الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
﴿فأعقبهم﴾ الله عز وجل، بذنوبهم ﴿نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه﴾[ ٧٧ ]، أي : يموتون.
وفعل ذلك بهم عقوبة لبخلهم، ونقضهم ما عاهدوا الله عليه(١).
وهذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب(٢)، قال للنبي ﷺ : ادع الله أن يرزقني مالا أتصدق به، فقال له النبي عليه السلام : " ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه "، ثم عاود ثانية، فقال له النبي ﷺ : " أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده، لو شئت أن تسير معي(٣) الجبال ذهبا وفضة لسارت "، فقال : والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله يرزقني لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له النبي ﷺ، فاتخذ غنما، فنمت كما تنمي(٤) الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، ونزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر في جماعة، والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت، فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمي حتى ترك الجمعة. وطفق يلقى الركبان يوم الجمعة، يسألهم عن الأخبار، فسأل النبي عليه السلام(٥) عنه فأُخبر(٦) بخبره، بكثرة غنمه وبما صار إليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم(٧)، " يا ويح ثعلبة " ثلاث مرات، فنزل ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾[ ١٠٤ ].
ونزلت فرائض الصدقة، فبعث النبي ﷺ، رجلين على الصدقة، رجلا(٨) من جنيهة، والآخر(٩) من بني سليم، وأمرهما أن يمرا(١٠) بثعلبة، ( وبرجل آخر من بني سليم، يأخذان منهما صدقاتهما، فخرجا حتى أتيا ثعلبة )(١١)، فقال : ما هذه الأجر، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا، وعودا.
فانطلقا، وسمع بهما السلمي، فعمد إلى خيار إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بهما، فلما رأوها قالوا : ما يجب عليك هذا، وما نريد [ أن ](١٢) نأخذ منك هذا. قال : بلى فخذوه فإن نفسي بذلك/طيبة، فأخذوها منه. فلما فرغا من صدقاتهما(١٣) رجعا حتى [ مرا ](١٤) بثعلبة، فقال : أروني كتابكما، وكان النبي ﷺ، كتب لهما كتابا في حدود الصدقة، وما يأخذانه من الناس، فأعطياه الكتاب، فنظر إليه، فقال : ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا عني حتى أرى رأيي. فأتيا النبي ﷺ، فلما رآهما قال : " يا ويح ثعلبة " قبل أن يكلمهما، ودعا للسلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع السلمي، وبالذي صنع ثعلبة، فأنزل الله عز وجل، ﴿ومنهم من عاهد الله﴾ الآية، وعند رسول الله –صلى الله عليه وسلم- رجل من أقارب ثعلبة، فخرج حتى أتاه، فقال : ويحك يا ثعلبة، قد أنزل الله عز وجل، فيك كذا وكذا، فخرج حتى أتى النبي عليه السلام فسأله أن يقبل منه صدقته : فقال : " إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك "، فجعل يحثو(١٥) التراب على رأسه، فقال له النبي عليه السلام : " قد أمرتك فلم تطعني " (١٦)، فرجع ثعلبة إلى منزله، وقُبض(١٧) رسول الله ﷺ، ولم يقبض(١٨) منه شيئا. ثم أتى أبا بكر فلم يقبض منه شيئا [ ثم أتى عمر بعد أبي بكر فلم يقبض منه شيئا. ثم أتى عثمان بعد عمر فلم يقبض منه شيئا ]. وتوفي في خلافة عثمان رضي الله عنه(١٩).
وقيل : إنما نوى العهد في نفسه فلم يف به، ودل(٢٠) على ذلك قوله :﴿ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم﴾(٢١).
وعلامة(٢٢) المنافق : نقض العهد، وخلف الوعد، وكذب القول ](٢٣).
١ جامع البيان ١٤/٣٦٩، ٣٧٠، بتصرف..
٢ انظر: الإصابة ١/٥١٦، ٥١٧، ففي ترجمته خلط كثير، كما يقول الشيخ محمود شاكر في هامش تحقيقه لجامع البيان ١٤/٣٦٩، ٣٧٠..
٣ في المخطوطتين: مع، وهو تحريف وصوابه من جامع البيان..
٤ نما المال ينمي، بالكسر، نماء، بالفتح والمد، وربما جاء من باب: سما المختار/نمي..
٥ في "ر": صلى الله عليه وسلم..
٦ في الأصل: فأخبره بخبره، وأثبت ما يستقيم به السياق..
٧ ما بين الهلالين ساقط من "ر"..
٨ في المخطوطتين: رجل، وهو خطأ الناسخ..
٩ في الأصل: والأخرى، وهو تحريف..
١٠ في الأصل: أن يمروا..
١١ ما بين الهلالين ساقط من "ر"..
١٢ زيادة من جامع البيان..
١٣ في الأصل: صدقاتها، وهو تحريف..
١٤ زيادة من "ر"..
١٥ من باب عدا، ورمى المختار/حثا، وحثا التراب: هاله بيده، وبعضهم يقول: قبضه بيده، المصباح/حثا..
١٦ في "ر": تعطني، وهو تحريف..
١٧ قبض: على ما لم يسم فاعله، أي: مات المختار/قبض..
١٨ من باب ضرب، المختار/قبض..
١٩ جامع البيان ١٤/٣٧٠-٣٧٢، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/١٨٤٧-١٨٤٩، وأسباب النزول للواحدي ٢٥٧-٢٥٩، وزاد المسير ٣/٤٧٢-٤٧٤، وتفسير ابن كثير ٢/٣٧٣، ٣٧٤، والدر المنثور ٤/٢٤٦، ٢٤٧، مع اختصار وتصرف في بعض ألفاظه.
قال الحافظ في "تخريج أحاديث الكشاف": إسناده ضعيف جدا، الكشاف ٢/٢٧٨.
وقال الشيخ محمود شاكر في هامش تحقيقه لجامع البيان ١٤/٣٧٣: وهو ضعيف كل الضعف، ليس له شاهد من غيره، وفي رواته ضعف شديد.
قال القرطبي في تفسيره ٨/١٣٣: "قلت: وثعلبة بدري أنصاري وممن شهد الله له ورسوله بالإيمان..." فما روي عنه غير صحيح. قال أبو عمر: ولعل قول من قال في ثعلبة إنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية غير صحيح، والله أعلم".
وقال ابن حزم في جوامع السيرة ١٠٠، معقبا على قول من قال: إنه ثعلبة بن حاطب: "وهذا باطل، لأن شهوده بدرا يبطل ذلك بلا شك".
والغريب أن الحافظ ابن كثير ساقه في التفسير دون تعقيب، على غير عادته..

٢٠ في الأصل: ودخل، وهو تحريف..
٢١ وهو قول سعيد بن ثابت في جامع البيان ١٤/٣٨٠.
قال الشيخ محمود شاكر في هامش تحقيقه: "وسعيد بن ثابت" هكذا هو في المخطوطة، ولم أجد له ذكرا فيما بين يدي من كتب الرجال، وأخشى أن يكون قد دخله تحريف".
وفي زاد المسير ٣/٤٧٥، "معبد بن ثابت"..

٢٢ انظر: مزيد بيان في المرويات الواردة في جامع البيان ١٤/٣٧٦-٣٧٩..
٢٣ زيادة من "ر"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى