الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال حكاية عنهم :﴿يحلفون بالله ما قالوا﴾[ ٧٤ ]، وذلك أن رجلا من المنافقين، يسمى : الجُلاس بن سويد بن الصامت، قال : إن كان ما جاء به محمد(١) حقا، لنحن شر من الحمير، فقال له ابن امرأته، واسمه عمير بن سعد(٢)، : والله، إن محمدا ﷺ لصادق، ولأنت شر من الحمار، والله لأخبرن رسول الله ﷺ، بما قلت وإلا(٣) أفعل أخاف أن تصيبني قارعة وأؤخذ بخطيئتك، فأعلم الله النبي عليه السلام بذلك، فدعا النبي ﷺ الرجل، فحلف ما قال، فأنزل الله عز وجل :﴿يحلفون بالله ما قالوا﴾ الآية(٤).
قال ابن إسحاق : بلغني أنه لما نزل فيه القرآن، تاب وحسنت توبته(٥).
وقيل : إنه سمعه يقول ذلك، عاصم بن عدي الأنصاري(٦)، وهو الذي أخبر النبي عليه السلام(٧)، بذلك، فأحضر للنبي ﷺ الجُلاس وعامرا، فحلف الجُلاس بالله ما قال ذلك، فقال عامر : والله، لقد قاله، ورفع عامر يديه، وقال : اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب، فقال النبي ﷺ : آمين. فأنزل الله تصديق عامر، فقال الجُلاس : قد عرض الله علي التوبة، والله، لقد قلته وصدق عامر، وتاب الجُلاس وحسنت توبته.
ويروى أن عامرا، قال للنبي ﷺ : إنه ليريد قتلك، وفيه نزل :﴿وهموا بما لم ينالوا﴾، أي : هموا بقتلك ولا ينالونه(٨).
وقال قتادة : نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول، رأى رجلا من غفار، تقاتل مع رجل من جنيهة، وكانت جهينة حلفاء الأنصار، فعلا الغفاري الجهني، فقال عبد الله للأوس(٩) : انصروا أخاكم، فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : سمّن(١٠) كلبك يأكلك، ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل﴾(١١)، فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي ﷺ فأرسل إليه النبي عليه السلام فسأله، فحلف ما قاله، فأنزل الله عز وجل، ﴿يحلفون بالله ما قالوا﴾(١٢).
وقوله :﴿وهموا بما لم ينالوا﴾[ ٧٤ ].
قيل : هو الجُلاس بن سويد [ همّ ](١٣) بقتل ابن امرأته خوفا أن يفشي عليه ما سمع منه(١٤).
وقال مجاهد : همّ(١٥) رجل من قريش يقال له الأسود، بقتل النبي(١٦)، عليه السلام(١٧).
وقيل : هو عبد الله بن أبي بن سلول، هم بإخراج النبي عليه السلام، من المدينة/وهو ما حكاه الله عز وجل، عنه :﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل﴾(١٨).
وقيل : هو الجُلاس، همّ بقتل النبي ﷺ. (١٩).
وقوله :﴿وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله﴾[ ٧٤ ].
والمعنى : أنهم ليس ينقمون شيئا(٢٠).
قال الطبري، وغيره : كان المنافق الذي قال كلمة الكفر، حلف أنه ما قال، قُتل له مولى، فأعطاه رسول الله ﷺ، ديته(٢١)، فأغناه بها، فقال الله عز وجل، ما أنكروا على رسول الله ﷺ، شيئا :﴿إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله﴾(٢٢).
وهو الجُلاس(٢٣).
وقال قتادة : كانت لعبد الله بن أبيّ دية، فأخرجها رسول الله ﷺ [ له ](٢٤).
قوله :﴿فإن يتوبوا يك خيرا لهم﴾[ ٧٤ ].
أي : إن تاب هؤلاء القائلون كلمة الكفر يك ذلك خيرا لهم من النفاق(٢٥).
﴿وإن يتولوا﴾[ ٧٤ ].
أي : يدبروا عن التوبة(٢٦).
﴿يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا﴾[ ٧٤ ].
أي : بالقتل(٢٧)، وفي الآخرة بالنار(٢٨).
﴿وما لهم في الارض من ولي ولا نصير﴾[ ٧٤ ].
يمنعهم من العقاب، ولا نصير ينصرهم من عذاب الله عز وجل.
﴿بما لم ينالوا﴾، وقف(٢٩).
﴿من فضله﴾، وقف(٣٠).
﴿خيرا لهم﴾، وقف(٣١).
١ في الأصل: محمدا، وهو خطأ ناسخ..
٢ هو: عمير بن سعد بن عبيد الأنصاري، من بني عمرو بن عوف، كان يقال له: نسيج وحده، سكن الشام ومات بها. انظر: الاستيعاب ٣/٢٨٩، ٢٩٠، وفيه ذكر قصة سبب النزول..
٣ في المخطوطتين: ولا أفعل، وأثبت ما يستقيم به السياق..
٤ جامع البيان ١٤/٣٦١، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/١٨٤٣، ولباب النقول ٢٠٧، مع زيادة ونقص في بعض ألفاظه..
٥ سيرة ابن هشام ٢/٥٥١.
وقال الحافظ في الإصابة ١/٥٩٩، "جُلاس بن سويد بن الصامت الأنصاري، كان من المنافقين ثم تاب وحسنت توبته"، وينظر: من قال ذلك أيضا في جامع البيان ١٤/٣٦٨، ٣٦٩..

٦ مترجم في الاستيعاب ٢/٣٣٢، ومصادر ترجمته هناك..
٧ في "ر": صلى الله عليه وسلم..
٨ في الأصل: ولا ينالون، ولم أقف عليه..
٩ في المخطوطتين: لأوس وأثبت ما في جامع البيان..
١٠ في الأصل: سمّر، براء مهملة، وهو تحريف ناسخ..
١١ المنافقون آية ٨، وتمامها: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمومنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾..
١٢ جامع البيان ١٤/٣٦٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/١٨٤٣، ١٨٤٤، وأسباب النزول للواحدي ٢٥٦، ٢٥٧. وتفسير ابن كثير ٢/٣٧١، ولباب النقول ٢٠٨، ٢٠٩..
١٣ زيادة من "ر"..
١٤ تفسير ابن كثير ٢/٣٧٢.
وأخرجه الطبري في جامع البيان ١٤/٣٦٥، بإسنادين عن مجاهد، من غير ذكر اسم المنافق، انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٦/١٨٤٤..

١٥ في الأصل: هي، وهو تحريف..
١٦ في "ر": صلى الله عليه وسلم..
١٧ جامع البيان ١٤/٣٦٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/١٨٤٥، وفيه: "عن مجاهد عن ابن عباس"، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٣/٤٧١، عن مجاهد عن ابن عباس. وأخرجه الطبراني عن ابن عباس كما في لباب النقول ٢٠٩..
١٨ جامع البيان ١٤/٣٦٦، وهو من قول قتادة، وقد سلف قريبا..
١٩ هو قول مجاهد، وقد سلف قريبا، ومصادر توثيقه هناك..
٢٠ تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ١٩٠، وتمامه نصه: "ولا يعرفون من الله إلا الصنع الجميل، وهذا..... كقول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائب.
أي: ليس فيهم عيب. وأورده القرطبي في تفسيره ٨/١٣٢..

٢١ في "ر": أحسبه: فاديته، وهو تحريف.
ودى القاتل القتيل يديه دية: إذا أعطى وليه المال الذي هو بدل النفس، وفاؤها محذوفة، والهاء عوض، والأصل: ودية. المصابح/ودى.
وفي التوقيف للمناوي ٣٤٥: "الدية: المال الواجب بالجنابة على الجاني في نفس أو طرف أو غيرهما"..

٢٢ جامع البيان ١٤/٣٦٦..
٢٣ وهو قول عروة، في جامع البيان ١٤/٣٦٦، وزاد المسير ٣/٤٧٢، وهو في تفسير البغوي ٤/٧٥، من غير عزو..
٢٤ زيادة من "ر"، ومصادر التوثيق أسفله.
والأثر في جامع البيان ١٤/٣٦٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/١٨٤٦، والدر المنثور ٤/٢٤٥..

٢٥ جامع البيان ١٤/٣٦٧، ٣٦٨، بتصرف..
٢٦ المصدر نفسه، ٣٦٨، بتصرف..
٢٧ في الأصل: بالقتال، وهو تحريف..
٢٨ جامع البيان ١٤/٣٦٨، بتصرف..
٢٩ هو كاف في القطع والإئتناف ٣٦٥، والمكتفى ٢٩٦، ومنار الهدى ١٦٨، وفي المقصد ١٦٨، "حسن، وقال أبو عمرو: كاف"..
٣٠ هو كاف في المصادر المذكورة فوقه..
٣١ هو كاف في المصادر نفسها، عدا المقصد..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى