التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم حكى القرآن بعد ذلك لوناً من جبنهم وعجزهم من مصارحة المؤمنين بالحقائق، فقال - سبحانه - :﴿يَحْلِفُونَ بالله... الخزي العظيم﴾.
قال القرطبى : روى قوماً من المنافقين اجتمعوا، وفيهم غلاما من الأنصار يدعى عامر بن قيس، فحقروه تكلموا فقالوا : إن كان ما يقوله محمد حقاً لنحن شر من الحمير. فغضب الغلام وقال : والله إن ما يقوله محمد - ﷺ لحق، ولأنتم شر من الحمير. ثم أخبر النبى - ﷺ - بقولهم فحلفوا إن عامرا كاذب.
فقال عامر : هم الكذبة، وحلف على ذلك وقال : اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب. فأنزل الله هذه الآية.
فقوله - سبحانه - :﴿يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ خطاب للمؤمنين الذين كان المنافقون يذكرونهم بالسوء، ثم يأتون إليهم بعد ذلك معتذرين.
أى : إن هؤلاء المافقين يحلفون بالله لكم - أيها المؤمنون - ليرضوكم، فتطمئنوا إليهم، وتقبلوا معاذيرهم.
قال أبو السعود : وإفراد إرضائهم بالتعليل مع أن عمدة أغراضهم إرضاء الرسول - ﷺ - للإِيذان بأن ذلك بمعز عن أن يكون وسيلة لإرضائه، وأنه - عليه الصلاة والسلام - إنما لم يكذبهم رفقا بهم، وسترا لعيوبهم، لا عن رضا بما فعلوا، وقبول قلبى لما قالوا..
وقوله :﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ جملة حالية في محل نصب من ضمير " يحلفون " جئ بها لتوبيخهم على إيثارهم رضا الناس على رضا الله ورسوله.
أى : هم يحلفون لكم، والحال أن رسوله أحق بالإِرضاء منكم لأن الله - تعالى هو خالقهم ورازقهم ومالك أمرهم، وهو العليم بما ظهر وبطن من أحوالهم. ولأن رسوله - ﷺ - هو المبلغ لوحيه - عز وجل -.
قال صاحب المنار ما ملخصه : وكان الظاهر أن يقال : " يرضوهما " ونكتة العدول عنه إلى " يرضوه " : الإِعلام بأن إرضاء رسوله عين إرضائه سبحانه.. وهذا من بلاغة القرآن في نفس الإيجاز. ولو قال " يرضوهما " لما أفاد هذا المعنى ؛ إذ يجوز في نفس العبارة أن يكون إرضاء كل منهما في غير ما يكون به إرضاء الآخر، وهو خلاف المراد هنا، وكذلك لو قيل : " والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه " لا يفيد هذا المعنى أيضاً وفيه ما فيه من الركاكة والتطويل..
وقد خرجه علماء النحو على قواعدهم.. وأقرب الأقوال إلأى قواعدهم قول سيبويه : إن الكلام جملتان حذف خبر إحداهما لدلالة خبر الأخرى عليه، كقول الشاعر :
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأى مختلف... فهذا لا تكلف فيه من ناحية التركيب العربى، ولكن تفوت به النكتة الى ذكرناها...
وقوله :﴿إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ تذييل قصد به بيان أن الإِيمان الحق لا يتم إلا بإرضاء الله ورسوله عن طريق طاعتهما والانقياد لأوامرهما.
أى : إن كانوا مؤمنين حقاً، فليعملوا على إرضاء الله ورسوله، بأن يطيعوا أوامرهما، ويجتنبوا نواهيهما، وإلا كانوا كاذبين في دعواهم الإِيمان

تفسير هذه الآية من كتب أخرى