إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود

عن الكتاب
﴿يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ﴾ الخطابُ للمؤمنين خاصةً وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم ويؤكدون معاذيرَهم بالأيمان ليعذُروهم ويرضَوا عنهم أي يحلفون لكم أنهم ما قالوا ما نُقل إليهم مما يورث أذاةَ النبيِّ ﷺ وأما التخلفُ عن الجهاد فليس بداخل في هذا الاعتذارِ ﴿لِيُرْضُوكُمْ﴾ بذلك، وإفرادُ إرضائِهم بالتعليل مع أن عمدةَ أغراضِهم إرضاءُ الرسول ﷺ وقد قبِل عليه الصلاة والسلام ذلك منهم ولم يكذّبْهم للإيذان بأن ذلك بمعزل من أن يكون وسيلةً إلى إرضائه عليه الصلاة والسلام وأنه ﷺ إنما لم يكذبهم رفقاً بهم وستراً لعيوبهم لا عن رضا بما فعلوه كما أشير إليه ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ أي أحقُّ بالإرضاء ولا يتسنى ذلك إلا بالطاعة والمتابعةِ وإيفاءِ حقوقِه عليه الصلاة والسلام في باب الإجلالِ والإعظامِ مَشهداً ومَغيباً وأما ما أتَوا به من الأَيمان الفاجرة فإنما يرضى به من انحصر طريقُ علمِه في الأخبار إلى أن يجيءَ الحقُّ ويزهَقَ الباطلُ. والجملةُ نصبٌ على الحالية من ضمير يحلفون أي يحلفون لكم لإرضائكم والحالُ أنه تعالى ورسولُه أحقُّ بالإرضاء منكم أي يُعرضون عما يُهِمُّهم ويجديهم ويشتغلون بما لا يَعنيهم، وإفرادُ الضمير في يُرْضوه إما للإيذان بأن رضاه عليه الصلاة السلام مندرجٌ تحت رضاه سبحانه وإرضاؤُه عليه الصلاة والسلام إرضاءٌ له تعالى لقوله تعالى :﴿مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ [ النساء، الآية ٨٠ ] وإما لأنه مستعارٌ لاسم الإشارةِ الذي يشار به إلى الواحد والمتعدد بتأويل المذكور كما في قول رؤبة :[ الرجز ]
فيها خطوطٌ من سوادٍ وبَلَقكأنه في الجلد توليعُ البهقْ(١)
أي كأن ذلك. لا يقال أيُّ حاجةٍ إلى الاستعارة بعد التأويل المذكورِ لأنا نقول : لولا الاستعارةُ لم يتسنَّ التأويل لما أن الضميرَ لا يتعرض إلا لذات ما يرجِع إليه من غير تعرضٍ لوصف من أوصافه التي من جملتها المذكوريةُ وإنما المتعرضُ لها اسمُ الإشارةِ وإما لأنه عائدٌ إلى رسوله، والكلامُ جملتان حُذف خبرُ الأولى لدلالة خبرِ الثانية عليه كما ذهب إليه سيبويه، ومنه قولُ من قال :[ المنسرح ]
نحن بما عندنا وأنت بماعندك راضٍ والرأيُ مختلف(٢)
أو إلى الله على أن المذكورَ خبرُ الجملة الأولى وخبرُ الثانيةِ محذوفٌ كما هو رأي المبرد ﴿إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ جوابُه محذوفٌ تعويلاً على دِلالة ما سبق عليه أي إن كانوا مؤمنين فليُرْضوا الله ورسولَه بما ذكر فإنهما أحقُّ بالإرضاء.
١ الرجز لرؤبة بن العجاج في ديوانه ص ١٠٤؛ وأساس البلاغة (ولع)؛ والأشباه والنظائر ٥/٦٣؛ وتخليص الشواهد ص ٥٣؛ وخزانة الأدب ١/٨٨؛ وشرح شواهد المغني ٢/٣٦٤؛ ولسان العرب (ولع، بهقا) والمحتسب ٢/١٥٤؛ ومغني اللبيب ٢/٦٧٨..
٢ البيت لقيس بن الخطيم في ملحق ديوانه ص ٢٣٩؛ وتخليص الشواهد ص ٢٠٥؛ والدرر ٥/٣١٤؛ والكتاب ١/٧٥، والمقاصد النحوية ١/٥٥٧؛ ولعمرو بن امرىء القيس الخزرجي في الدرر ١/١٤٧؛ وشرح أبيات سيبويه ١/٢٧٩؛ وشرح شواهد الإيضاح ص ١٢٨؛ ولدرهم بن زيد الأنصاري في الإنصاف ١/٩٥، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/١٠٠، وخزانة الأدب ١٠/٢٩٥، وأمالي ابن الحاجب ٢/٧٢٦، ولسان العرب (قعد)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى