عِدَّة " بكسر العين، وتاء التأنيث، والمرادُ : عدة من الزَّاد والسلاح، مشتقاً من " العَدَدِ ".
قوله :﴿ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم﴾. الاستدراكُ هنا يحتاجُ إلى تأمُّلٍ، فلذلك قال الزمخشريُّ : فإن قلت : كيف موقعُ حرفِ الاستدراك ؟ قلتُ : لمَّا كان قوله :﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج﴾ معطياً معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو. قيل :﴿ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم﴾ كأنه قيل : ما خرجوا، ولكن تَثَبَّطُوا عن الخروج لكراهةِ انبعاثهم، ك :" ما أحْسَنَ زَيْدٌ إليَّ ولكن أساءَ إليَّ ". انتهى. يعني أنَّ ظاهرَ الآية يقتضي أنَّ ما بعد " لكن " موافقٌ لما قبلها، وقد تقرَّر فيها أنَّها لا تقع إلاَّ بين ضدين، أو نقيضين، أو خلافين، على خلاف في هذا الأخير، فلذلك احتاج إلى الجواب المذكور.
قال أبُو حيان(٥) " وليست الآيةُ نظير هذا المثالِ - يعني : ما أحْسَنَ زيدٌ إليَّ، ولكن أساء -، لأنَّ المثال واقعٌ فيه " لكن " بين ضِدَّيْن، والآيةُ واقعٌ فيها " لكن " بين متفقين من جهة المعنى ".
قال شهابُ الدِّين(٦) " مُرادُهم بالنقيضين : النفيُ والإثبات لفظاً، وإن كانا يتلاقيان في المعنى ولا يُعَدُّ ذلك اتفاقاً ".
والانبعاثُ : الانطلاقُ، يقال : بعثتُ البعير فانبعث، وبعثته لكذا فانبعث، أي : نفذ فيه والتَّثْبِيطُ : التَّعْويق، يقالُ : ثَبَّطْتُ زيداً، أي : عُقْتُه عمَّا يريده، من قولهم : ناقة ثَبِطَة أي : بطيئة السير، والمراد بقوله :" اقْعُدُوا " : التَّخْلية، وهو كنايةٌ عن تباطئهم، وأنَّهم تشبهوا بالنساء، والصبيان، والزَّمْنَى، وذوي الأعذار، وليس المرادُ قعوداً ؛ كقوله :[ البسيط ]
والمعنى : أنَّه تعالى كره خروجهم مع الرَّسُولِ - عليه الصلاة والسلام -، فصرفهم عنه.
فإن قيل : خروجهم مع الرسول ﷺ إمَّا أن يقال إنَّه كان مفسدة، وإمَّا أن يقال إنه مصلحة، فإن كان مفسدة، فلمَ عاتبَ الرسول في إذنه لهم بالقعود ؟ وإن كان مصلحة فَلِمَ قال تعالى : إنه كره انبعاثهم وخروجهم ؟
والجوابُ : أنَّ خروجهم مع الرَّسولِ ما كان مصلحة ؛ لأنَّه تعالى صرَّح بعد هذه الآية بذكر المفاسد بقوله :﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً﴾.
قرأ العامة " عُدَّة " بضمِّ العين وتاء التأنيث، وهي الزَّادُ والراحلةُ، وجميعُ ما يحتاج إليه المسافرُ.
وقرأ محمد بنُ عبد الملك(١) بن مروان، وابنه معاوية " عُدَّهُ " كذلك، إلاَّ أنَّهث جعل مكان تاء التأنيث هاء ضمير غائب، يعود على " الخُرُوجِ ". واختلف في تخريجها، فقيل : أصلها كقراءة الجمهور بتاء التأنيث، ولكنهم يحذفونها للإضافةِ، كالتَّنوين، وجعل الفراء من ذلك قوله تعالى :﴿وَإِقَامَ الصلاة﴾ [الأنبياء: ٧٣].
ومنه قول زهير :[ البسيط ]
| إنَّ الخليطَ أجَدُّوا البَيْنَ فانْجَرَدُوا | وأخْلَفُوكَ عِدَ الأمْرِ الذي وعَدُوا(٢) |
وقال صاحبُ اللَّوامح " لمَّا أضاف جعل الكناية نائبةً عن التاء، فأسقطها، وذلك لأن العُدَّ بغير تاء، ولا تقديرها، هو " البئرُ الذي يخرج في الوجه ". وقال أبو حاتم :" هو جمع " عُدَّة "، ك :" بُرّ " جمع " بُرّة "، و " دُرّ " جمع " دُرَّة " والوجهُ فيه " عُدَد " ولكن لا يوافق خطَّ المصحف ". وقرأ زر(٣) بن حبيش، وعاصم في رواية أبان " عِدَّهُ " بكسر العين، مضافة إلى هاء الكناية.
قال ابن عطيَّة : هو عِنْدِي اسمٌ لما يُمَدُّ، ك " الذَّبْح "، و " القِتْل ".
وقرئ أيضاً(٤) " عِدَّة " بكسر العين، وتاء التأنيث، والمرادُ : عدة من الزَّاد والسلاح، مشتقاً من " العَدَدِ ".
