تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ) الآية نزلت في المنافقين أيضا. واختلف القول في كلمة الكفر.
قال بعضهم : كلمة الكفر : هي سب محمد ﷺ. وقال بعضهم : كلمة الكفر : هي قول الجلاس بن سويد ؛ فإنه قال : لئن كان ما يقول محمد حق فنحن شر من الحمير.
وفيه قول ثالث : أن كلمة الكفر هي قولهم : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وعنوا بالأعز : عبد الله بن أبي بن سلول، وقالوا : نتوجه بالتاج خلافا على محمد.
وقوله تعالى :( وكفروا بعد إسلامهم ) معناه : وأظهروا الكفر بعد إظهارهم الإسلام.
وقوله تعالى :( وهموا بما لم ينالوا ) يعني : قصدوا ما لم يدركوه ؛ فإنه روي أن اثني عشر نفرا من المنافقين اجتمعوا في غزوة تبوك ليغتالوا النبي ﷺ. وروي أنهم قصدوا أن يوقعوه من العقبة في الوادي، فدفع الله شرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم(١) ؛ فهذا معنى قوله :( وهموا بما لم ينالوا ). وقوله تعالى :( وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ) نقموا أي : كرهوا، قال الشاعر في مدح بني أمية شعرا :
ما نقموا من بني أميةإلا أنهم ( يحلمون ) (٢) إن غضبوا
وأنهم سادة الملوكولا يصلح إلا عليهم العرب
وقوله تعالى :( إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ) يعني : بالغنائم. وروي :«أن الجلاس بن سُويد كان تحمل بحمالة فأداها عنه رسول الله ﷺ »(٣). وروي أن عبد الله بن أبي بن سلول كانت له دية على قوم فأمر النبي ﷺ أن يوفر عليه(٤). فهذا كله معنى قوله تعالى :( إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ).
قوله تعالى :( فإن يتوبوا يك خيرا لهم ) روي أنه لما نزلت هذه الآية قال الجلاس بن سويد : إني أرى الله يعرض علي التوبة، وإني قد تبت إلى الله مما كنت فيه ؛ فروي أنه صح إيمانه واستشهد يوم اليمامة.
قوله تعالى :( وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير ) إلى آخر الآية، معناه ظاهر.
ويقال في قوله تعالى :( وما نقموا إلا أن أغناهم الله ) يعني : ليست لهم كراهة ولا نقمة، وهذا مثل قول الشاعر :
ولا عيب فينا غير أن سيوفنا بهن فلول من قراع الكتائب
يعني : لا عيب فينا أصلا.
١ - رواه أحمد في مسنده (٥/٤٥٣-٤٥٤) عن أبي الطفيل، والبيهقي في الدلائل (٥/٢٦٠-٢٦١) عن حذيفة..
٢ - في "ك": يحكمون..
٣ - رواه الطبري(١٠/١٢٩) عن عروة بن الزبير، وعزاه السيوطي في الدر (٣/٢٨٠) لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ..
٤ - رواه الطبري في التفسير (١٠/١٢٩) عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر (٣/٢٨٢) لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى