جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : ومن المنافقين الذين وصفت لك يا محمد صفتهم في هذه الآيات مَنْ يَلْمِزُك فِي الصّدَقاتِ يقول : يعيبك في أمرها ويطعن عليك فيها، يقال منه : لمز فلانا يَلْمِزُه، ويَلْمُزُه : إذا عابه وقرصه، وكذلك همزه. ومنه قيل : فلان هُمَزةُ لمَزة، ومنه قول رؤبة :
| قارَبْتُ بينَ عَنَقِي وَجمْزِي | فِي ظِلّ عَصْرَيْ باطِليِ ولَمْزِي |
| إذَا لَقِيتُكَ تُبْدِي لي مُكاشَرَةً | وأنْ أغِيبَ فأنْتَ العائِبُ اللمزة |
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصّدَقاتِ قال : يَرُوزُك.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصّدَقاتِ يروزك ويسألك.
قال ابن جريج : وأخبرني داود بن أبي عاصم، قال : قال أُتي النبيّ ﷺ بصدقة، فقسمها ههنا وههنا حتى ذهبت، قال : ورآه رجل من الأنصار، فقال : ما هذا بالعدل فنزلت هذه الآية.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصّدَقاتِ يقول : ومنهم من يطعن عليك في الصدقات. وذُكر لنا أن رجلاً من أهل البادية حديث عهد بأعرابية، أتى نبيّ الله ﷺ وهو يقسم ذهبا وفضة، فقال : يا محمد، والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت فقال نبيّ الله ﷺ :«وَيْلَكَ فَمَنْ ذَا يَعْدِلُ عَلَيْكَ بَعْدِي ؟ » ثم قال نبيّ الله ﷺ :«احْذَرُوا هَذَا وأشْباهَهُ، فإنّ فِي أُمّتِي أشْباهَ هَذَا يَقْرَءُونَ القُرآنَ لا يُجاوزُ تَرَاقِيَهُمْ، فإذَا خَرَجُوا فاقْتُلُوهُمْ، ثُمّ إذَا خَرَجُوا فاقْتُلُوهُمْ، ثُمّ إذَا خَرَجُوا فاقْتُلُوهُمْ ». وذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول :«وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أُعْطِيكُمْ شَيْئا وَلا أمْنَعْكُمُوهُ إنّمَا أنا خازِنٌ ».
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصّدَقاتِ قال : يطعن.
قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهريّ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد، قال : بينما رسول الله ﷺ يقسم قسما، إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التميمي، فقال : اعدل يا رسول الله فقال :«وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إنْ لَمْ أعْدِلْ ؟ » فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه قال :«دعه، فإنّ لَهُ أصَحابا يَحْقِرُ أحَدُكُمْ صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ وَصِيامَهُ مَعَ صِيامِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدّينِ كما يَمْرُقُ السّهُمْ مِنَ الرّمِيّةِ، فَيَنْظُرُ فِي قُذَذهِ فَلا يَنْظُرُ شَيْئا، ثُمّ يَنْظُرُ فِي نَصْلِهِ فَلا يَجِدُ شَيْئا، ثُمّ يَنْظُرُ فِي رَصَافِهِ فَلا يَجِدُ شَيْئا، قَد سَبَقَ الفَرْثَ وَالدّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أسْوَدُ إحْدَى يَدَيْهِ أوْ قالَ : يَدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ المَرأة أوْ مِثْلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، يَخْرُجُونَ على حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ النّاسِ ». قال : فنزلت : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصّدَقاتِ. قال أبو سعيد : أشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ، وأشهد أن عليّا رحمة الله عليه حين قتلهم جيء بالرجل على النعت الذي نعت رسول الله ﷺ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصّدَقاتِ فإنْ أُعُطُوا مِنْها رَضوا وَإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إذَا هُمْ يَسْخَطُونَ قال : هؤلاء المنافقون، قالوا : والله ما يعطيها محمد إلا من أحبّ، ولا يؤثر بها إلا هواه فأخبر الله نبيه، وأخبرهم أنه إنما جاءت من الله، وأن هذا أمر من الله ليس من محمد : إنّمَا الصّدقاتُ للفُقَرَاءِ. . . الآية.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
١٦٨١١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: (لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا)، قال: محرزًا لهم، لفرُّوا إليه منكم = وقال ابن عباس: قوله: (لو يجدون ملجأ)، حرزًا = (أو مغارات)، قال: الغيران = (أو مدّخلا)، قال: نفقًا في الأرض.
١٦٨١٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: (لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدّخلا)، يقول: "لو يجدون ملجأ"، حصونًا = (أو مغارات)، غِيرانًا = (أو مدخلا)، أسرابًا = (لولوا إليه وهم يجمحون).
