محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٧٤ من سورة التوبة في ١١٤ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٣٥ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٧٤ من سورة التوبة

١١٤ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوَاْ إِلاّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لّهُمْ وَإِن يَتَوَلّوْا يُعَذّبْهُمُ اللّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدّنْيَا والآخرة وَمَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾.
اختلف أهل التأويل في الذي نزلت فيه هذه الآية، والقول الذي كان قاله، الذي أخبر الله عنه أنه يخلف بالله ما قاله. فقال بعضهم : الذي نزلت فيه هذه الآية : الجُلاس بن سويد بن الصامت.
وكان القول الذي قاله ما :
حدثنا به ابن وكيع، قال : حدثنا معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه : يَحْلِفُونَ باللّهِ ما قَالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ قال : نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت، قال : إن كان ما جاء به محمد حقّا، لنحن أشرّ من الحمير فقال له ابن امرأته : والله يا عدوّ الله، لأخبرنّ رسول الله ﷺ بما قلت، فإني إن لا أفعل أخاف أن تصيبني قارعة وأؤاخذ بخطيئتك فدعا النبي ﷺ الجلاس، فقال :«يا جلاس أقلت كذا وكذا ؟ » فحلف ما قال، فأنزل الله تبارك وتعالى : يَحْلِفُونَ باللّهِ ما قَالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلاَمِهِمْ وهَمّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ومَا نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو معاوية الضرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال : نزلت هذه الآية : يَحْلِفُونَ باللّهِ ما قَالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلاَمِهِمْ في الجلاس بن سويد بن الصامت، أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء، فقال الجلاس : إن كان ما جاء به محمد حقّا، لنحن أشرّ من حميرنا هذه التي نحن عليها فقال مصعب : أما والله يا عدوّ الله لأخبرنّ رسول الله ﷺ بما قلت فأتيت النبي ﷺ، وخشيت أن ينزل في القرآن أو تصيبني قارعة أو أن أخلط، قلت : يا رسول الله أقبلت أنا والجلاس من قباء، فقال كذا وكذا، ولولا مخافة أن أؤاخذ بخطيئة أو تصيبني قارعة ما أخبرتك قال : فدعا الجلاس، فقال له :«يا جلاسُ أقُلْت الّذِي قالَ مُصْعَبُ ؟ » قال : فحلف، فأنزل الله تبارك وتعالى : يَحْلِفُونَ باللّهِ ما قَالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلاَمِهِمْ. . . الآية.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : كان الذي قال تلك المقالة فيما بلغني الجلاس بن سويد بن الصامت، فرفعها عنه رجل كان في حجره يقال له عمير بن سعيد، فأنكر، فحلف بالله ما قالها فلما نزل فيه القرآن تاب ونزع وحسنت توبته فيما بلغني.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد كَلِمَةَ الكُفْرِ قال أحدهم : لئن كان ما يقول محمد حقّا لنحن شرّ من الحمير فقال له رجل من المؤمنين : إن ما قال لحقّ ولأنت شرّ من حمار قال : فهمّ المنافقون بقتله، فذلك قوله : وهَمّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال : حدثنا عبد الله بن رجاء، قال : حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : كان رسول الله ﷺ جالسا في ظلّ شجرة، فقال :«إنّهُ سَيَأْتِيكُمْ إنْسانٌ فَيَنْظُرُ إلَيْكُمْ بِعَيْنَي شَيْطَانٍ، فإذا جاءَ فَلا تُكَلّمُوهُ فلم يلبث أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ، فقال :«عَلاَمَ تَشْتُمُني أنْتَ وأصْحَابُكَ ؟ » فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا وما فعلوا حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله : يَحْلِفُونَ باللّهِ ما قَالُوا ثم نعتهم جميعا، إلى آخر الآية.
وقال آخرون : بل نزلت في عبد الله بن أُبيّ ابن سلولَ، قالوا : والكلمة التي قالها ما :
حدثنا به بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : يَحْلِفُونَ باللّهِ ما قَالُوا. . . إلى قوله : مِنْ وَلِيّ وَلا نَصِيرٍ قال : ذكر لنا أن رجلين اقتتلا، أحدهما من جهينة والاَخر من غفار، وكانت جهينة حلفاء الأنصار. وظهر الغفاريّ على الجهني، فقال عبد الله بن أبيّ للأوس : انصروا أخاكم، فوالله ما مَثَلُنا ومَثَلُ محمد إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك وقال : لَئِنْ رَجعْنَا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ الأعَزّ مِنْها الأذَلّ، فسعى بها رجل من المسلمين إلى نبيّ الله ﷺ. فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله تبارك وتعالى : يَحْلِفُونَ باللّهِ ما قَالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : يَحْلِفُونَ باللّهِ ما قَالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ قال : نزلت في عبد الله بن أبيّ ابن سلولَ.
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى أخبر عن المنافقين أنهم يحلفون بالله كذبا على كلمة كفر تكلموا بها أنهم لم يقولوها. وجائز أن يكون ذلك القول ما رُوي عن عروة أن الجلاس قاله، وجائز أن يكون قائله عبد الله بن أبي ابن سلول. والقول ما ذكره قتادة عنه أنه قال ولا علم لنا بأن ذلك من أيّ، إذ كان لا خبر بأحدهما يوجب الحجة ويتوصل به إلى يقين العلم به، وليس مما يُدرك علمه بفطرة العقل، فالصواب أن يقال فيه كما قال الله جلّ ثناؤه : يَحْلِفُونَ باللّهِ ما قَالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلاَمِهِمْ.
وأما قوله : وَهَمّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا فإن أهل التأويل اختلفوا في الذي كان همّ بذلك وما الشيء الذي كان همّ به. فقال بعضهم : هو رجل من المنافقين، وكان الذي همّ به قَتْلَ ابن امرأته الذي سمع منه ما قال وخشي أن يفشيه عليه. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : همّ المنافق بقتله، يعني قتل المؤمن الذي قال له أنت شرّ من الحمار. فذلك قوله : وهَمّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد به
وقال آخرون : كان الذي همّ رجلاً من قريش، والذي همّ به قتل رسول الله ﷺ. ذكر من قال ذلك :
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا شبل، عن جابر، عن مجاهد، في قوله : وَهَمّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا قال : رجل من قريش همّ بقتل رسول الله ﷺ يقال له الأسود.
وقال آخرون : الذي همّ عبد الله بن أبيّ ابن سلولَ، وكان همه الذي لم ينله قوله : لَئِنْ رَجعْنَا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ الأعَزّ مِنْها الأذَلّ.
وقوله : ومَا نَقَمُوا إلاّ أنْ أغْناهُمُ اللّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ذكر لنا أن المنافق الذي ذكر الله عنه أنه قال كلمة الكفر كان فقيرا، فأغناه الله بأن قتل له مولى، فأعطاه رسول الله ﷺ ديته. فلما قال ما قال، قال الله تعالى : ومَا نَقَمُوا يقول : ما أنكروا على رسول الله ﷺ شيئا، إلاّ أنْ أغْناهُمُ اللّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه : ومَا نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ وكان الجلاس قتل له مولى له، فأمر له رسول الله ﷺ بديته، فاستغنى، فذلك قوله : ومَا نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ.
قال : حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، قال : قضى النبي ﷺ بالدية اثني عشر ألفا في لبني عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، قال : قضى النبيّ ﷺ بالدية اثني عشر مولى لبني عديّ بن كعب، وفيه أنزلت هذه الآية : ومَا نَقَمُوا إلاّ أنْ أغْناهُمُ اللّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : ومَا نَقَمُوا إلاّ أنْ أغْناهُمُ اللّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ قال : كانت لعبد الله بن أبي دية، فأخرجها رسول الله ﷺ له.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، قال : حدثنا عمرو، قال : سمعت عكرمة : أن مولى لبني عديّ بن كعب قتل رجلاً من الأنصار، فقضى رسول الله ﷺ بالدية اثني عشر ألفا، وفيه أنزلت : ومَا نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ قال عمرو : لم أسمع هذا عن النبي ﷺ إلا من عكرمة، يعني الدية اثني عشر ألفا.
حدثنا صالح بن مسمار، قال : حدثنا محمد بن سنان العوفي، قال : حدثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، مولى ابن عباس، عن ابن عباس : أن النبيّ ﷺ جعل الدية اثني عشر ألفا، فذلك قوله : ومَا نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ قال : بأخذ الدية.
وأما قوله : فإنْ يَتُوبُوا يَكَ خَيْرا لَهُمْ يقول تعالى ذكره : فإن يتب هؤلاء القائلون كلمة الكفر من قيلهم الذي قالوه فرجعوا عنه، يك رجوعهم وتوبتهم من ذلك خيرا لهم من النفاق. وإنْ يَتَوَلّوْا يقول : وإن يدبروا عن التوبة فيأبوها، ويصرّوا على كفرهم يُعَذّبْهُمُ اللّهُ عَذَابا ألِيما يقول : يعذّبهم عذابا موجعا في الدنيا، إما بالقتل، وإما بعاجل خزي لهم فيها، ويعذّبهم في الاَخرة بالنار.
وقوله : ومَا لَهُمْ فِي الأرْضِ من وَلِيّ وَلا نَصِيرٍ يقول : وما لهؤلاء المنافقين إن عذّبهم الله في عاجل الدنيا، من وليّ يواليه على منعه من عقاب الله، ولا نصير ينصره من الله، فينقذه من عقابه وقد كانوا أهل عزّ ومنعة بعشائرهم وقومهم يمتنعون بهم ممن أرادهم بسوء، فأخبر جلّ ثناؤه أن الذين كانوا يمنعونهم ممن أرادهم بسوء من عشائرهم وحلفائهم، لا يمنعونهم من الله ولا ينصرونهم منه إذ احتاجوا إلى نصرهم. وذُكر أن الذي نزلت فيه هذه الآية تاب مما كان عليه من النفاق. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه : فإنْ يَتُوبُوا يكُ خَيْرا لَهُمْ قال : قال الجلاس : قد استثنى الله لي التوبة، فأنا أتوب فقبل منه رسول الله ﷺ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو معاوية، عن هشا
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤)﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذي نزلت فيه هذه الآية، والقول الذي كان قاله، الذي أخبر الله عنه أنه يحلف بالله ما قاله.
فقال بعضهم: الذي نزلت فيه هذه الآية: الجُلاس بن سويد بن الصامت.
* * *
وكان القولُ الذي قاله، ما:-
١٦٩٦٧- حدثنا به ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر)، قال: نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت، قال: "إن كان ما جاء به محمد حقًّا، لنحن أشرُّ من الحُمُر! "، (١) فقال له ابن امرأته: والله، يا عدو الله، لأخبرن رسول الله ﷺ بما قلت، فإني إن لا أفعل أخاف أن تصيبني قارعةٌ، وأؤاخذ بخطيئتك! فدعا النبي ﷺ الجلاس، فقال: "يا جُلاس، أقلت كذا وكذا؟ فحلف ما قال، فأنزل الله تبارك وتعالى: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهمُّوا بما لم ينالوا وما نَقَموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله).
(١) انظر استعمال " أشر "، فيما سلف في الأثرين رقم: ٥٠٨٠، ١١٧٢٣. وكان في المطبوعة: " الحمير "، وأثبت ما في المخطوطة.
١٦٩٦٨- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو معاوية الضرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: نزلت هذه الآية: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم)، في الجلاس بن سويد بن الصامت، أقبل هو وابن امرأته مُصْعَب من قُباء، فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقًّا لنحن أشرُّ من حُمُرنا هذه التي نحن عليها! (١) فقال مصعب: أما والله، يا عدو الله، لأخبرنَّ رسول الله ﷺ بما قلتَ! فأتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وخشيت أن ينزل فيَّ القرآن، أو تصيبني قارعة، أو أن أخْلَط [بخطيئته]، (٢) قلت: يا رسول الله، (٣) أقبلت أنا والجلاس من قباء، فقال كذا وكذا، ولولا مخافة أن أُخْلَط بخطيئته، (٤) أو تصيبني قارعة، ما أخبرتك. قال: فدعا الجلاس فقال له: يا جلاس، أقلت الذي قال مصعب؟ قال: فحلف، فأنزل الله تبارك وتعالى: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم)، الآية.
١٦٩٦٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: كان الذي قال تلك المقالة، فيما بلغني، الجلاس بن سويد بن الصامت، فرفعها عنه رجلٌ كان في حجره، يقال له "عمير بن سعيد"، (٥) فأنكرها، (٦) فحلف
(١) في المطبوعة: " حميرنا " بالإفراد وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: " أخلط "، ليس فيها ذكر الخطيئة واستظهرتها من باقي الخبر، ومن تفسير ابن كثير.
(٣) في المطبوعة: " يا رسول أقبلت "، وهو من الطباعة.
(٤) في المطبوعة: " أن أؤاخذ بخطيئته "، غير ما في المخطوطة، وأثبت ما في المخطوطة، فهو الصواب، وهو موافق لما في تفسير ابن كثير ٤: ٢٠٤، ٢٠٥.
(٥) في المخطوطة والمطبوعة: " سعيد "، والذي في سيرة ابن هشام، " سعد "، ولكني تركت ما في المخطوطة، لأني وجدت الحافظ ابن حجر في الإصابة، ذكر هذا الاختلاف، فأخشى أن تكون هذه رواية أبي جعفر في سيرة ابن إسحاق.
(٦) في المطبوعة: "فأنكر"، أثبت ما في المخطوطة، موافقا لابن هشام.
بالله ما قالها. فلما نزل فيه القرآن، تاب ونزع وحسنت، توبته فيما بلغني. (١)
١٦٩٧٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (كلمة الكفر)، قال أحدهم: "لئن كان ما يقول محمد حقًّا لنحن شر من الحمير"! فقال له رجل من المؤمنين: أن ما قال لحقٌّ، ولأنت شر من حمار! قال: فهمَّ المنافقون بقتله، فذلك قوله: (وهموا بما لم ينالوا).
١٦٩٧١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
١٦٩٧٢-...... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
١٦٩٧٣- حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في ظلّ شجرة، فقال: إنه سيأتيكم إنسانٌ فينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه. فلم يلبث أن طلَع رجل أزرقُ، (٢) فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: علامَ تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا وما فعلوا، حتى تجاوَز عنهم، فأنزل الله: (يحلفون بالله ما قالوا)، ثم نعتهم جميعًا، إلى آخر الآية. (٣)
(١) الأثر: ١٦٩٦٩ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٦، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٩١٩.
(٢) إذا قيل: "رجل أزرق"، فإنما يعنون زرقة العين، وقد عدد الجاحظ في الحيوان ٥: ٣٣٠، " الزرق من العرب "، وكانت العرب تتشاءم بالأزرق، وتعده لئيما. وانظر طبقات فحول الشعراء: ١١١، في قول مزرد، في قاتل عمر رضي الله عنه:
وَمَا كُنْتُ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ وَفَاتُهُبِكَفَّيْ سَبَنْتَى أَزْرَقِ العَيْنِ مُطْرِقِ
(٣) الأثر: ١٦٩٧٣ - " أيوب بن إسحاق بن إبراهيم بن سافري "، أبو أيوب البغدادي، شيخ الطبري. قال ابن أبو حاتم: " كتبنا عنه بالرملة، وذكرته لأبي فعرفه، وقال: كان صدروقًا ". مترجم في ابن أبي حاتم ١ ١ ٢٤١، وتاريخ بغداد ٧: ٩، ١٠.
و" عبد الله بن رجاء بن عمرو "، أبو عمرو الغداني. كان حسن الحديث عن إسرائيل. وهو ثقة. مترجم في التهذيب.
وهذا إسناد صحيح. وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٢٥٨، وزاد نسبته إلى الطبراني، وأبي الشيخ، وابن مردويه.
وقال آخرون: بل نزلت في عبد الله بن أبيٍّ ابن سلول: قالوا: والكلمة التي قالها ما:-
١٦٩٧٤- حدثنا به بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (يحلفون بالله ما قالوا)، إلى قوله: (من وليّ ولا نصير)، قال: ذكر لنا أنّ رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة، والآخر من غِفار، وكانت جهينة حلفاء، الأنصار، وظهر الغفاريّ على الجهنيّ، فقال عبد الله بن أبيّ للأوس: انصروا أخاكم، فوالله ما مثلنا ومَثَلُ محمد إلا كما قال القائل: "سمِّن كلبك يأكلك"، وقال: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ) [سورة المنافقون: ٨]، فسعى بها رجل من المسلمين إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله تبارك وتعالى: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر).
١٦٩٧٥- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر)، قال: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى أخبر عن المنافقين أنّهم يحلفون بالله كذبًا على كلمة كُفْر تكلموا بها أنهم لم يقولوها. وجائز أن يكون ذلك القول ما روي عن عروة: أن الجلاس قاله = وجائز أن يكون قائله عبد الله بن أبي ابن سلول، والقول ما ذكر قتادة عنه أنه قال.
ولا علم لنا بأيّ ذلك من أيٍّ، (١) إذ كان لا خبر بأحدهما يوجب الحجة، ويُتوصَّل به إلى يقين العلم به، وليس مما يدرك علمه بفطرة العقل، فالصواب أن يقال فيه كما قال الله جل ثناؤه: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم).
* * *
وأما قوله: (وهموا بما لم ينالوا)، فإن أهل التأويل اختلفوا في الذي كان همَّ بذلك، وما الشيء الذي كان هم به.
[فقال بعضهم: هو رجل من المنافقين، وكان الذي همَّ به]، قتلَ ابن امرأته الذي سمع منه ما قال، (٢) وخشي أن يفشيه عليه.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٩٧٦- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: همَّ المنافق بقتله = يعني قتل المؤمن الذي قال له: "أنت شر من الحمار"! فذلك قوله: (وهموا بما لم ينالوا).
١٦٩٧٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. (٣)
* * *
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "بأن ذلك من ي"، وهو لا معنى له، وصوابه ما أثبت، كما نبهت عليه مرارًا انظر ما سلف: ١٣: ٢٦٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) كان في المخطوطة: "... وما الشيء الذي كان هم به قيل ابن امرأته، وجعلها في المطبوعة: "... هم به أقتل ابن امرأته، وعلق عليه فقال: " في العبارة سقط، ولعل الأصل: فقال بعضهم: كان الذي هم الجلاس بن سويد، والشيء الذي كان هم به قتل ابن امرأته إلخ، تأمل".
والصواب، إن شاء الله، ما أثبت بين القوسين، لأن الخبر التالي من خبر مجاهد، ولم يبين فيه اسم المنافق، كما لم يبينه في رقم: ١٦٩٧٠، وما بعده، فالصواب الجيد، أن يكون اسم المنافق مبهما في ترجمة سياق الأخبار، كدأب أبي جعفر في تراجم فصول تفسيره.
(٣) في المطبوعة: "عن مجاهد، به"، وفي المخطوطة، قطع فلم يذكر شيئًا، فأقررت ما درج على مثله أبو جعفر.
وقال آخرون: كان الذي همَّ، رجلا من قريش = والذي همّ به، قتلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٩٧٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شبل، عن جابر، عن مجاهد في قوله: (وهموا بما لم ينالوا)، قال: رجل من قريش، همّ بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقال له: "الأسود".
* * *
وقال آخرون: الذي همّ، عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان همُّه الذي لم ينله، قوله: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ)، [سورة المنافقون: ٨]، من قول قتادة وقد ذكرناه. (١)
* * *
وقوله: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله)، ذكر لنا أن المنافق الذي ذكر الله عنه أنه قال كلمة الكفر، كان فقيرًا فأغناه الله بأن قُتِل له مولًى، فأعطاه رسول الله ديتَه. فلما قال ما قال، قال الله تعالى: (وما نقموا)، يقول: ما أنكروا على رسول الله ﷺ شيئًا، (٢) = (إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله).
* ذكر من قال ذلك:
١٦٩٧٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله)، وكان الجلاس قُتِل له مولًى، فأمر له رسول الله ﷺ بديته، فاستغنى، فذلك قوله: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله).
١٦٩٨٠-...... قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة قال:
(١) انظر ما سلف رقم: ١٦٩٧٤.
(٢) انظر تفسير " نقم " ١٠: ٤٣٣ ١٣: ٣٥.
قضى النبي ﷺ بالدية اثني عشر ألفًا في مولى لبني عديّ بن كعب، وفيه أنزلت هذه الآية: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله).
١٦٩٨١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله)، قال: كانت لعبد الله بن أبيٍّ ديةٌ، فأخرجها رسول الله ﷺ له.
١٦٩٨٢- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان قال، حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة: أن مولى لبني عدي بن كعب قتل رجلا من الأنصار، فقضى رسول الله ﷺ بالدية اثنى عشر ألفا، وفيه أنزلت: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله)، قال عمرو: لم أسمع هذا عن النبي ﷺ إلا من عكرمة = يعني: الدية اثني عشر ألفًا.
١٦٩٨٣- حدثنا صالح بن مسمار قال، حدثنا محمد بن سنان العَوَقيّ قال، حدثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أن النبيّ ﷺ جعل الدية اثني عشر ألفًا. فذلك قوله: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله)، قال: بأخذ الديِّة. (١)
* * *
وأما قوله: (فإن يتوبوا يك خيرًا لهم)، يقول تعالى ذكره: فإن يتب هؤلاء القائلون كلمة الكفر من قِيلهم الذي قالوه فرجعوا عنه، يك رجوعهم وتوبتهم من
(١) الأثر: ١٦٩٨٣ - " صالح بن مسمار السلمي المروزي "، شيخ الطبري، مضى برقم: ٢٢٤.
و" محمد بن سنان الباهلي العوقي "، أبو بكر البصري، ثقة مترجم في التهذيب، والكبير ١ ١ ١٠٩ وابن أبي حاتم ٣ ٢ ٢٧٩.
و" محمد بن مسلم الطائفي "، ثقة، يضعف، مضى برقم: ٤٤٧، ٣٤٧٣، ٤٤٩١.
وهذا الخبر، لم يذكره أبو جعفر في باب الديات من تفسيره، انظر ما سلف رقم: ١٠١٤٣، في ج ٩: ٥٠.
ذلك، خيرًا لهم من النفاق (١) = (وإن يتولوا)، يقول: وإن يدبروا عن التوبة، فيأتوها ويصرُّوا على كفرهم، (٢) = (يعذبهم الله عذابًا أليمًا)، يقول: يعذبهم عذابًا موجعًا في الدنيا، إما بالقتل، وإما بعاجل خزي لهم فيها، ويعذبهم في الآخرة بالنار. (٣)
* * *
وقوله: (وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير)، يقول: وما لهؤلاء المنافقين إن عذبهم الله عاجل الدنيا = (من ولي)، يواليه على منعه من عقاب الله (٤) = (ولا نصير) ينصره من الله فينقذه من عقابه. (٥) وقد كانوا أهل عز ومنعة بعشائرهم وقومهم، يمتنعون بهم من أرادهم بسوء، فأخبر جل ثناؤه أن الذين كانوا يمنعونهم ممن أرادهم بسوء من عشائرهم وحلفائهم، لا يمنعونهم من الله ولا ينصرونهم منه، إن احتاجوا إلى نصرهم.
* * *
وذكر أن الذي نزلت فيه هذه الآية تاب مما كان عليه من النفاق.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٩٨٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: (فإن يتوبوا يك خيرًا لهم)، قال: قال الجلاس: قد استثنى الله لي التوبة، فأنا أتوب. فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
١٦٩٨٥- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة عن أبيه: (فإن يتوبوا يك خيرًا لهم)، الآية، فقال الجلاس:
(١) انظر تفسير "التوبة" فيما سلف من فهارس اللغة (توب).
(٢) انظر تفسير "التولي" فيما سلف من فهارس اللغة (ولي).
(٣) انظر تفسير " أليم " فيما سلف من فهارس اللغة (ألم).
(٤) انظر تفسير "الولي" فيما سلف من فهارس اللغة (ولي).
(٥) انظر تفسير "النصير" فيما سلف من فهارس اللغة (نصر).

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ قال قتادة : نزلت في عبد الله بن أبي، وذلك أنه اقتتل رجلان : جُهَني وأنصاري، فعلا الجهني على الأنصاري، فقال عبد الله للأنصار : ألا تنصروا أخاكم ؟ والله(١) ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل :" سمِّن كلبك يأكلك "، وقال :﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي ﷺ، فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله فيه هذه الآية(٢) وروى إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة قال : فحدثنا عبد الله بن الفضل، أنه سمع أنس بن مالك، رضي الله عنه، يقول : حزنت على من أصيب بالحرَّة من قومي، فكتب إلي زيد بن أرقم، وبلغه شدة حزني، يذكر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول :" اللهم، اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار " - وشك ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار - قال ابن الفضل : فسأل أنسا بعض من كان عنده عن زيد بن أرقم، فقال : هو الذي يقول له رسول الله ﷺ :" أوفى الله له بأذنه ". وذاك حين سمع رجلا من المنافقين يقول - ورسول الله ﷺ يخطب - : لئن كان هذا صادقا فنحن(٣) شر من الحمير، فقال زيد بن أرقم : فهو والله صادق، ولأنت شر من الحمار. ثم رُفع ذلك إلى رسول الله، فجحده القائل، فأنزل الله هذه الآية تصديقا لزيد - يعني قوله :﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الآية.
رواه البخاري في صحيحه، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة. إلى قوله :" هذا الذي أوفى الله له بأذنه " (٤) ولعل ما بعده من قول موسى بن عقبة، وقد رواه محمد بن فُلَيح، عن موسى بن عقبة بإسناده ثم قال : قال ابن شهاب. فذكر ما بعده عن موسى، عن ابن شهاب.
والمشهور في هذه القصة أنها كانت في غزوة بني المصطلق، فلعل الراوي وَهَم في ذكر الآية، وأراد أن يذكر غيرها فذكرها، والله أعلم.
[ حاشية ](٥) قال " الأموي " في مغازيه : حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن جده قال : لما قدم رسول الله ﷺ، أخذني قومي فقالوا : إنك امرؤ شاعر، فإن شئت أن تعتذر إلى رسول الله ﷺ ببعض العلة، ثم يكون ذنبا تستغفر الله منه. وذكر الحديث بطوله، إلى أن قال : وكان ممن تخلف من المنافقين، ونزل فيه القرآن منهم، ممن كان مع النبي ﷺ : الجُلاس بن سُوَيد بن الصامت، وكان على أم عُمَير بن سعد، وكان عمير في حجره، فلما نزل القرآن وذكرهم الله بما ذكر مما أنزل في المنافقين، قال الجلاس : والله لئن كان هذا الرجل صادقا فيما يقول لنحن شر من الحمير [ قال ](٦) فسمعها عمير بن سعد فقال : والله - يا جلاس - إنك لأحب الناس إلي، وأحسنهم عندي بلاء، وأعزهم علي أن يصله(٧) شيء يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك ولئن كتمتها لتهلكني، ولإحداهما أهون علي من الأخرى. فمشى إلى رسول الله ﷺ، فذكر له ما قال الجلاس. فلما بلغ ذلك الجلاس خرج حتى يأتي النبي ﷺ، فحلف بالله ما قال ما قال عمير بن سعد، ولقد كذب علي. فأنزل الله، عز وجل، فيه :﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ إلى آخر الآية. فوقفه رسول الله ﷺ عليها. فزعموا أن الجلاس تاب فحسنت توبته، ونزع فأحسن النزوع(٨) هكذا جاء هذا " مدرجا " في الحديث متصلا به، وكأنه والله أعلم من كلام ابن إسحاق نفسه، لا من كلام كعب بن مالك.
وقال عروة بن الزبير : نزلت هذه الآية في الجلاس بن سويد بن الصامت، أقبل هو وابن امرأته مُصعب من قُبَاء، فقال الجلاس : إن كان ما جاء به محمد حقا فنحن أشر من حُمُرنا هذه التي نحن عليها. فقال مصعب : أما والله - يا عدو الله - لأخبرن رسول الله ﷺ بما قلت : فأتيت النبي ﷺ، وخفت أن ينزل في القرآن(٩) أو تصيبني قارعة، أو أن أخلط(١٠) بخطيئته، فقلت : يا رسول الله، أقبلت أنا والجلاس من قباء، فقال كذا وكذا، ولولا مخافة أن أخلط(١١) بخطيئة أو تصيبني قارعة ما أخبرتك. قال : فدعا الجلاس فقال :" يا جلاس، أقلت الذي قاله مصعب ؟ " فحلف، فأنزل الله :﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ الآية.
وقال محمد بن إسحاق : كان الذي قال تلك المقالة - فيما بلغني - الجلاس بن سويد بن الصامت، فرفعها عليه رجل كان في حجره، يقال له : عمير بن سعيد، فأنكرها، فحلف بالله ما قالها : فلما نزل فيه القرآن تاب ونزع وحسنت توبته، فيما بلغني.
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال : كان رسول الله ﷺ جالسا في ظل شجرة فقال :" إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعيني الشيطان، فإذا جاء فلا تكلموه ". فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ فقال :" علام تشتمني أنت وأصحابك ؟ " فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا، حتى تجاوز عنهم، فأنزل(١٢) الله، عز وجل :﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الآية(١٣) وذلك بَيِّنٌ فيما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب " دلائل النبوة " من حديث محمد بن إسحاق، عن الأعمش عن عمرو بن مُرة، عن [ أبي ](١٤) البختري، عن حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه، قال : كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله ﷺ أقود به، وعمار يسوق الناقة - أو أنا : أسوقه، وعمار يقوده - حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكبا قد اعترضوه فيها، قال : فأنبهت رسول الله ﷺ [ بهم ](١٥) فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله ﷺ :" هل عرفتم القوم ؟ قلنا : لا يا رسول الله، قد كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب. قال :" هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون(١٦) ما أرادوا ؟ " قلنا : لا. قال :" أرادوا أن يزحموا(١٧) رسول الله في العقبة، فيلقوه منها ". قلنا : يا رسول الله، أو لا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم ؟ قال :" لا أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمدا قاتل بقوم حتى [ إذا ](١٨) أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم "، ثم قال :" اللهم ارمهم بالدبيلة ". قلنا : يا رسول الله، وما الدبيلة ؟ قال :" شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك " (١٩) وقال الإمام أحمد، رحمه الله : حدثنا يزيد، أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع، عن أبي الطفيل قال : لما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك، أمر مناديا فنادى : إن رسول الله ﷺ أخذ العقبة فلا يأخذها أحد. فبينما رسول الله ﷺ يقوده حذيفة ويسوقه عمار، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله، وأقبل عمار، رضي الله عنه، يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله(٢٠) ﷺ لحذيفة :" قد، قد " حتى هبط رسول الله ﷺ، [ فلما هبط ](٢١) نزل ورجع عمار، فقال :" يا عمار، هل عرفت القوم ؟ " فقال : قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون. قال :" هل تدري ما أرادوا ؟ " قال : الله ورسوله أعلم. قال :" أرادوا أن ينفروا برسول الله ﷺ فيطرحوه ". قال : فسار عمار رجلا من أصحاب النبي ﷺ فقال : نشدتك(٢٢) بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة ؟ قال : أربعة عشر. فقال : إن كنت منهم فقد كانوا خمسة عشر. قال : فعذر(٢٣) رسول الله ﷺ منهم ثلاثة قالوا : والله ما سمعنا منادي رسول الله، وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار : أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد(٢٤) وهكذا روى ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة بن الزبير نحو هذا، وأن رسول الله ﷺ أمر أن يمشي الناس في بطن الوادي، وصعد هو وحذيفة وعمار العقبة، فتبعهم هؤلاء النفر الأرذلون، وهم متلثمون، فأرادوا سلوك العقبة، فأطلع الله على مرادهم رسول الله(٢٥) ﷺ، فأمر حذيفة فرجع إليهم، فضرب وجوه رواحلهم، ففزعوا ورجعوا مقبوحين، وأعلم رسول الله ﷺ حذيفة وعمارا بأسمائهم، وما كانوا هموا به من الفتك(٢٦) به، صلوات الله وسلامه عليه، وأمرهما أن يكتما عليهم(٢٧) وكذلك روى يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق، إلا أنه سَمّى جماعة منهم، فالله أعلم(٢٨) وكذا قد حكي(٢٩) في معجم الطبراني، قاله البيهقي. ويشهد لهذه القصة بالصحة، ما رواه مسلم :
حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أبو أحمد الكوفي، حدثنا الوليد بن جُمَيع، حدثنا أبو الطفيل قال : كان [ بين ](٣٠) رجل من أهل العقبة [ وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال : أنشدك بالله، كم كان أصحاب العقبة ](٣١) قال : فقال له القوم : أخبره إذ سألك. قال : كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القوم(٣٢) خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة قالوا : ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ، ولا علمنا بما أراد القوم. وقد كان في حرة فمشى، فقال :" إن الماء قليل، فلا يسبقني إليه أحد "، فوجد قوما قد سبقوه، فلعنهم(٣٣) يومئذ(٣٤) وما رواه مسلم أيضا، من حديث قتادة، عن أبي نَضْرة، عن قيس بن عباد، عن عمار بن ياسر قال : أخبرني حذيفة عن النبي ﷺ أنه قال :" في أصحابي اثنا عشر منافقا، لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها حتى يلج [ الجمل ](٣٥) في سم الخياط : ثمانية تكفيكهم الدُّبَيْلة : سراج من نار يظهر بين أكتافه حتى ينجم من صدورهم " (٣٦)
ولهذا كان حذيفة يقال له :" صاحب السر، الذي لا يعلمه غيره " أي : من تعيين جماعة من المنافقين، وهم هؤلاء، قد أطلعه عليهم رسول الله ﷺ دون غيره، والله أعلم. وقد ترجم الطبراني في مسند حذيفة تسمية أصحاب العقبة، ثم روى عن علي بن عبد العزيز، عن الزبير بن بكار أنه قال : هم مُعَتِّب بن قشير، ووديعة بن ثابت، وجد بن عبد الله بن نَبْتَل بن الحارث من بني عمرو بن عوف، والحارث بن يزيد الطائي، وأوس بن قَيْظِي والحارث بن سُوَيْد، وسعد بن زرارة(٣٧) وقيس بن فهد، وسويد وداعس من بني الحبلي، وقيس بن عمرو بن سهل، وزيد بن اللصيت، وسلالة بن الحمام، وهما من بني قينقاع أظهرا الإسلام(٣٨)
وقوله :﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي : وما للرسول عندهم ذنب إلا أن
١ - في ت :"فوالله"..
٢ - رواه الطبري في تفسيره (١٤/٣٦٤)..
٣ - في ك :"لنحن"..
٤ - صحيح البخاري برقم (٤٩٠٦)..
٥ - زيادة من ك..
٦ - زيادة من ك..
٧ - في ك :"يصله إليه"..
٨ - انظر : السيرة النبوية لابن هشام (١/٥١٩)..
٩ - في ك :"قرآنا"..
١٠ - في أ :"أختلط"..
١١ - في ت، أ :"أختلط"..
١٢ - في ت، ك :"وأنزل"..
١٣ - تفسير الطبري (١٤/٣٦٣)..
١٤ - زيادة من ت، أ، والدلائل..
١٥ - زيادة من ت، أ، والدلائل..
١٦ - في أ :"ترون"..
١٧ - في ك :"يزاحموا"..
١٨ - زيادة من ت، ك، أ، والدلائل..
١٩ - دلائل النبوة (٥/٢٦٠)..
٢٠ - في ت، ك :"النبي"..
٢١ - زيادة من ت، ك، أ، والمسند..
٢٢ - في أ :"أنشدك"..
٢٣ - في أ :"فعد"..
٢٤ - المسند (٥/٤٥٣) وقال الهيثمي في المجمع (٦/١٩٥) :"رجاله رجال الصحيح"..
٢٥ - في ت، ك، أ :"رسوله"..
٢٦ - في ت :"القتل"..
٢٧ - رواه البيهقي في دلائل النبوة (٥/٢٥٦)..
٢٨ - دلائل النبوة للبيهقي (٥/٢٥٧)..
٢٩ - في ت، أ :"وقع"..
٣٠ - زيادة من ت، ك، أ، ومسلم..
٣١ - زيادة من ت، ك، أ، ومسلم..
٣٢ - في ك :"فقد كانوا"..
٣٣ - في أ :"فلعنوه"..
٣٤ - صحيح مسلم برقم (٢٧٧٩)..
٣٥ - زيادة من ت، ك، أ، ومسلم..
٣٦ - صحيح مسلم برقم (٢٧٧٩)..
٣٧ - في ك :"وابرة"..
٣٨ - المعجم الكبير (٣/١٦٥ - ١٦٧)..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ أي : إذا قالوا قولا كقول من قال منهم ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ والكلام الذي يتكلم به الواحد بعد الواحد، في الاستهزاء بالدين، وبالرسول.
فإذا بلغهم أن النبي ﷺ قد بلغه شيء من ذلك، جاءوا إليه يحلفون باللّه ما قالوا.
قال تعالى مكذبا لهم ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ فإسلامهم السابق -وإن كان ظاهره أنه أخرجهم من دائرة الكفر -فكلامهم الأخير ينقض إسلامهم، ويدخلهم بالكفر.
﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ وذلك حين هموا بالفتك برسول اللّه ﷺ في غزوة تبوك، فقص اللّه عليه نبأهم، فأمر من يصدهم عن قصدهم.
﴿و﴾ الحال أنهم ﴿مَا نَقَمُوا﴾ وعابوا من رسول اللّه ﷺ ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ بعد أن كانوا فقراء معوزين، وهذا من أعجب الأشياء، أن يستهينوا بمن كان سببا لإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومغنيا لهم بعد الفقر، وهل حقه عليهم إلا أن يعظموه، ويؤمنوا به ويجلوه ؟ " فاجتمع الداعي الديني وداعي المروءة الإنسانية.
ثم عرض عليهم التوبة فقال :﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ لأن التوبة، أصل لسعادة الدنيا والآخرة.
﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ عن التوبة والإنابة ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ في الدنيا بما ينالهم من الهم والغم والحزن على نصرة اللّه لدينه، وإعزار نبيه، وعدم حصولهم على مطلوبهم، وفي الآخرة، في عذاب السعير.
﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يتولى أمورهم، ويحصل لهم المطلوب ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ يدفع عنهم المكروه، وإذا انقطعوا من ولاية اللّه تعالى، فَثَمَّ أصناف الشر والخسران، والشقاء والحرمان.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٧٣ - ٧٤} ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾.
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ أي: بالغ في جهادهم والغلظة عليهم حيث اقتضت الحال الغلظة عليهم.
وهذا الجهاد يدخل فيه الجهاد باليد، والجهاد بالحجة واللسان، فمن بارز منهم بالمحاربة فيجاهد باليد، واللسان والسيف والبيان.
ومن كان مذعنا للإسلام بذمة أو عهد، فإنه يجاهد بالحجة والبرهان ويبين له محاسن الإسلام، ومساوئ الشرك والكفر، فهذا ما لهم في الدنيا.
﴿وَ﴾ أما في الآخرة، فـ ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: مقرهم الذي لا يخرجون منها ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ أي: إذا قالوا قولا كقول من قال منهم ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ والكلام الذي يتكلم به الواحد بعد الواحد، في الاستهزاء بالدين، وبالرسول.
فإذا بلغهم أن النبي ﷺ قد بلغه شيء من ذلك، جاءوا إليه يحلفون بالله ما قالوا.
قال تعالى مكذبا لهم: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ فإسلامهم السابق -وإن كان ظاهره أنه أخرجهم من دائرة الكفر -فكلامهم الأخير ينقض إسلامهم، ويدخلهم بالكفر.
﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ وذلك حين هموا بالفتك برسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقص الله عليه نبأهم، فأمر من يصدهم عن قصدهم.
﴿وَ﴾ الحال أنهم ﴿مَا نَقَمُوا﴾ وعابوا من رسول الله ﷺ ﴿إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ بعد أن كانوا فقراء معوزين، وهذا من أعجب الأشياء، أن يستهينوا بمن كان سببا لإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومغنيا لهم بعد الفقر، وهل حقه عليهم إلا أن يعظموه، ويؤمنوا به ويجلوه؟ " فاجتمع الداعي الديني وداعي المروءة الإنسانية.
-[٣٤٥]-
ثم عرض عليهم التوبة فقال: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ لأن التوبة، أصل لسعادة الدنيا والآخرة.
﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ عن التوبة والإنابة ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ في الدنيا بما ينالهم من الهم والغم والحزن على نصرة الله لدينه، وإعزاز نبيه، وعدم حصولهم على مطلوبهم، وفي الآخرة، في عذاب السعير.
﴿وَمَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يتولى أمورهم، ويحصل لهم المطلوب ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ يدفع عنهم المكروه، وإذا انقطعوا من ولاية الله تعالى، فَثَمَّ أصناف الشر والخسران، والشقاء والحرمان.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٤ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
نَقَمُوا
كَرِهُوا، وَعَابُوا.

إعراب الآية ٧٤ من سورة التوبة

من كتاب: إعراب القرآن

وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ابتداء وخبر أي أكبر من نعيمهم ويجوز في غير القرآن النصب لأن هذا مما وعدوا به.

[سورة التوبة (٩) : آية ٧٣]

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)
جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ كسرت الدال لالتقاء الساكنين والفعل غير معرب ولا يكون فعل الأمر إلا مستقبلا عند جميع النحويين، وكذا سيفعل وسوف يفعل فأما يفعل فقد اختلف فيه النحويون فالبصريون يقولون يكون مستقبلا وحالا. والكوفيون يقولون:
يكون مستقبلا لأن هذه الزوائد إنما جيء بها علامة للاستقبال، وفاعل عند البصريين كيفعل، وهو عند الكوفيين للحال إلّا أن يكون مجازا.

[سورة التوبة (٩) : آية ٧٤]

يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤)
وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ يدلّ على أن المنافقين كفار وفي قوله:
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا [المنافقون: ٣] دليل قاطع. وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ (أن) في موضع نصب. فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ شرط ومجازاة، وكذا وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ.

[سورة التوبة (٩) : آية ٧٥]

وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)
وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ في موضع رفع.

[سورة التوبة (٩) : آية ٧٧]

فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)
فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً مفعولان. إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ في موضع خفض.

[سورة التوبة (٩) : آية ٧٩]

الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩)
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ في موضع رفع بالابتداء والأصل المتطوّعين أدغمت التاء في الطاء. وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ في موضع خفض عطف على المؤمنين ولا يجوز أن يكون عطفا على المطّوّعين لأنك لو عطفت عليهم
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٧٤ من سورة التوبة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الآية. [٧٤].
قال الضحاك: خرج المنافقون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك فكانوا إذا خلا بعضهم إلى بعضه سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وطعنوا في الدين، فنقَل ما قالوا حذيفَةُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال [لهم] رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم، فحلفوا ما قالوا شيئاً من ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذاباً لهم.
وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلين اقتتلا، رجل من جُهَيْنَة ورجل من غفار، فظهر الغِفَارِيّ على الجُهَيْنيّ، فنادى عبد الله بن أبيّ: يا بني الأوْس، انصروا أخاكم فوالله ما مَثْلُنَا ومثَلُ محمد إلا كما قال القائل: سمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعَزُّ منها الأذل، فسمع بها رجل من المسلمين، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره فأرسل إليه، فجعل يحلف بالله ما قال، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [٧٤].
قال الضحاك: هموا أن يدفعوا [النبي صلى الله عليه وسلم] ليلة العَقَبة، وكانوا قوماً قد أجمعوا على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم معه. فجعلوا يلتسمون غِرّته، حتى أخذ في عَقَبَةٍ، فتقدَّم بعضهم، وتأخر بعضهم، وذلك كان ليلاً، قالوا: إذا أخذ في العقبة دفعناه عن راحلته في الوادي، وكان قائده في تلك الليلة عمَّار بن ياسر، وسائقه حُذَيفة، فسمع حُذَيفة وقع أخفاف الإبل، فالتفت فإذا هو بقوم متلثمين، فقال: إليكم [إليكم] يا أعداء الله، فأمسكوا ومضى النبي عليه السلام حتى نزل منزله الذي أراد، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾.

الموضوعات القرآنية للآية ٧٤ من سورة التوبة

٦ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣٥ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآية، وتفسيرها

