التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم ذكر الله تعالى - نبيه - ﷺ - بطرف من الماضى لهؤلاء المنافقين فقال :﴿لَقَدِ ابتغوا الفتنة مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور حتى جَآءَ الحق وَظَهَرَ أَمْرُ الله وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.
أى : لقد ابتغى هؤلاء المنافقون إيقاع الشرور والمفاسد في صفوف المسلمين، من قبل ما حدث منهم في غزوة تبوك.
ومن مظاهر ذلك أنهم ساءهم انتصاركم في غزوة بدر، وامتنعوا عن مناصرتكم في غزوة أحد، مبتعين في ذلك زعيمهم عبد الله بن أبى بن سلول، ثم واصلوا حربهم لكم سراً وجهراً حتى كانت غزوة تبوك التي فضح الله فيها أحوالهم.
فالمراد بقوله :﴿مِن قَبْلُ﴾ أى : من قبل هذه الغزووة التي كانت آخر غزوة غزاها رسول الله - ﷺ -.
أى أن ما صدر عن هؤلاء المنافقين من مسالك خبثة خلال غزوة تبوك ليس هو الأول من نوعه، بل هم لهم في هذا المضمار تاريخ مظلم بدأ منذ أوائل عهد الدعوة الإِسلامية بالمدينة.
وقوله :﴿وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور﴾ بيان لتفننهم في وجوه الأذى للنبى - ﷺ - وتقليب الأمر : تصريفه، وترديده، وإجالة الرأى فيه، والنظر إليه من كل نواحيه : لمعرفة أى ناحية منه توصل إلى الهدف المنشود.
والمراد أن هؤلاء المنافقين قد ابتغوا الأذى للدعوة الإِسلامية من قبل هذه الغزوة، ودبروا لصاحبها - ﷺ - المكايد، واستعملوا قصارى جهدهم، ومنهى اجتهادهم، وخلاصة مكرهم، من أجل صد الناس عن الحق الذي جاء به محمد - ﷺ -.
وقوله :﴿حتى جَآءَ الحق وَظَهَرَ أَمْرُ الله﴾ غاية لمحذوف، والتقدير : أن هؤلاء المنافقين استمروا على حربهم للدعوة الإِسلامية ﴿حتى جَآءَ الحق﴾ أى : النصر الذي وعد الله عباده به ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ الله﴾ أى : دينه وشرعه " وهم " أى المنافقون وأشباههم " كارهون " لذلك ؛ لأنهم يكرهون انتصار دين الإِسلام، ويحبون هزيمته وخذلانه، ولكن الله - تعالى - خيب آمالهم، وأحبط مكرهم.
قال الإِمام ابن كثير : عندما قدم النبى - ﷺ - المدينة، رمته العرب عن قوس واحدة، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم بدر وأعلى كلمته، قال عبد الله بن أبى، واصحابه : هذا أمر قد توجه، فدخلوا في الإِسلام ظاهراً، ثم كلما أعز الله الإِسلام وأهله غاظهم وساءهم، ولهذا قال - تعالى - :﴿حتى جَآءَ الحق وَظَهَرَ أَمْرُ الله وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى