فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ﴾ هذا ذكر نوع آخر [ من ]قبائحهم، يقال : يلمزه : إذا عابه. قال الجوهري : اللمز : العيب، وأصله الإشارة بالعين ونحوه، وقد لمزه يلمزه ويلمزه، ورجل لماز، ولمزة : أي عياب. قال الزجاج : لمزت الرجل ألِمزه وأُلمزه، بكسر الميم وضمها : إذا عبته، وكذا همزته. ومعنى الآية : ومن المنافقين من يعيبك في الصدقات، أي في تفريقها وقسمتها. وروى عن مجاهد أنه قال : معنى ﴿يَلْمِزُكَ﴾ : يرزؤك ويسألك، والقول عند أهل اللغة هو الأوّل، كما قال النحاس. وقرئ يلمزك بضم الميم، ويلمزك بكسرها مع التشديد. وقرأ الجمهور بكسرها مخففة ﴿فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا﴾ أي : من الصدقات بقدر ما يريدون ﴿رَضُواْ﴾ بما وقع من رسول الله ﷺ ولم يعيبوه، وذلك لأنه لا مقصد لهم إلا حطام الدنيا، وليسوا من الدين في شيء ﴿وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا﴾ أي : من الصدقات ما يريدونه ويطلبونه ﴿إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ أي : وإن لم يعطوا فاجئوا السخط، وفائدة إذا الفجائية : أن الشرط مفاجئ للجزاء وهاجم عليه. وقد نابت إذا الفجائية مناب فاء الجزاء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج البخاري، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري قال : بينما رسول الله ﷺ يقسم قسماً إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التيمي فقال : اعدل يا رسول الله، فقال :" ويحك، ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ " فقال عمر بن الخطاب : ائذن لي فأضرب عنقه فقال النبي ﷺ :" دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " الحديث حتى قال : وفيهم نزلت :﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله :﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ﴾ قال : يرزأك ويسألك. وأخرج ابن المنذر، عن قتادة قال : يطعن عليك. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود قال : لما قسم النبيّ ﷺ غنائم حنين، سمعت رجلاً يقول : إن هذه لقسمة ما أريد بها الله، فأتيت النبيّ ﷺ، وذكرت ذلك له، فقال :" رحمة الله على موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر "، ونزل ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، قال : نسخت هذه الآية كل صدقة في القرآن ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء﴾ الآية.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن حذيفة، في قوله :﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء﴾ الآية قال : إن شئت جعلتها في صنف واحد من الأصناف الثمانية التي سمى الله أو صنفين أو ثلاثة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي العالية، والحسن، وعطاء، وإبراهيم، وسعيد بن جبير، نحوه. وأخرج ابن المنذر، والنحاس، وأبو الشيخ، عن قتادة، قال : الفقير الذي به زمانة، والمسكين : المحتاج الذي ليس به زمانة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عمر، في قوله :﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء﴾ قال : هم زمني أهل الكتاب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿والعاملين عَلَيْهَا﴾ قال : السعاة أصحاب الصدقة.
وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله :﴿والمؤلفة قُلُوبُهُمْ﴾ قال : هم قوم كانوا يأتون رسول الله ﷺ قد أسلموا، وكان يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقة فأصابوا منها خيراً قالوا : هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك عابوه وتركوه. وأخرج البخاري، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن أبي سعيد، قال : بعث عليّ بن أبي طالب من اليمن إلى النبيّ ﷺ بذهيبة فيها تربتها، فقسمها بين أربعة من المؤلفة : الأقرع بن حابس الحنظلي وعلقمة بن علاثة العامري، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الخيل الطائي ؛ فقالت قريش والأنصار : يقسم بين صناديد أهل نجد ويدعنا ؟ فقال النبيّ ﷺ :«إنما أتألفهم» وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الزهري أنه سئل عن المؤلفة قلوبهم قال : من أسلم من يهودي أو نصرانيّ، قلت : وإن كان موسراً ؟ قال : وإن كان موسراً. وأخرج هؤلاء عن أبي جعفر قال : ليس اليوم مؤلفة قلوبهم. وأخرج هؤلاء أيضاً عن الشعبي مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل، في قوله :﴿وَفِي الرقاب﴾ قال : هم المكاتبون. وأخرج ابن المنذر، عن النخعي، نحوه. وأخرج أيضاً عن عمر بن عبد الله قال : سهم الرقاب نصفان : نصف لكل مكاتب ممن يدّعي الإسلام، والنصف الآخر يشتري به رقاب ممن صلى وصام، وقدم إسلامه من ذكر وأنثى، يعتقون لله. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو عبيد، وابن المنذر، عن ابن عباس، أنه كان لا يرى بأساً أن يعطي الرجل من زكاته في الحج، وأن يعتق منها رقبة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن الزهري، أنه سئل عن الغارمين قال : أصحاب الدين.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي جعفر، في قوله :﴿والغارمين﴾ قال : هو الذي يسأل في دم أو جائحه تصيبه ﴿وَفِى سَبِيلِ الله﴾ قال : هم المجاهدون ﴿وابن السبيل﴾ قال : المنقطع به يعطى قدر ما يبلغه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : ابن السبيل هو الضيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، قال : قال رسول الله ﷺ :«لا تحلّ الصدقة لغنيّ إلا لخمسة : العامل عليها، أو الرجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدّق عليه فأهدى منها لغنيّ» وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، والترمذي، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ، قال :«لا تحلّ الصدقة لغنيّ ولا لذي مرة سويّ» وأخرج أحمد، عن رجل من بني هلال، قال : سمعت رسول الله ﷺ، فذكر مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، والنسائي عن عبد الله بن عدي بن الخيار، قال : أخبرني رجلان أنهما أتيا رسول الله ﷺ في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين، فقال :«إن شئتما أعطيتكما ولا حظّ فيها لغنيّ ولا لقويّ مكتسب».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى