غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿وكلمة الله﴾ بالنصب : يعقوب. الباقون : بالرفع.
الوقوف :﴿إلى الأرض﴾ ط ﴿من الآخرة﴾ ط ﴿قليل﴾ ه ﴿شيئا﴾ ط ﴿قدير﴾ ه ﴿معنا﴾ ج لعطف ﴿أنزل﴾ على ﴿نصره﴾ مع عوارض الظروف. ﴿السفلى﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿وكلمة﴾ بالنصب ﴿العليا﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿في سبيل الله﴾ ط ﴿تعلمون﴾ ه ﴿الشقة﴾ ط ﴿معكم﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال. ﴿أنفسهم﴾ ج لواو الابتداء والحال. ﴿لكاذبون﴾ ه ﴿عنك﴾ ج لحق الاستفهام مع اتصال الكلام معنى. ﴿الكاذبين﴾ ه ﴿وأنفسهم﴾ ط ﴿بالمتقين﴾ ه ﴿يتردّدون﴾ ه ﴿القاعدين﴾ ه ﴿الفتنة﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿لهم﴾ ط ﴿بالظالمين﴾ ﴿كارهون﴾ ه ﴿ولا تفتني﴾ ط ﴿سقطوا﴾ ط ﴿بالكافرين﴾ ه.
وهاهنا سؤال وهو أن خروجهم مع الرسول إن كان مفسدة فلم عاتب الله رسوله في إذنه لهم بالقعود، وإن كان مصلحة فلم كره الله انبعاثهم ؟ والجواب أنه كان مفسدة لقوله عقيب ذلك ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً﴾ وحديث العتاب ظاهر عند من لا يجوز الاجتهاد على الأنبياء لتمكنهم من استعلام الصواب بطريق الوحي، وكذا على قول أبي مسلم. ومما يوهم أنه ﷺ أذن لهم في الخروج قوله تعالى في هذه السورة ﴿فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً﴾ [التوبة: ٨٣] وقوله في سورة الفتح ﴿سيقول لك المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم﴾ [الفتح: ١٥] إلى قوله ﴿قل لن تتبعونا﴾ [الفتح: ١٥] وأما عندنا فإنما لم يستحسن الله من الرسول ﷺ إذنه لهم بالقعود وإن كان قعودهم مصلحة لأنه أذن لهم قبل إتمام التفحص وإكمال التدبر ولأنه لو لم يأذن لهم فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم فكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم ولا تبقى حاجة إلى إظهار نفاقهم بوجوه أخر دالة على هتك أستارهم وكشف أسرارهم. قال معتزلة البصرة : في الآية دلالة على أنه تعالى موصوف بصفة الكراهة كما أنه موصوف بصفة الإرادة. قالت الأشاعرة : معنى كره الله أنه أراد عدم ذلك الشيء. وزيف بأن العدم يا يصلح أن يكون متعلق الإرادة لأن العدم مستمر فتعلق الإرادة به يكون تحصيلاً للحاصل. ويمكن أن يجاب بأن الإرادة صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر سواء في ذلك طرف الوجود وطرف العدم، وطرف العدم غير حاصل إلا بإرادة العدم فكيف يكون تعلق الإرادة به تحصيلاً للحاصل ؟ وأيضاً عدم الشيء المخصوص ليس عدماً محضاً. أما قوله ﴿وقيل اقعدوا﴾ فيحتمل أن يكون قد جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمراً بالقعود، ويحتمل أن يراد به قول الشيطان بطريق الوسوسة، أو قول بعضهم لبعض لما أرادوا الاجتماع على التخلف، أو هو قول الرسول كأنه غضب عليهم حين استأذنوه فقال على سبيل الزجر ﴿اقعدوا مع القاعدين﴾ فاغتنموا هذه اللفظة وقالوا قد أذن لنا فلهذا عوتب بقوله ﴿لم أذنت لهم﴾ أي لم ذكرت هذه اللفظة التي أمكنهم أن يتوسلوا بها إلى تحصيل غرضهم. ومعنى قوله ﴿مع القاعدين﴾ ذم لهم وتعجيز وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم الجثوم في البيوت. ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ قال المفسرون : لما خرج رسول الله ﷺ ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبي عسكره على ذي حدة - أسفل من ثنية الوداع - ولم يكن بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله ﷺ تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب فأنزل الله يعزي نبيه ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً﴾ فيكون استثناء متصلاً من أعم العام، وحمله على الاستثناء المنقطع بناء على أن التقدير ما زادوكم خيراً إلا خبالاً ضعيف. والخبال في اللغة الفساد ومنه المخبل للمعتوه، وللمفسرين عبارات ؛ قال الكلبي : إلا شراً. وقال سلمان إلا مكراً. وقال الضحاك : إلا غدراً. وقيل : إلا خبثاً. وقيل : هو الاضطراب في الرأي وذلك بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لآخرين حتى يختلفوا وتتفرق كلمتهم. قالت المعتزلة : دلت الآية على أنه كره انبعاثهم لاشتماله على هذا الخبال والشر. وفيه دليل على أنه تعالى لا يريد إلا الخير والصلاح. ولقائل : أن يقول إثبات حكم كلي بحكم جزئي غير معقول. واعلم أنه سبحانه عد من مفاسد خروجهم ثلاثة : الأول : قوله ﴿ما زادوكم إلا خبالاً﴾ الثاني :﴿ولا أوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة﴾ قال في الكشاف : زيد ألف في الكتابة لأن الفتحة كانت تكتب ألفاً قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفاً أخرى ونحوه
أو لأذبحنه } [ الآية : ٢١ ] في النمل ﴿ولا أتوها﴾ [ الآية : ١٤ ] في الأحزاب، ولا رابع لها في القرآن. وفي الإيضاع قولان لأهل اللغة ؛ فقال أكثرهم : هو متعد يقال : وضع البعير إذا عدا، وأوضعه الراكب إذا حمله على العدو. وعلى هذا يكون في الآية حذف والتقدير : ولأوضعوا ركائبهم. وقال الأخفش وأبو عبيد : إنه جاء لازماً ويقال : أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيراً حثيثاً. ومنه ما روي أن النبي ﷺ أفاض من عرفة وعليه السكينة وأوضع في وادي محسر أي أسرع. قال الواحدي : والآية تشهد للأخفش وأبي عبيد. وعلى القولين المراد في الآية السعي بين المسلمين بالتضريب والنميمة والمبالغة في الأول أكثر لأن الراكب أسرع من الماشي. ومعنى ﴿خلالكم﴾ أي فيما بينكم. والخلل الفرجة فيما بين الشيئين. و ﴿يبغونكم الفتنة﴾ أي يبغون لكم. قال الأصمعي : يقال ابغني كذا وابغ لي أي اطلبه لأجلي. ومعنى الفتنة هنا افتراق الكلمة والتشويش في المقاصد فعند ذلك يحصل الانهزام أسرع ما يكون. فالحاصل من النوع الأول اختلاف الآراء، ومن الثاني المشي بالنميمة لتسهيل ذلك الغرض. وأما النوع الثالث فذلك قوله ﴿وفيكم سماعون لهم﴾ قال مجاهد وابن زيد : أي عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم. وقال قتادة : فيكم من يسمع كلامهم ويقبل قولهم وإذا تعاضد الفاعل والقابل وقع الأثر على أكمل الوجوه لا محالة. واعترض على هذا القول بأنه كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم ؟ وأجيب بأن ذلك إنما يقع لمن قرب عهده بالإسلام أو لمن جبل على الجبن والفشل أو لمن حسن ظنه ببعض المنافقين لقرابة أو هيبة، وقلما يخلو الأقوياء من ضعيف سخيف أو أهل الحق من مبطل منافق ولهذا ختم الآية بقوله ﴿والله عليم بالظالمين﴾ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم ونفاقهم وغيرهم بإلقاء الفتنة فيما بينهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : أيها الأرواح والقلوب المؤمنة ما مصيبتكم وبلواكم إذ قيل لكم بالإلهام الرباني اخرجوا من الدنيا وما فيها في طلب والسير إليه، أثاقلتم إلى أرض الدنيا وشهواتها. ﴿إلا تنفروا﴾ من سجن الدنيا وقيود شهواتها ﴿يعذبكم عذاباً أليماً﴾ باستيلاء ظلمات الصفات النفسانية وغلبات الأوصاف السبعية والشيطانية وبألم البعد عن الحضرة الربانية ﴿ويستبدل قوماً غيركم﴾ من الأرواح والقلوب العاشقة الصادقة بل من العقول الكاملة المفارقة ﴿إلا تنصروه﴾ والرسول الوارد الرباني ﴿فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا﴾ أي النفوس الأمارة الكافرة من أرض القبول. ﴿ثاني اثنين﴾ ثاني النفس الملهمة ﴿إذ هما في﴾ غار العدم. ﴿وكلمة الله هي العليا﴾ بجعل النفس المطمئنة بجذبة ﴿ارجعي﴾ { الفجر : ٢٨ ] واصلة إلى مقام العنديه { انفروا } أيها الطلاب ﴿خفافاً﴾ مجردين من علائق الأهل والأولاد والأموال ﴿وثقالاً﴾ متلبسين بها، أو ﴿خفافاً﴾ مجذوبين بالعناية ﴿وثقالاً﴾ سالكين بالهداية ﴿وجاهدوا﴾ بقدمي بذل الأموال والأنفس. وقدّم إنفاق المال لأن بذل النفس مع بقاء صفاتها الذميمة غير معتبر، ومن صفاتها الذميمة الحرص على الدنيا والبخل بها ذلكم خير لكم لأن الحاصل من المال ومن النفس الوزر والوبال. والحاصل من الطلب الوصول والوصال ﴿لو كان﴾ مطلوبك يا محمد ﴿عرضاً قريباً﴾ هو الدنيا ونعيمها ﴿وسفراً قاصداً﴾ هو تتبع شهوات النفس وهواها ﴿لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة﴾ لأنها الخروج من الدنيا والعقبى. ﴿وسيحلفون﴾ يعني أرباب النفوس ﴿لخرجنا معكم﴾ يا أهل القلوب. ﴿عفا الله عنك﴾ قدم العفو على العتاب تحقيقاً لقوله ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ { الفتح : ٢ ] { فهم في ريبهم يترددون } بين أوصافهم الذميمة النفسانية والحيوانية بلا داعية لخروج إلى الأنوار الروحانية ﴿لأعدوا له عدة﴾ وهي متابعة الأنبياء ﴿فثبطهم﴾ حبسهم في سجن البشرية ﴿ما زادوكم إلاَّ خبالاً﴾ فيه إشارة إلى أن قعود أهل الطبيعة في حبس البشرية صلاح لأرباب القلوب وأصحاب السلوك لأنهم لو خرجوا لا عن نية صادقة وعزيمة صالحة ما زادوهم إلا تشويشاً وتفرقة لأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم. ﴿لقد ابتغوا الفتنة من قبل﴾ يعني أن صفات النفس قبل البلوغ كانت تستخدم الروح في شهواتها ﴿حتى جاء الحق﴾ وهو العقل القابل لأوامر الشرع ﴿وظهر أمر الله﴾ وهو التكليف ﴿ومنهم﴾ أي من صفات النفس ﴿من يقول﴾ وهو الهوى ﴿ائذن لي﴾ في القعود عن الارتقاء في مدارج المعارف والمشارع ﴿ولا تفتني﴾ يا روح بتكليفي ما ليس من شأني. وذلك أن الهوى مركب المحبة تستعمله الروح في تصاعده إلى ذروة الكمال والوصال. ﴿ألا في الفتنة سقطوا﴾ أي إن فتنة الهبوط هي الفتنة بالحقيقة ﴿وإن جهنم﴾ البعد والقطيعة من لوازم كفار النفس وصفاتها أعاذنا الله منها.
الوقوف :﴿إلى الأرض﴾ ط ﴿من الآخرة﴾ ط ﴿قليل﴾ ه ﴿شيئا﴾ ط ﴿قدير﴾ ه ﴿معنا﴾ ج لعطف ﴿أنزل﴾ على ﴿نصره﴾ مع عوارض الظروف. ﴿السفلى﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿وكلمة﴾ بالنصب ﴿العليا﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿في سبيل الله﴾ ط ﴿تعلمون﴾ ه ﴿الشقة﴾ ط ﴿معكم﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال. ﴿أنفسهم﴾ ج لواو الابتداء والحال. ﴿لكاذبون﴾ ه ﴿عنك﴾ ج لحق الاستفهام مع اتصال الكلام معنى. ﴿الكاذبين﴾ ه ﴿وأنفسهم﴾ ط ﴿بالمتقين﴾ ه ﴿يتردّدون﴾ ه ﴿القاعدين﴾ ه ﴿الفتنة﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿لهم﴾ ط ﴿بالظالمين﴾ ﴿كارهون﴾ ه ﴿ولا تفتني﴾ ط ﴿سقطوا﴾ ط ﴿بالكافرين﴾ ه.
وهاهنا سؤال وهو أن خروجهم مع الرسول إن كان مفسدة فلم عاتب الله رسوله في إذنه لهم بالقعود، وإن كان مصلحة فلم كره الله انبعاثهم ؟ والجواب أنه كان مفسدة لقوله عقيب ذلك ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً﴾ وحديث العتاب ظاهر عند من لا يجوز الاجتهاد على الأنبياء لتمكنهم من استعلام الصواب بطريق الوحي، وكذا على قول أبي مسلم. ومما يوهم أنه ﷺ أذن لهم في الخروج قوله تعالى في هذه السورة ﴿فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً﴾ [التوبة: ٨٣] وقوله في سورة الفتح ﴿سيقول لك المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم﴾ [الفتح: ١٥] إلى قوله ﴿قل لن تتبعونا﴾ [الفتح: ١٥] وأما عندنا فإنما لم يستحسن الله من الرسول ﷺ إذنه لهم بالقعود وإن كان قعودهم مصلحة لأنه أذن لهم قبل إتمام التفحص وإكمال التدبر ولأنه لو لم يأذن لهم فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم فكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم ولا تبقى حاجة إلى إظهار نفاقهم بوجوه أخر دالة على هتك أستارهم وكشف أسرارهم. قال معتزلة البصرة : في الآية دلالة على أنه تعالى موصوف بصفة الكراهة كما أنه موصوف بصفة الإرادة. قالت الأشاعرة : معنى كره الله أنه أراد عدم ذلك الشيء. وزيف بأن العدم يا يصلح أن يكون متعلق الإرادة لأن العدم مستمر فتعلق الإرادة به يكون تحصيلاً للحاصل. ويمكن أن يجاب بأن الإرادة صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر سواء في ذلك طرف الوجود وطرف العدم، وطرف العدم غير حاصل إلا بإرادة العدم فكيف يكون تعلق الإرادة به تحصيلاً للحاصل ؟ وأيضاً عدم الشيء المخصوص ليس عدماً محضاً. أما قوله ﴿وقيل اقعدوا﴾ فيحتمل أن يكون قد جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمراً بالقعود، ويحتمل أن يراد به قول الشيطان بطريق الوسوسة، أو قول بعضهم لبعض لما أرادوا الاجتماع على التخلف، أو هو قول الرسول كأنه غضب عليهم حين استأذنوه فقال على سبيل الزجر ﴿اقعدوا مع القاعدين﴾ فاغتنموا هذه اللفظة وقالوا قد أذن لنا فلهذا عوتب بقوله ﴿لم أذنت لهم﴾ أي لم ذكرت هذه اللفظة التي أمكنهم أن يتوسلوا بها إلى تحصيل غرضهم. ومعنى قوله ﴿مع القاعدين﴾ ذم لهم وتعجيز وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم الجثوم في البيوت. ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ قال المفسرون : لما خرج رسول الله ﷺ ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبي عسكره على ذي حدة - أسفل من ثنية الوداع - ولم يكن بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله ﷺ تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب فأنزل الله يعزي نبيه ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً﴾ فيكون استثناء متصلاً من أعم العام، وحمله على الاستثناء المنقطع بناء على أن التقدير ما زادوكم خيراً إلا خبالاً ضعيف. والخبال في اللغة الفساد ومنه المخبل للمعتوه، وللمفسرين عبارات ؛ قال الكلبي : إلا شراً. وقال سلمان إلا مكراً. وقال الضحاك : إلا غدراً. وقيل : إلا خبثاً. وقيل : هو الاضطراب في الرأي وذلك بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لآخرين حتى يختلفوا وتتفرق كلمتهم. قالت المعتزلة : دلت الآية على أنه كره انبعاثهم لاشتماله على هذا الخبال والشر. وفيه دليل على أنه تعالى لا يريد إلا الخير والصلاح. ولقائل : أن يقول إثبات حكم كلي بحكم جزئي غير معقول. واعلم أنه سبحانه عد من مفاسد خروجهم ثلاثة : الأول : قوله ﴿ما زادوكم إلا خبالاً﴾ الثاني :﴿ولا أوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة﴾ قال في الكشاف : زيد ألف في الكتابة لأن الفتحة كانت تكتب ألفاً قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفاً أخرى ونحوه
أو لأذبحنه } [ الآية : ٢١ ] في النمل ﴿ولا أتوها﴾ [ الآية : ١٤ ] في الأحزاب، ولا رابع لها في القرآن. وفي الإيضاع قولان لأهل اللغة ؛ فقال أكثرهم : هو متعد يقال : وضع البعير إذا عدا، وأوضعه الراكب إذا حمله على العدو. وعلى هذا يكون في الآية حذف والتقدير : ولأوضعوا ركائبهم. وقال الأخفش وأبو عبيد : إنه جاء لازماً ويقال : أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيراً حثيثاً. ومنه ما روي أن النبي ﷺ أفاض من عرفة وعليه السكينة وأوضع في وادي محسر أي أسرع. قال الواحدي : والآية تشهد للأخفش وأبي عبيد. وعلى القولين المراد في الآية السعي بين المسلمين بالتضريب والنميمة والمبالغة في الأول أكثر لأن الراكب أسرع من الماشي. ومعنى ﴿خلالكم﴾ أي فيما بينكم. والخلل الفرجة فيما بين الشيئين. و ﴿يبغونكم الفتنة﴾ أي يبغون لكم. قال الأصمعي : يقال ابغني كذا وابغ لي أي اطلبه لأجلي. ومعنى الفتنة هنا افتراق الكلمة والتشويش في المقاصد فعند ذلك يحصل الانهزام أسرع ما يكون. فالحاصل من النوع الأول اختلاف الآراء، ومن الثاني المشي بالنميمة لتسهيل ذلك الغرض. وأما النوع الثالث فذلك قوله ﴿وفيكم سماعون لهم﴾ قال مجاهد وابن زيد : أي عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم. وقال قتادة : فيكم من يسمع كلامهم ويقبل قولهم وإذا تعاضد الفاعل والقابل وقع الأثر على أكمل الوجوه لا محالة. واعترض على هذا القول بأنه كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم ؟ وأجيب بأن ذلك إنما يقع لمن قرب عهده بالإسلام أو لمن جبل على الجبن والفشل أو لمن حسن ظنه ببعض المنافقين لقرابة أو هيبة، وقلما يخلو الأقوياء من ضعيف سخيف أو أهل الحق من مبطل منافق ولهذا ختم الآية بقوله ﴿والله عليم بالظالمين﴾ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم ونفاقهم وغيرهم بإلقاء الفتنة فيما بينهم.