قوله :﴿ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم﴾. الاستدراكُ هنا يحتاجُ إلى تأمُّلٍ، فلذلك قال الزمخشريُّ : فإن قلت : كيف موقعُ حرفِ الاستدراك ؟ قلتُ : لمَّا كان قوله :﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج﴾ معطياً معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو. قيل :﴿ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم﴾ كأنه قيل : ما خرجوا، ولكن تَثَبَّطُوا عن الخروج لكراهةِ انبعاثهم، ك :" ما أحْسَنَ زَيْدٌ إليَّ ولكن أساءَ إليَّ ". انتهى. يعني أنَّ ظاهرَ الآية يقتضي أنَّ ما بعد " لكن " موافقٌ لما قبلها، وقد تقرَّر فيها أنَّها لا تقع إلاَّ بين ضدين، أو نقيضين، أو خلافين، على خلاف في هذا الأخير، فلذلك احتاج إلى الجواب المذكور.
قال أبُو حيان(٥) " وليست الآيةُ نظير هذا المثالِ - يعني : ما أحْسَنَ زيدٌ إليَّ، ولكن أساء -، لأنَّ المثال واقعٌ فيه " لكن " بين ضِدَّيْن، والآيةُ واقعٌ فيها " لكن " بين متفقين من جهة المعنى ".
قال شهابُ الدِّين(٦) " مُرادُهم بالنقيضين : النفيُ والإثبات لفظاً، وإن كانا يتلاقيان في المعنى ولا يُعَدُّ ذلك اتفاقاً ".
والانبعاثُ : الانطلاقُ، يقال : بعثتُ البعير فانبعث، وبعثته لكذا فانبعث، أي : نفذ فيه والتَّثْبِيطُ : التَّعْويق، يقالُ : ثَبَّطْتُ زيداً، أي : عُقْتُه عمَّا يريده، من قولهم : ناقة ثَبِطَة أي : بطيئة السير، والمراد بقوله :" اقْعُدُوا " : التَّخْلية، وهو كنايةٌ عن تباطئهم، وأنَّهم تشبهوا بالنساء، والصبيان، والزَّمْنَى، وذوي الأعذار، وليس المرادُ قعوداً ؛ كقوله :[ البسيط ]
| دَعِ المكَارِمَ لا تَقْصِدْ لبُغْيتهَا | واقْعُدْ فإنَّكَ أنْتَ الطَّاعِمُ الكَاسِي(٧) |
فإن قيل : خروجهم مع الرسول ﷺ إمَّا أن يقال إنَّه كان مفسدة، وإمَّا أن يقال إنه مصلحة، فإن كان مفسدة، فلمَ عاتبَ الرسول في إذنه لهم بالقعود ؟ وإن كان مصلحة فَلِمَ قال تعالى : إنه كره انبعاثهم وخروجهم ؟
والجوابُ : أنَّ خروجهم مع الرَّسولِ ما كان مصلحة ؛ لأنَّه تعالى صرَّح بعد هذه الآية بذكر المفاسد بقوله :﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً﴾.
١ ينظر: الكشاف ٢/٣٧٥، المحرر الوجيز ٣/٤٠، البحر المحيط ٥/٤٩، الدر المصون ٣/٤٦٩..
٢ تقدم..
٣ ينظر: الكشاف ٢/٢٧٥، المحرر الوجيز ٣/٤٠، البحر المحيط ٥/٤٩، الدر المصون ٣/٤٦٩..
٤ ينظر: البحر المحيط ٥/٤٩، الدر المصون ٣/٤٦٩..
٥ ينظر: البحر المحيط ٥/٥٠..
٦ ينظر: الدر المصون٣/٤٦٩..
٧ البيت للحطيئة في ديوانه ص ٥٤؛ والأزهية ص١٧٥؛ والأغاني ٢/١٥٥؛ وخزانة الأدب ٦/٢٩٩؛ وشرح شواهد الشافية ص ١٢٠؛ وشرح شواهد المغني ٢/٩١٦؛ وشرح المفصل ٦/١٥؛ والشعر والشعراء ص٣٣٤؛ ولسان العرب ١٠/١٠٨ (ذرق)، ١٢/١٢/٣٦٤ (طعم)، ١٥/٢٢٤ (كسا)؛ وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص٤١٨؛ وخزانة الأدب ٥/١١٥؛ وشرح الأشموني ٣/٧٤٤؛ وشرح شافية ابن الحاجب ٢/٨٨، والبحر المحيط ٥/٥٠؛ والدر المصون ٣/٤٦٩..
٢ تقدم..
٣ ينظر: الكشاف ٢/٢٧٥، المحرر الوجيز ٣/٤٠، البحر المحيط ٥/٤٩، الدر المصون ٣/٤٦٩..
٤ ينظر: البحر المحيط ٥/٤٩، الدر المصون ٣/٤٦٩..
٥ ينظر: البحر المحيط ٥/٥٠..
٦ ينظر: الدر المصون٣/٤٦٩..
٧ البيت للحطيئة في ديوانه ص ٥٤؛ والأزهية ص١٧٥؛ والأغاني ٢/١٥٥؛ وخزانة الأدب ٦/٢٩٩؛ وشرح شواهد الشافية ص ١٢٠؛ وشرح شواهد المغني ٢/٩١٦؛ وشرح المفصل ٦/١٥؛ والشعر والشعراء ص٣٣٤؛ ولسان العرب ١٠/١٠٨ (ذرق)، ١٢/١٢/٣٦٤ (طعم)، ١٥/٢٢٤ (كسا)؛ وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص٤١٨؛ وخزانة الأدب ٥/١١٥؛ وشرح الأشموني ٣/٧٤٤؛ وشرح شافية ابن الحاجب ٢/٨٨، والبحر المحيط ٥/٥٠؛ والدر المصون ٣/٤٦٩..