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن المنافقين الذين وصفت لك، يا محمد، صفتهم في هذه الآيات = (من يلمزك في الصدقات)، يقول: يعيبك في أمرها، ويطعُنُ عليك فيها.
* * *
يقال منه: "لمز فلان فلانًا يَلْمِزُه، ويَلْمُزُه" إذا عابه وقرصه، وكذلك "همزه"، ومنه قيل: "فلان هُمَزَةً لُمَزَة، ومنه قول رؤبة:
| قَارَبْتُ بَيْنَ عَنَقِي وَجَمْزِي | فِي ظِلِّ عَصْرَيْ بَاطِلي وَلَمْزِي (١) |
| فَإن ترَيْنِي الْيَوْمَ أُمَّ حَمْزِ | قَارَبْتُ بَيْنَ عَنَقِي وجَمْزِي |
| مِنْ بَعْدِ تَقْمَاص الشَّبَابِ الأَبْزِ | فِي ظِلِّ عَصْرَيْ باطِلِي وَلَمْزِي |
| فَكُلُّ بَدْءِ صَالحٍ أَوْ نِقْزِ | لاقٍ حِمَامَ الأَجَلِ المُجْتَزِّ |
| إِذَا لَقَيْتُكَ تُبْدِي لِي مُكَاشَرَةً | وَإِنْ أُغَيَّبْ، فَأَنْتَ العَائِبُ اللمزة (٢) |
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
(٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٦٣، إصلاح المنطق: ٤٧٥، والجمهرة لابن دريد ٣: ١٨، والمقاييس ٦: ٦٦، واللسان (همز)، وسيأتي في التفسير ٣٠: ١٨٨ (بولاق) بغير هذه الرواية، وهي:
| تُدْلِي بِوُدٍّ إذَا لاقَيْتَنِي كَذِبًا | وَإِنْ أُغَيِّبْ فأنت الهَامِزُ اللُّمَزَهْ |
وقوله: "وإن أغيب" بالبناء للمجهول، لا كما ضبط في مجاز القرآن.
١٦٨١٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: (ومنهم من يلمزك في الصدقات)، يروزك ويسألك، (٢) قال ابن جريج: وأخبرني داود بن أبي عاصم قال: قال أتي النبي ﷺ بصدقة فقسمها ههنا وههنا حتى ذهبت. قال: ورآه رجل من الأنصار فقال: ما هذا بالعدل؟ فنزلت هذه الآية.
١٦٨١٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (ومنهم من يلمزك في الصدقات)، يقول: ومنهم من يطعُنُ عليك في الصدقات. وذكر لنا أن رجلا من أهل البادية حديثَ عهدٍ بأعرابيّةٍ، أتى نبي الله ﷺ وهو يقسم ذهبًا وفضة، فقال: يا محمد، والله لئن كان الله أمرك أن تعدل، ما عدلت! فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: ويلك! فمن ذا يعدل عليك بعدي! ثم قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: احذروا هذا وأشباهه فإن في أمتي أشباه هذا، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم. وذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: "والذي نفسي بيده ما أعطيكم شيئا ولا أمنعكموه، إنما أنا خازن.
١٦٨١٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (ومنهم من يلمزك في الصدقات)، قال: يطعن.
١٦٨١٧-...... قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري
(٢) "رازه يروزه روزًا"، اختبره وامتحنه، وقد ذكر هذا الخبر في المعاجم من كلام مجاهد، وفسروه فقالوا: "يقال: رزت ما عند فلان، إذا اختبرته وامتحنته. والمعنى: يمتحنك ويذوق أمرك، هل تخاف لائمته أم لا".
١٦٨١٧م- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في
(٢) في المطبوعة: " يحقر "، وهي كذلك في رواية الخبر في الصحيحين، ولكن هكذا جاءت في المخطوطة.
(٣) "مرق السهم من الرمية"، خرج من الجانب الآخر خروجًا سريعًا. و "الرمية"، المرمية، يعني الصيد المرمي بالسهم ونحوه.
(٤) "القذذ" جمع "قذة" (بضم القاف)، وهي ريش السهم.
(٥) "الرصاف" جمع "رصفة" (بفتحات)، وهي العقبة التي تلوى على موضع الفوق من السهم.
(٦) "الفرث"، سرجين الدابة، ما دام في كرشها.
(٧) "الآية"، العلامة.
(٨) "البضعة" القطعة من اللحم. "تدردر"، "تتدردر"، أي: تضطرب.
(٩) الأثر: ١٦٨١٧ - هذا حديث صحيح الإسناد، رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٦: ٤٥٥) ومسلم في صحيحه ٧: ١٦٥، من طريق الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن.
وجاء الخبر من طرق صحاح كثيرة، انظر شرح البخاري، وصحيح مسلم.