٢٧ قولًا
١
عن أبي صالحٍ باذام: ﴿وهمُّوا بما لمَ ينالُوا﴾، قال: همُّوا أن يُتَوِّجوا عبدَ الله بن أُبَيٍّ بتاجٍ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق محمد بن يزيد- في قوله: ﴿وهمُّوا بما لم ينالُوا﴾، قال: أرادوا أن يُتَوِّجوا عبدَ الله بن أُبَيٍّ، وإن لم يرضَ محمدٌ ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٤٥. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ مِن قتل النبيِّ ﷺ، يعني: المنافقين أصحابَ العقبة، ليلة همُّوا بقتل النبي ﷺ بالعَقَبَة بغزوة تبوك، منهم عبد الله بن أُبَيٍّ رأس المنافقين، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن أُبَيْرِق، والجلاس بن سويد، ومجمع بن حارثة، وأبو عامر بن النعمان، وأبو الخواص، ومرارة بن ربيعة، وعامر بن الطفيل، وعبد الله بن عتيبة، ومليح التميمي، وحصن بن نمير، ورجل آخر، هؤلاء اثنا عشر رجلًا، وتاب أبو لبابة بن عبد المنذر، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك الشاعر، وكانوا خمسة عشر رجلًا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٨٣-١٨٤، كذا وردت الأسماء في المطبوعة، ولا يخفى ما فيها من وهم وتصحيف، وينظر حاشية الصفحة قبل السابقة.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: قُتِل رجلٌ على عهد النبيِّ ﷺ، فجعل دِيَتَه اثني عشر ألفًا. وذلك قوله: ﴿وما نقمُوا إلّا أن أغناهُمُ الله ورسوُلُهُ من فضلِهِ﴾، قال: بأخذهم الدِّيَةَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن ماجه (٢٦٣٢)، والترمذي ٣‏/‏٦٤ (١٣٨٨)، والنسائي في الكبرى (ت: شعيب الأرناؤوط) ٦‏/‏٣٥٦ (٦٩٧٨)، وابن جرير ١١‏/‏٥٧٥، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٤٥، والبيهقي في سننه ٨‏/‏٧٨. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ، وابن مردويه. ضعَّفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه (٥٧٧).
٥
عن عروة بن الزبير -من طريق هشام- قال: كان جُلاسٌ يحملُ حَمالةً، أو كان عليه دَينٌ، فأدّى عنه رسولُ الله ﷺ، فذلك قولُه: ﴿وما نقمُوا إلّا أنْ أغناهُمُ الله ورسوُلُهُ من فضْله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٥٧٤ بنحوه، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٤٦.
٦
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق عمرو-: أنّ مولًى لبني عديِّ بن كعب قتل رجلًا من الأنصارِ، فقضى النَّبِيُّ ﷺ بالدِّيَة اثني عشر ألفًا، وفيه نزلت: ﴿وما نقموا إلّا أن أغناهُمُ الله ورسوُلُهُ من فضْلهِ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق (١٧٢٧٣)، وسعيد بن منصور (١٠٢٥- تفسير)، وابن أبي شيبة ٩‏/‏١٢٦، وابن جرير ١١‏/‏٥٧٤-٥٧٥، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٤٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه.
٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وما نقمُوا إلّا أن أغناهُمُ الله ورسوله من فضلهِ﴾، قال: كانت لعبد الله بن أُبَيٍّ له دِيَةٌ قد غُلِب عليها، فأخرجها له رسولُ الله ﷺ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٥٧٤، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٤٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف فيمن كانت له الدية، وهو ما علَّق عليه ابنُ عطية (٤/٣٦٦) بقوله: «وهذا بحسب الخلاف المتقدم فيمن نزلت الآية من أولها».
٨
عن الضحاك بن مُزاحِم، في قوله: ﴿يحلفون بالله ما قالوا﴾، قال: هم الذين أرادوا أن يدفعوا النبيَّ ﷺ ليلةَ العقبة، وكانوا قد أجمعوا أن يقتلوا رسول الله ﷺ وهم معه في بعض أسفاره، فجعلوا يلتمسون غِرَّته، حتى أخذ في عَقَبَةٍ، فتقدَّم بعضُهم، وتأخَّر بعضُهم، وذلك ليلًا، قالوا: إذا أخذ في العَقَبَة دفعناه عن راحلته في الوادي. فسمع حذيفةُ وهو يسوق النبيَّ ﷺ، وكان قائدُه تلك الليلة عمارَ بن ياسر، وسائقُه حذيفةَ بن اليمان، فسمع حذيفةُ أخفافَ الإبل، فالتَفَتَ، فإذا هو بقومٍ مُتَلَثِّمِين، فقال: إليكم إليكم، يا أعداء الله. فأَمْسَكوا، ومضى النبيُّ ﷺ حتى نزل منزِلَه الذي أراد، فلمّا أصبح أرسل إليهم كلِّهم، فقال: «أردتُم كذا وكذا؟». فحلفوا باللهِ ما قالوا، ولا أرادُوا الذي سألهم عنه، فذلك قولُه: ﴿يحلفون باللهِ ما قالوا ولقدْ قالوا كلمةَ الكُفرِ﴾ الآية١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٤٤ (١٠١١١). وأورده الواحدي في أسباب النزول ص٢٥١-٢٥٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ كثير (٧/٢٤٠) على هذا القول بقوله: «وذلك بين فيما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة من حديث محمد بن إسحاق، عن الأعمش عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن حذيفة بن اليمان...» وساق الأثر التالي.
٩
عن حذيفة بن اليمان، قال: كنتُ آخِذًا بخِطام ناقةِ رسول الله ﷺ أقود به وعَمّارٌ يسوقُه، أو أنا أسوقُه وعمارٌ يقودُه، حتى إذا كُنّا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكبًا قد اعترضوا فيها. قال: فأنبهتُ رسولَ الله ﷺ، فصرخ بهم، فولَّوا مدبرين، فقال لنا رسول الله ﷺ: «هل عرفتم القومَ؟». قلنا: لا، يا رسول الله، كانوا مُتَلَثِّمين، ولكِنّا قد عرفنا الرِّكابَ. قال: «هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، هل تدرُون ما أرادُوا؟». قلنا: لا. قال: «أرادوا أن يَزحَموا رسول الله في العَقَبَة، فيُلْقُوه منها». قلنا: يا رسول الله، ألا تَبْعَثُ إلى عشائرهم حتى يَبْعَثَ إليك كلُّ قومٍ برأسِ صاحبهم؟ قال: «لا، إنِّي أكْرَه أن تَحَدَّث العربُ بينها: أنّ محمدًا قاتَل بقومٍ، حتى إذا أظهره اللهُ بهم أقبل عليهم يقتُلُهم». ثم قال: «اللَّهُمَّ، ارْمِهم بالدُّبَيْلَةِ١». قلنا: يا رسول الله، وما الدُّبَيْلَةُ؟ قال: «شِهابٌ مِن نار، يَقَعُ على نِياطِ قلب أحدِهم، فيهلِكُ»٢
التخريج
  1. ١الدُّبْلة والدُّبَيْلَة: هي خُراج ودُمَّل كبير تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالبًا. والدُّبَيلة: الداهية. لسان العرب (دبل).
  2. ٢أخرجه الطبراني في الأوسط ٨‏/‏١٠٢ (٨١٠٠)، والبيهقي في دلائل النبوة ٥‏/‏٢٦٠-٢٦١ واللفظ له. قال الهيثمي في المجمع ١‏/‏١٠٩-١١٠ (٤٢٢): «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن سلمة، وثَّقه جماعة، وقال البخاري: لا يتابع على حديثه». وقال السيوطي في الخصائص الكبرى ١‏/‏٤٦٣ مُعَلِّقًا على رواية البيهقي: «سند صحيح».
١٠
قال الحسن البصري: لَقِي رجلٌ من المنافقين رجلًا من المسلمين؛ فقال: إن كان ما يقول محمدٌ حقًّا فنحن شَرٌّ مِن الحُمُر. فقال المسلم: أنا أشهد أنّه لَحَقٌّ، وأنّك شَرٌّ مِن حمار. ثم أخبر بذلك النبيَّ ﷺ، فأرسل النبيُّ إلى المنافق: أقُلْتَ كذا؟ فحلف باللهِ ما قاله، وحلف المسلمُ لقد قاله؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم﴾ بعد إقرارهم، ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏٢٢٠-.
١١
عن محمد بن سيرين، قال: قال رجلٌ من المنافقين: لَئِن كان محمدٌ صادِقًا فيما يقول لَنَحْنُ شَرٌّ مِن الحمير. فقال له زيدُ بن أرقم: إنّ محمدًا لَصادقٌ، ولأنت شَرٌّ مِن الحمار. فكان فيما بينهما ذلك كلامٌ، فلمّا قدموا على النبي ﷺ، فأخبره، فأتاه الآخَرُ، فحلف بالله ما قال؛ فنزلت: ﴿يحلفونَ بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكُفرِ﴾. فقال رسول ﷺ لزيد بن أرقمَ: «وفَتْ أُذُنك»١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
١٢
عن محمد بن سيرين -من طريق هشام بن حسّان- قال: لَمّا نزل القرآنُ أخذ النَّبِيُّ ﷺ بأُذُن عمير، فقال: «وفَتْ أذنُك، يا غلامُ، وصدَّقك ربُّك»١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١٠‏/‏٤٧ (١٨٣٠٤).
١٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ذُكِر لنا: أنّ رجلين اقتتلا؛ أحدُهما مِن جُهينةَ، والآخرُ مِن غِفارٍ، وكانت جُهَيْنةُ حلفاءَ الأنصارِ، فظهَر الغِفاريُّ على الجُهَنيِّ، فقال عبد الله بن أُبَيٍّ للأوسِ: انصُروا أخاكم، واللهِ، ما مثَلُنا ومثَلُ محمدٍ إلا كما قال القائل: سمِّنْ كلبَك يأكلْكَ. واللهِ، لَئِن رجَعنا إلى المدينةِ ليُخرِجن الأعزُّ منها الأذلَّ. فسعى بها رجلٌ من المسلمين إلى رسول الله ﷺ، فأَرْسَل إليه فسأله، فجعَل يحلِفُ باللهِ ما قاله؛ فأنزَل الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا﴾ الآية١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٥٧٢، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٤٣-١٨٤٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ عطية (٤/٣٦٦)على هذا القول بقوله: «والإشارة بكلمة الكفر إلى تمثيله: سمِّن كلبك يأكلك».
١٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا ولَقَد قالُوا كَلِمَةَ الكُفرِ﴾، قال: نزَلت في عبد الله بن أبيِّ بن سَلُول١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٨٣، وابن جرير ١١‏/‏٥٧٢.
١٥
قال محمد بن السائب الكلبي: نزلت في الجلاس بن سويد، وذلك أنّ رسول الله ﷺ خَطَب ذات يوم بتبوك، فذكر المنافقين، وسمّاهم رِجْسًا، وعابهم، فقال جلاس: لئن كان محمد صادقًا لنحن شَرٌّ من الحمير. فسمعه عامر بن قيس، فقال: أجل، إنّ محمدًا لَصادق، وأنتم شَرٌّ مِن الحمير. فلمّا انصرف رسولُ الله ﷺ إلى المدينة أتاه عامر بن قيس، فأخبره بما قال الجلاس، فقال الجلاس: كذب عَلَيَّ، يا رسول الله. وأمرهما رسولُ الله ﷺ أن يحلفا عند المنبر، فقام الجلاس عند المنبر بعد العصر، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما قاله، ولقد كذب عَلَيَّ عامر، ثم قام عامر، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد قاله، وما كذبتُ عليه، ثم رفع يديه إلى السماء، وقال: اللَّهُمَّ، أنزِل على نبيِّك تصديق الصادق مِنّا. فقال رسول الله ﷺ والمؤمنون: «آمين». فنزل جبريلُ عليه السلام قبل أن يتفرَّقا بهذه الآية، حتى بلغ: ﴿فإن يتوبوا يك خيرا لهم﴾. فقام الجلاس، فقال: يا رسول الله، أسْمَعُ اللهَ عز وجل قد عَرَضَ عَلَيَّ التوبةَ، صَدَق عامرُ بن قيس فيما قاله، لقد قلتُه، وأنا أستغفر اللهَ وأتوب إليه. فقَبِل رسولُ الله ذلك منه، وحَسُنَت توبته١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٤‏/‏٧٤-٧٥.
١٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾، وذلك أنّ النبيَّ ﷺ أقام في غزاة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن، ويعيب المنافقين المتخلفين، جعلهم رجسًا، فسَمِع مَن غزا مع النبي ﷺ مِن المنافقين، فغضبوا لإخوانهم المُتَخَلِّفين، فقال جلاس بن سويد بن الصامت: وقد سمع عامر بن قيس الأنصاري -من بني عمرو بن عوف- الجلاس يقول: واللهِ، لَئِن كان ما يقول محمدٌ حقًّا لِإخواننا الذين خلفناهم وهم سُراتُنا وأشرافنا لَنَحْنُ أشَرُّ من الحمير. فقال عامر بن قيس للجلاس: أجلْ، واللهِ، إنّ محمدًا لصادِقٌ مُصَدَّقٌ، ولأنت أشَرُّ مِن الحمار. فلمّا قدم النبيُّ ﷺ المدينةَ أخبر عاصمُ بنُ عدي الأنصاريُّ عن قول عامر بما قال الجلاس، فأرسل النبيُّ ﷺ إلى عامر والجلاس، فذكر النبيُّ ﷺ للجلاس ما قال، فحلف الجلاس بالله ما قال ذلك، فقال عامر: لقد قاله وأعظمَ منه. فقال النبي ﷺ: «ما هو؟». قال: أرادوا قتلك. فنفر الجلاس وأصحابه من ذلك، فقال النبي ﷺ: «قُوما، فاحْلِفا». فقاما عند المنبر، فحلف الجلاس ما قال ذلك، وأنّ عامرًا كذب، ثم حلف عامر باللهِ إنّه لصادق ولقد سمع قوله، ثم رفع عامر يده فقال: اللَّهُمَّ، أنزِل على عبدك ونبيِّك تكذيب الكاذب، وصِدْقَ الصادق. فقال النبيُّ ﷺ: «آمين». فأنزل في الجلاس: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ يعني: بعد إقرارهم بالإيمان، ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ مِن قتل النبيِّ ﷺ بالعَقَبة، ﴿وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ فقال الجلاس: فقد عرض الله عَلَيَّ التوبةَ، أجلْ، واللهِ، لقد قُلْتُه. فصدَّق عامِرًا، وتاب الجلاس، وحسنت توبته١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٨٢-١٨٣.
١٧
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: كان الذي قال تلك المقالة -فيما بلغني- الجلاس بن سويد بن الصامت، فرفعها عنه رجلٌ كان في حِجْرِه يُقال له: عمير بن سعيد، فأنكر، فحلف بالله ما قالها، فلما نزل فيه القرآن تابَ ونزع، وحسنت توبته، فيما بلغني١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٥٧٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في الذي نزلت فيه هذه الآية، والقول الذي كان قاله، الذي أخبر الله عنه أنه يحلف بالله ما قاله، على أقوال: الأول: الجلاس بن سويد بن الصامت، قال: إن كان ما جاء به محمد حقًّا فنحن شر من الحمير. ثم حلف أنه ما قال. والثاني: هو عبد الله بن أبي بن سلول. قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. والثالث: هم جماعة من المنافقين قالوا ذلك. ورجَّح ابنُ جرير (١١/٥٧٢) جوازَ تلك الأقوال مستندًا إلى العموم، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يُقال: إنّ الله تعالى أخبر عن المنافقين أنّهم يحلفون بالله كذِبًا على كلمة كفر تكلموا بها أنهم لم يقولوها، وجائز أن يكون ذلك القول ما روي عن عروة أنّ الجلاس قاله، وجائز أن يكون قائله عبد الله بن أبي ابن سلول. والقول ما ذكره قتادة عنه أنه قال، ولا علم لنا بأيِّ ذلك مِن أيٍّ؛ إذ كان لا خبر بأحدهما يُوجِب الحجة، ويتوصل به إلى يقين العلم به، وليس مما يدرك علمه بفطرة العقل، فالصواب أن يُقال فيه كما قال الله -جل ثناؤه-: ﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم﴾».
١٨
عن عبد الله بن عباسٍ -من طريق مجاهد- في قوله: ﴿وهمُّوا بما لمْ ينالُوا﴾، قال: همَّ رجلٌ -يُقالُ له: الأسودُ- بقتلِ رسول الله ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٤٥، والطبراني في الأوسط (١٧٥٩). وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ، وابن مردويه.
١٩
عن عروة بن الزبير -من طريق أبي الأسود- قال: رجع رسولُ الله ﷺ قافِلًا من تبوك إلى المدينة، حتى إذا كان ببعض الطريق مَكَرَ برسول الله ﷺ ناسٌ مِن أصحابه، فتآمروا أن يطرحوه مِن عَقَبَةٍ في الطريق، فلمّا بلغوا العَقَبةَ أرادوا أن يسلُكوها معه، فلمّا غشيهم رسولُ الله ﷺ أُخْبِر خبرَهم، فقال: «من شاء منكم أن يأخُذَ بطن الوادي؛ فإنّه أوسع لكم». وأخذ رسولُ الله ﷺ العقبةَ، وأخذ الناسُ ببَطْن الوادي، إلا النَّفَرَ الذين مكروا برسول الله ﷺ، لَمّا سمعوا ذلك استعدُّوا وتلَثَّموا، وقد همُّوا بأمرٍ عظيمٍ، وأمر رسولُ الله ﷺ حذيفةَ بنَ اليمانِ وعمارَ بن ياسرٍ فمشيا معه مشيًا، فأمر عمارًا أن يأخذ بزمام الناقة، وأمر حذيفة يسُوقُها، فبينما هم يسيرُون إذ سمعوا وكْزةَ١ القوم من ورائهم قد غشُوه، فغضِب رسولُ الله ﷺ، وأمر حذيفة أن يردَّهم، وأبصر حذيفةُ غضب رسول الله ﷺ، فرجع ومعَه مِحْجَنٌ٢، فاستقبل وجوه رواحلهم، فضربها ضربًا بالمِحْجَن، وأبصر القومُ وهم مُتَلَثِّمون لا يشعرُ، إنما ذلك فعل المسافرِ، فرَعَبَهم اللهُ حين أبصروا حذيفةَ، وظنُّوا أن مكرَهم قد ظُهِر عليه، فأسرعوا حتى خالطوا الناسَ، وأقْبَل حذيفة حتى أدرك رسول الله ﷺ، فلمّا أدركه قال: «اضربِ الراحلةَ، يا حذيفةُ، وامشِ أنت، يا عمارُ». فأسرعوا حتى استووا بأعلاها، فخرجوا مِن العَقَبة ينتظرون الناس، فقال النبيُّ ﷺ لحذيفة: «هل عرفْتَ -يا حذيفةُ- مَن هؤلاءِ الرهط، أو أحدًا مهم؟». قال حذيفةُ: عرفتُ راحلةَ فلانٍ وفلانٍ. وقال: كانتْ ظلمة الليل، وغَشِيتُهم وهم مُتَلَثِّمون. فقال النبيُّ ﷺ: «هل علمتُم ما كان شأنهم وما أرادوا؟». قالوا: لا، واللهِ، يا رسول الله. قال: «فإنّهم مَكَروا ليسيروا معي، حتى إذا طلعتُ في العقبة طرحوني منها». قالوا: أفلا تأمر بهم -يا رسول الله- فتُضرب أعناقُهم؟ قال: «أكره أن يتحدَّث الناسُ ويقولوا: إنّ محمدًا وضع يده في أصحابه». فسمّاهم لهما، وقال: «اكْتُماهم»٣
التخريج
  1. ١الوَكْز: العَدْو والإسراع. تاج العروس (وكز).
  2. ٢المِحْجَنُ: العصا المُعوجّة. لسان العرب (حجن).
  3. ٣أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٥‏/‏٢٥٦-٢٥٧.
٢٠
عن محمد بن إسحاق -من طريق يونس- نحوه. وزاد بعد قوله لحذيفة: «هل عرفتَ مِن القوم أحدًا». فقال: لا. فقال رسول الله ﷺ: «إنّ الله قد أخبرني بأسمائهم وأسماءِ آبائهم، وسأخبرُك بهم -إن شاء اللهُ- عند وجه الصبح». فلمّا أصبح سمّاهم له؛ عبد الله بن أُبيٍّ١، وسعد بن أبي سرحٍ٢، وأبا حاصرٍ الأعرابيَّ، وعامرًا، وأبا عامرٍ، والجُلاس بن سويد بن الصامتِ، ومجمِّع بن جاريةَ، ومليحًا التيميَّ، وحصين بن نميرٍ، وطعمةَ ابن أُبيرقٍ، وعبد الله بن عيينة، ومرة بن ربيع، فهم اثنا عشر رجلًا، حاربوا الله ورسوله وأرادوا قتله، فأَطْلَع اللهُ نبيَّه ﷺ على ذلك، وذلك قوله عز وجل: ﴿وهمُّوا بما لمْ ينالُوا﴾. وكان أبو عامر رأسهم٣، وله بنوا مسجد الضرار، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة٤٥
