تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ) أي لو كانوا خرجوا فيكم. ألا ترى أنه قال :( ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ) ؟ [التوبة: ٤٦] دل هذا أنهم لم يكونوا خرجوا. ولو كانوا خرجوا لم يكن ثبطهم. دل أنه ما ذكرنا والانبعاث هو الخروج، وكذلك في حرف ابن مسعود : ولكن كره الله خروجهم، والتثبيط الحبس. وأصل التثبيط التثقيل.
وقال أبو عوسجة : الانبعاث هو القيام، والخبال : قيل الفساد والشر، وقيل : الغي، وهو واحد.
وقوله تعالى :( ما زادوكم إلا ) كذا. تحتمل/٢١٤-ب/ زيادة الخبال وجوها : تحتمل أن يكونوا عيونا للعدو، ويخبروهم عن عورات المسلمين ؛ أو كانوا يجيئون أهل الإسلام بقولهم[ في الأصل وم : كقولهم ] :( إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم )[آل عمران: ١٧٣][ ونحو ذلك ][ في الأصل : ونحو، في م : ونحوه ].
وقوله تعالى :( وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ) قيل : هو من إيضاع الإبل خلالكم، يتخلل في ما بينكم. وقيل :( وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ) أي رواحلهم حتى يدخلوا بينكم حتى لا يصيبهم[ في الأصل وم : يصيبكم ] الأذى ؛ وكانوا[ أدرج بعدها في الأصل وم : لا ] يستترون بالمسلمين لئلا يصيبهم شيء من البلاء والشدة.
وقال القتبي :( وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ) من الموضع، وهو سرعة السير. وقال أبو عوسجة : هو من الإيضاع يكون على الإبل. وهو عندي : من عدو الإبل ؛ يقال : أوْضَعْتُ البعير، وركَّضْتُ الفرس، وأَجْرَيْتُ الحمار، ( خلالكم ) بينكم. وقيل : الخِلال : القتال، وهو ما ذكرنا أنهم يُدخِلون فيهم النقصان والقتال والفشل.
وقوله تعالى :( يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ ) قيل يبغون منكم الفتنة، وهو الشرك الذي كانوا هم عليه. ويحتمل ما ذكرنا من القتل وإدخال الفشل والجُبن فهيم، والله أعلم.
وقوله تعالى :( وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ) هذا يحتمل أن هؤلاء المنافقين يكونون سُماعا وخُبُرا وعيونا ؛ يخبرونهم عن عورات المسلمين وضعفهم، ويحتمل قوله :( وفيكم ) من المؤمنين ( سماعون لهم ) الآية : قيل : إنه كان في أصحاب النبي أهل محبة لهم وطاعة لشرفهم فيهم.
وعن ابن عباس رضي الله عنه [ أنه ][ ساقطة من الأصل وم ] قال :( يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ) كان الرجل يرى الجماعة من المسلمين، فيضرب دابته حتى يدخل بينهم، ثم يقول : أبلغكم ما بلغني أن العدو أمامكم عوَّروا المياه، وفعلوا كذا، وهيئوا ؟
ويحتمل قوله :( وفيكم سماعون لهم ) أي فيكم من المنافقين الذين قعدوا، ولم يخرجوا، يسمعون للمؤمنين الذين لم يخرجوا أيضا ما يكرهون ؛ يقولون : الدَّبْرَةُ على المؤمنين، ونحو ذلك من الهزيمة.
وقوله تعالى :( والله عليم بالظالمين ) أي لا عن جهل أمهلهم على ما هم عليه، ولكن أخرهم ليوم كقوله :( ولا تحسبن الله غافلا )الآية[إبراهيم: ٤٢].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى