إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود
عن الكتاب
﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج﴾ يدل على أن بعضَهم قالوا عند الاعتذارِ : كنا نريد الخروجَ لكن لم نتهيأ له، وقد قرُب الرحيلُ بحيث لا يمكننا الاستعدادُ، فقيل تكذيباً لهم : لو أرادوه ﴿لاعَدُّواْ لَهُ﴾ أي للخروج في وقته ﴿عِدَّةَ﴾ أي أُهبةً من العَتاد والراحلة والسلاح وغيرِ ذلك مما لا بد منه للسفر، وقرىء عُدَّه بحذف التاءِ، والإضافةِ إلى ضمير الخروج كما فعل بالعِدَة مَنْ قال :[ البسيط ]
أي عِدتَه وقرىء عِدّةً بكسر العين وعِدَّهُ بالإضافة ﴿ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم﴾ أي نهوضَهم للخروج. قيل : هو استدراك عما يُفهم من مقدم الشرطيةِ فإن انتفاءَ إرادتِهم للخروج يستلزم انتفاءَ خروجِهم، وكراهةَ الله تعالى انبعاثَهم تستلزم تثبيطَهم عن الخروج، فكأنه قيل : ما خرجوا ولكن تثبَّطوا والاتفاق في المعنى لا يمنع الوقوعَ بين طرَفي لكنْ بعد تحققِ الاختلافِ نفياً وإثباتاً في اللفظ كقولك : ما أحسن إلى زيد ولكنْ أساء والأظهرُ أن يكون استدراكاً من نفس المقدم عن نهج ما في الأقيسة الاستثنائيةِ والمعنى لو أرادوا الخروجَ لأعدوا له عُدة ولكن ما أرادوه لِما أنه تعالى كره انبعاثَهم لما فيه من المفاسد التي ستَبِين ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أي حبسهم بالجُبن والكسلِ فثبطوا عنه ولم يستدعوا له ﴿وَقِيلَ اقعدوا مَعَ القاعدين﴾ تمثيلٌ لإلقاء الله تعالى كراهةَ الخروجِ في قلوبهم أو لوسوسة الشيطانِ بالأمر بالقعود أو هو حكايةُ قولِ بعضِهم لبعض أي هو إذنُ الرسول ﷺ لهم في القعود، والمرادُ بالقاعدين إما المعذورون أو غيرُهم، وأياً ما كان فغيرُ خالٍ عن الذم.
| [ إن الخليط أجدوا البين فانجردوا ] | وأخلفوك عِدَ الأمرِ الذي وعَدوا(١) |
١ البيت للفضل بن عباس في شرح التصريح ٢/٣٩٦؛ وشرح شواهد الشافية ص ٦٤؛ ولسان العرب (غلب، خلط)؛ والمقاصد النحوية ٤/٥٧٢؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٥/٢٤١؛ وأوضح المسالك ٤/٤٠٧؛ وشرح شافية ابن الحاجب ١/١٥٨؛ والخصائص ٣/١٧١؛ وشرح عمدة الحافظ ص ٤٨٦..