التخريج
  1. ١وجاء عند البيهقي: «قال: ادع عبد الله. أظنه ابن سعد بن أبي سرح، وفي الأصل: عبد الله بن أبي، وسعد بن أبي سرح، إلا أن ابن اسحاق ذكر قبل هذا أنّ ابن أبي تخلف في غزوة تبوك، ولا أدري كيف هذا». وقال ابن القيم في زاد المعاد ٣‏/‏٥٤٦، ٥٤٨: «ما ذكرنا من قوله -يريد ابن إسحاق-: فيهم عبد الله بن أبي، وهو وهم ظاهر، وقد ذكر ابن إسحاق نفسه أن عبد الله بن أبي تخلف في غزوة تبوك».
  2. ٢قال ابن القيم في زاد المعاد ٣‏/‏٥٤٨: «الثالث: أن قوله: وسعد بن أبي سرح. وهْمٌ أيضًا، وخطأ ظاهر، فإنّ سعد بن أبي سرح لم يعرف له إسلام البتة، وإنما ابنه عبد الله كان قد أسلم وهاجر، ثم ارتد ولحق بمكة، حتى استأمن له عثمان النبي ﷺ عام الفتح، فأمَّنه، وأسلم فحسن إسلامه، ولم يظهر منه شيء ينكر عليه، ولم يكن مع هؤلاء الاثنى عشر البتة، فما أدري ما هذا الخطأ الفاحش».
  3. ٣قال ابن القيم في زاد المعاد ٣‏/‏٥٤٨-٥٤٩: «قوله: وكان أبو عامر رأسهم. وهذا وهم ظاهر لا يخفى على مَن دون ابن إسحاق، بل هو نفسه قد ذكر قصة أبي عامر هذا في قصة الهجرة، عن عاصم بن عمر بن قتادة، أنّ أبا عامر لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة خرج إلى مكة ببضعة عشر رجلًا، فلمّا افتتح رسول الله ﷺ مكة خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف خرج إلى الشام فمات طريدًا وحيدًا غريبًا، فأين كان الفاسق وغزة تبوك ذهابًا وإيابًا؟!».
  4. ٤أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٥‏/‏٢٥٧-٢٥٩ بنحوه، وفيه: والجلاس بن سويد بن الصامت، وهو الذي قال: لا ننتهي حتى نرمي محمدًا من العقبة الليلة، ولئن كان محمد وأصحابه خيرًا منا إنّا إذًا لَغنم وهو الراعي، ولا عقل لنا.
تعليقات المحققين
  1. ٥ذكر ابنُ عطية (٤/٣٦٦-٣٦٧) أنّ فرقة قالت: إنّ الجلاس هو الذي هَمَّ بقتل رسول الله ﷺ. وعلَّق عليه بقوله: «وهذا يشبه الآية، إلا أنّه غير قوي السند».
٢١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في الآية، قال: قال أحدهم: إن كان ما يقول محمدٌ حقًّا لَنحن شرٌّ مِن الحمير. فقال رجل مِن المؤمنين: فواللهِ، إنّ ما يقول محمدٌ لَحَقٌ، ولأنت شَرٌّ مِن حمارٍ. فهمَّ بقتله المنافقُ، فذلك همُّهم بما لم يَنالوا١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣٧٢، وأخرجه ابن جرير ١١‏/‏٥٧١، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٤٥. وذكرنحوه يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏٢٢٠-. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر.
٢٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق جابر- في قوله: ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾، قال: رجل مِن قريش هَمَّ بقتل رسول الله ﷺ، يُقال له: الأسود١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٥٧٣، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٤٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَد ابنُ عطية (٤/٣٦٦) هذا القول، فقال: «وهذا لا يناسب الآية».
٢٣
عن كعب بن مالك، قال: لَمّا نزَل القرآنُ فيه ذِكْرُ المنافقين قال الجُلاسُ: واللهِ، لَئِن كان هذا الرجلُ صادِقًا لَنَحْنُ شرٌّ مِن الحميرِ. فسمِعه عميرُ بن سعدٍ، فقال: واللهِ، يا جُلاسُ، إنّك لَأَحَبُّ الناسِ إلَيَّ، وأحسنُهم عندي أشَرًا، وأعزُّهم عليَّ أن يَدخُلَ عليه شيءٌ يكرَهُه، ولقد قلتَ مقالةً لَئِن ذكَرتُها لتَفضحَنَّك، ولئن سَكَتُّ عنها لَتُهْلِكَنِّي، ولَأحدهما أشَدُّ عَلَيَّ مِن الأُخرى. فمشى إلى رسول الله ﷺ، فذكَر له ما قال الجُلاسُ، فحلَف باللهِ ما قال، ولقد كذَب عليَّ عُمَيرٌ. فأنزَل اللهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا ولَقَد قالُوا كَلِمَةَ الكُفرِ﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ١‏/‏٥١٩-٥٢٠-، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٤٣.
٢٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: كان رسولُ الله ﷺ جالِسًا في ظلِّ شجرةٍ، فقال: «إنّه سيَأتيكم إنسانٌ ينظُرُ إليكم بعَيْنَيْ شيطانٍ، فإذا جاء فلا تُكلِّموه». فلم يَلبَثوا أن طلَع رجلٌ أزرقُ، فدعاه رسول الله ﷺ، فقال: «علامَ تَشتُمُني أنت وأصحابُك؟». فانطلَق الرجلُ، فجاء بأصحابهِ، فحلَفوا باللهِ ما قالوا، حتى تجاوَز عنهم؛ فأنزل الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٤‏/‏٢٣١-٢٣٢ (٢٤٠٧، ٢٤٠٨)، ٥‏/‏٣١٦-٣١٧ (٣٢٧٧)، والحاكم ٢‏/‏٥٢٤ (٣٧٩٥)، وابن جرير ١١‏/‏٥٧١-٥٧٢. وأورده والثعلبي ٥‏/‏٦٩. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه». وقال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف ٣‏/‏٤٣٢: «رواه أحمد، وابن أبي شيبة، والبزار في مسانيدهم، ورواه الطبراني في معجمه، والبيهقي في دلائل النبوة، والواحدي في أسباب النزول، والطبري وابن أبي حاتم في تفسيريهما، وهذا سند جيد، وابن مردويه أيضًا». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏١٢٢ (١١٤٠٨): «رواه أحمد، والبزار، ورجال الجميع رجال الصحيح».
٢٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- قال: كان الجُلاسُ بن سويد بن الصّامِت مِمَّن تخلَّف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وقال: لَئِن كان هذا الرجلُ صادِقًا لَنَحْن شَرٌّ من الحميرِ. فرفَع عميرُ بنُ سعدٍ إلى رسول الله ﷺ، فحلَف الجُلاسُ باللهِ لقد كذَب عَلَيَّ، وما قُلْتُ. فأنزَل الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا﴾ الآية. فزعَموا أنّه تاب، وحسُنت توبتُه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٤٣، من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس. قال السيوطي في الإتقان ٦‏/‏٢٣٣٦ عن هذه الطريق: «هي طريق جيدة، وإسنادها حسن، وقد أخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيرًا».
٢٦
عن أنس بن مالك -من طريق عبد الله بن الفضل- قال: سمِع زيدُ بنُ أرقمَ رجلًا مِن المنافقين يقولُ والنبيُّ ﷺ يَخطُبُ: إن كان هذا صادقًا لَنَحْن شَرٌّ مِن الحمير. فقال زيدٌ: هو -واللهِ- صادقٌ، ولأنت شَرٌّ مِن الحمار. فرُفِع ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فجَحَد القائلُ؛ فأنْزَل اللهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا﴾ الآيةَ. فكانت الآيةُ في تصديقِ زيدٍ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٤٢-١٨٤٣، والبيهقي في الدلائل ٤‏/‏٥٧. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ، وابن مردويه.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ عطية (٤/٣٦٥) على هذا القول بقوله: «والإشارة بكلمة الكفر إلى قوله: إن كان ما يقول محمد حقًّا فنحن شر من الحمر. لأنّ التكذيب في قُوَّة هذا الكلام».
٢٧
عن عروةَ بن الزبير -من طريق ابنه هشام-: أنّ رجلًا مِن الأنصار -يُقال له: الجُلاسُ بن سُويدٍ- قال ليلةً في غزوة تبوك: واللهِ، لَئِن كان ما يقول مُحَمَّدٌ حقًّا لَنَحْنُ شرٌّ مِن الحمير. فسمعه غلامٌ يُقال له: عمير بنُ سعدٍ، وكان ربيبَه، فقال له: أيْ عمِّ، تُبْ إلى الله. وجاء الغلامُ إلى النبيِّ ﷺ، فأخبره، فأرسل النبيُّ ﷺ إليه، فجعل يحلفُ ويقولُ: واللهِ، ما قلتُهُ، يا رسول الله. فقال الغلامُ: بلى، واللهِ، لقد قلتَه، فتُبْ إلى الله، ولولا أن ينزل القرآن فيجعلني معك ما قلتُه. فجاء الوحيُ إلى النبيِّ ﷺ، فسكتوا فلا يتحرَّك أحدٌ، وكذلك كانوا يفعلون، لا يتحرَّكون إذا نزل الوحيُ، فرُفِع عن النبيِّ ﷺ، فقال: ﴿يحلفُون باللهِ ما قالُوا ولقد قالوا كلمةَ الكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿فإن يتوبوا يكُ خيرًا لهُمْ﴾. فقال: قد قلتُه، وقد عرض الله عَلَيَّ التوبة، فأنا أتوب. فقُبِل ذلك منه، وكان له قتيٌل في الإسلام، فوَداه رسولُ الله ﷺ، فأعطاه ديتَه، فاستغنى بذلك، وكان هَمَّ أن يَلحقَ بالمشركين، وقال النبيُّ ﷺ للغلام: «وفَتْ أُذنُك»١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١٠‏/‏٤٦ (١٨٣٠٣)، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٤‏/‏٢٧٧-٢٧٨ في ترجمة عمير بن سعد، وابن جرير ١١‏/‏٥٦٩-٥٧٠، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٤٦ (١٠٤٠٣).

تفسير

٧ أقوال
١
عن الحسن، أنّ رسول الله قال: «إنّ قومًا قد همُّوا بِهَمِّ سوءٍ، وأرادوا أمرًا، فليقوموا فليستغفروا». فلم يَقُمْ أحدٌ، ثلاثَ مرارٍ، فقال: «قُمْ، يا فلان، قُم، يا فلان». فقالوا: نستغفر الله، نستغفر الله. فقال رسول الله: «واللهِ، لَأنا دَعَوْتُكم إلى التوبة، واللهُ أسرعُ إليكم بها، وأنا أطيبُ لكم نفسًا بالاستغفار، اخرجوا»١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢
عن عروة بن الزبير -من طريق ابنه هشام- ﴿فإن يتوبوا يك خيرا لهم﴾، قال: قال الجلاس: قد استثنى الله لي التوبة، فأنا أتوب. فقَبِل منه رسولُ الله ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٥٧٦، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٤٦.
٣
عن الضحاك بن مُزاحِم، قال: ثُمَّ دعاهم إلى التوبة، فقال: ﴿فإن يتوبوا يكُ خيرًا لهم وإن يتولَّوا يُعذبهم اللهُ عذابًا أليمًا في الدُّنيا والآخرةِ﴾، فأمّا عذابُ الدنيا فالقَتلُ، وأمّا عذابُ الآخرة فالنارُ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٤
قال محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قوله: ﴿وإن يتولوا﴾، قال: على كفرهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٤٦.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وإنْ يَتَوَلَّوْا عن التوبة يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا﴾ يعني: شديدًا ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٨٤.
٦
عن الضحاك بن مُزاحِم، قال: قال لي ابنُ عباسٍ: احفَظْ عنِّي: كلُّ شيءٍ في القرآن ﴿وما لهم في الأرضِ من وليٍ ولا نصيرٍ﴾ فهي للمشركين، فأمّا المؤمنون فما أكْثَرَ أنصارهم وشفعائهم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن ولِيٍّ﴾ يمنعهم، ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ يعني: مانع من العذاب١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٨٤.

آثار متعلقة بالآية

قول واحد
١
عن نافع بن جبير بن مطعم، قال: لم يُخبِرْ رسولُ الله ﷺ بأسماء المنافقين الذين تَحَسُّوه ليلة العقبة بتبوك غيرَ حذيفةَ، وهم اثنا عشر رجلًا، ليس فيهم قُرَشِيٌّ، وكلُّهم من الأنصار أو مِن حُلفائهم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن سعد.
التفسير بالمأثور لسورة التوبة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٧٤ من سورة التوبة

١٤ وقفةً في هذه الآية

  • "ولقد قالوا كلمة الكفر" كم هو خبيث هذا الكفر ! كلمة منه تجعل الجسد خبيثا .. لا يليق إلا بجهنم !

    — #إشراقات براءة

  • ( فإن يتوبوا يكُ خيراً لهم..)أنت على موعد مع الخير كل يوم وأسهل الطرق إليه طريق التوبة !!

    — عايض المطيري

  • "وهموا بما لم ينالوا" هذه العبارة كفيلة بأن يعلن العربي القح أن هذا الكلام كلام الله : فخامة .. جلال .. اختصار .. إحكام .

    — #إشراقات براءة

  • "وهموا بما لم ينالوا" لقد أوهن الله كيد المنافق حتى بات عمله لشدة فشله وكأنه مجرد هم .. لم يعمله أصلا.

    — #إشراقات براءة

  • (فإن يتوبوا يكُ خيراً لهم..) أنت على موعد مع الخير كل يوم.. .

    — وليد العاصمي

  • الشدة في بعض آيات سورة التوبة ليست للانتقام إنما يقصد بها تحريك القلوب والعقول للتوبة فبعد كل شدة دعوة رحيمة للتوبة (فإن يتوبوا يك خيرا لهم)

    — مجالس التدبر

  • ﴿فإن يتوبوا يك خيرا لهم﴾ رغم كفرهم ونفاقهم ومكرهم وكذبهم وتكذيبهم وغدرهم يذكرهم بالتوبة ويبقي لهم باب الأوبة مفتوحًا. فما أعظم رحمة الله

    — مجالس التدبر

  • دورة الطريق إلي براء (تدبرات في سورة التوبة) آية 74

    — حازم شومان

  • كثرة الحَلِف أمارةُ نفاق!

    — ميساء سمير الجارودي

  • * (مَا قَالُوا) لم تأتى بصيغة (لم يقولوا) : (ما قال) للرد على قول أو دعوى، هي نفي لـ (لقد قال - ما قال)، (لم يقل) ليست بالضرورة أن تكون رداً على قائل ولكن هي نفي لـ(قال) وقد تكون من باب الإخبار، (قال لم - يقل). (ما فعل) يقترن بها (لقد فعل)، (لم يفعل) يقترن بها (هو فعل).

    — مختصر لمسات بيانية

  • أمثال القرآن الكريم

    — عبدالرحمن بن معاضة الشهري

  • *ما دلالة (ما قالوا)ولم لم تأتى بصيغة (لم يقولوا)؟(د.فاضل السامرائي) (ما) في الغالب تقال للرد على قول في الأصل يقولون في الرد على دعوى، أنت قلت كذا؟ أقول ما قلت. أما (لم أقل) قد تكون من باب الإخبار فليست بالضرورة أن تكون رداً على قائل لذلك هم قالوا لم يفعل هي نفي لـ(فعل) بينما ما فعل هي نفي لـ (لقد فعل). حضر لم يحضر، ما حضر نفي لـ قد حضر (يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ (74) التوبة) . (ما فعل) يقترن بها (لقد فعل)،(لم يفعل) يقترن بها (هو فعل).

    — فاضل السامرائي

ووقفتانِ أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ٧٤ من سورة التوبة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(74) They swear by Allāh that they did not say [anything against the Prophet (ﷺ)] while they had said the word of disbelief and disbelieved after their [pretense of] Islām and planned that which they were not to attain.[493] And they were not resentful except [for the fact] that Allāh and His Messenger had enriched them of His bounty.[494] So if they repent, it is better for them; but if they turn away, Allāh will punish them with a painful punishment in this world and the Hereafter. And there will not be for them on earth any protector or helper.
[493]- i.e., the murder of Prophet Muḥammad (ﷺ).
[494]- i.e., for no reason. On the contrary, they should have been grateful.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال