جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله :﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
يقول تعالى ذكره : الذين يلمزون المطوّعين في الصدقة على أهل المسكنة والحاجة، بما لم يوجبه الله عليهم في أموالهم، ويطعنون فيها عليهم بقولهم : إنما تصدّقوا به رياء وسمعة، ولم يريدوا وجه الله، ويلمزون الذين لا يجدون ما يتصدّقون به إلا جهدهم، وذلك طاقتهم، فينتقصونهم ويقولون : لقد كان الله عن صدقة هؤلاء غنيّا سخرية منهم ربهم. فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وقد بينا صفة سخرية الله بمن يسخر به من خلقه في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته ههنا. وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ يقول : ولهم من عند الله يوم القيامة عذاب موجع مؤلم.
وذُكر أن المعنيّ بقوله : المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنينَ عبد الرحمن بن عوف، وعاصم بن عديّ الأنصاري، وأن المعنيّ بقوله : والّذِينَ لا يَجِدُونَ إلاّ جُهْدَهُمْ أبو عقيل الأراشي أخو بني أنيف. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : والّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقَاتِ قال : جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى النبيّ ﷺ، وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين : والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء وقالوا : إن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقاتِ وَالّذِينَ لا يجدُونَ إلاّ جُهْدَهُمْ وذلك أن رسول الله ﷺ خرج إلى الناس يوما فنادى فيهم : أن اجْمَعُوا صَدَقَاتِكُمْ فجمع الناس صدقاتهم. ثم جاء رجل من أحوجهم بمنّ من تمر، فقال : يا رسول الله هذا صاع من تمر، بتّ ليلتي أجرّ بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما وأتيتك بالآخر فأمره رسول الله ﷺ أن ينثره في الصدقات. فسخر منه رجال وقالوا : والله إن الله ورسوله لغنيان عن هذا، وما يصنعان بصاعك من شيء ثم إن عبد الرحمن بن عوف رجل من قريش من بني زهرة قال لرسول الله ﷺ : هل بقي من أحد من أهل هذه الصدقات ؟ فقال :«لا » فقال عبد الرحمن بن عوف : إن عندي مائة أوقية من ذهب في الصدقات. فقال له عمر بن الخطاب : أمجنون أنت ؟ فقال : ليس بي جنون. فقال : أتعلم ما قلت ؟ قال : نعم، مالي ثمانية آلاف : أما أربعة فأقرضها ربي، وأما أربعة آلاف فلي. فقال له رسول الله ﷺ :«بَارَكَ اللّهُ لَكَ فِيما أمْسَكْتَ وَفِيما أعْطَيْتَ » وكره المنافقون فقالوا : والله ما أعطي عبد الرحمن عطيته إلا رياء وهم كاذبون، إنما كان به متطوعا. فأنزل الله عذره، وعذر صاحبه المسكين الذي جاء بالصاع من التمر، فقال الله في كتابه : والّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصّدَقاتِ. . . الآية.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ قال : جاء عبد الرحمن بن عوف بصدقة ماله أربعة آلاف، فلمزه المنافقون، وقالوا : راءى. والّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إلاّ جُهْدَهُمْ قال : رجل من الأنصار، آجر نفسه بصاع من تمر لم يكن له غيره، فجاء به فلمزوه، وقالوا : كان الله غنيّا عن صاع هذا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. . . الآية، قال : أقبل عبد الرحمن بن عوف بنصف ماله، فتقرّب به إلى الله، فلمزه المنافقون، فقالوا : ما أعطى ذلك إلا رياءً وسمعة فأقبل رجل من فقراء المسلمين يقال له : حبحاب أبو عقيل، فقال : يا نبي الله، بتّ أجر الجرير على صاعين من تمر : أما صاع فأمسكته لأهلي، وأما صاع فها هو ذا. فقال المنافقون : والله إن الله ورسوله لغنيان عن هذا فأنزل الله في ذلك القرآن : الّذِينَ يَلْمِزُونَ. . الآية.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقاتِ قال : تصدّق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله، وكان ماله ثمانية آلاف دينار، فتصدّق بأربعة آلاف دينار، فقال ناس من المنافقين : إن عبد الرحمن بن عوف لعظيم الرياء فقال الله : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصّدَقاتِ وكان لرجل صاعان من تمر، فجاء بأحدهما، فقال ناس من المنافقين : إن كان الله عن صاع هذا لغنيّا فكان المنافقون يطعنون عليهم ويسخرون بهم، فقال الله : وَالّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ ولَهُمْ عَذابّ ألِيمٌ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج بن المنهال الأنماطي، قال : حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه : أن رسول الله ﷺ قال :«تَصَدّقُوا فإنّي أُرِيدُ أنْ أبْعَثَ بَعْثا » قال : فقال عبد الرحمن بن عوف : يا رسول الله، إن عندي أربعة آلاف : ألقين أقرضهما الله، وألفين لعيالي. قال : فقال رسول الله ﷺ :«بارَكَ اللّهُ لَكَ فِيما أعْطَيْتُ، وبَارَكَ لَكَ فِيما أمْسَكْتَ » فقال رجل من الأنصار : وإن عندي صاعين من تمر، صاعا لربي، وصاعا لعيالي قال : فلمز المنافقون، وقالوا : ما أعطى ابن عوف هذا إلا رياءً وقالوا : أو لم يكن الله غنيّا عن صاع هذا فأنزل الله : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. . . إلى آخر الآية.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرحمن بن سعد. قال : أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، في قوله : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقاتِ قال : أصاب الناس جهد شديد، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يتصدّقوا، فجاء عبد الرحمن بأربعمائة أوقية، فقال رسول الله ﷺ :«اللّهُم بارِكْ لَهُ فيما أمْسَكَ » فقال المنافقون : ما فعل عبد الرحمن هذا إلا رياءً وسمعه وقال : وجاء رجل بصاع من تمر، فقال : يا رسول الله آجرت نفسي بصاعين، فانطلقت بصاع منهما إلى أهلي وجئت بصاع من تمر. فقال المنافقون : إن الله غنيّ عن صاع هذا فأنزل الله هذه الآية : والّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقاتِ. . . الآية، وكان من المطّوّعين من المؤمنين في الصدقات : عبد الرحمن بن عوف، تصدّق بأربعة آلاف دينار وعاصم بن عدّي أخو بني عجلان. وذلك أن رسول الله ﷺ رغّب في الصدقة وحضّ عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدّق بأربعة آلاف درهم، وقام عاصم بن عدّي فتصدّق بمائة وسق من تمر. فلمزوهما وقالوا : ما هذا إلا رياء وكان الذي تصدّق بجهده أبو عقيل، أخو بني أنيف الأراشي حليف بني عمرو بن عوف، أتى بصاع من تمر، فأفرغه في الصدقة، فتضاحكوا به، وقالوا : إن الله لغنيّ عن صاع أبي عقيل.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال : حدثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود، قال : لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل قال أبو النعمان : كنا نعمل قال : فجاء رجل فتصدّق بشيء كثير، قال : وجاء رجل فتصدق بصاع تمر، فقالوا : إن الله لغنيّ عن صاع هذا فنزلت : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقاتِ وَالّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إلاّ جُهْدَهُمْ.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا زيد بن حباب، عن موسى بن عبيدة، قال : ثني خالد بن يسار، عن ابن أبي عقيل، عن أظبيه، قال : بتّ أجر الجرير على ظهري على صاعين من تمر، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلّغون به، وجئت بالاَخر أتقرّب به إلى رسول الله ﷺ. فأتيت رسول الله ﷺ، فأخبرته، فقال :«انْثُرْهُ في الصّدَقَةِ » فسخر المنافقون منه وقالوا : لقد كان غنيّا عن الصدقة هذا المسكين فأنزل الله : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصّدَقاتِ. . . الآيتين.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا الجريري عن أبي السليل، قال : وقف على الحيّ رجل، فقال : ثني أبي أو عمي، فقال : شهدت رسول الله ﷺ وهو يقول :«مَنْ يَتَصَدّق اليَوْمَ بصَدَقَةٍ أشْهَدْ لَهُ بِها عِنْدَ الله يَوْمَ القِيامَةِ ». قال : وعليّ عمامة لي، قال : فنزعت لَوْثا أو ابن علية، قال : أخبرنا الجريري عن أبي السليل، قال : وقف على الحيّ رجل، فقال : ثني أبي أو عمي، فقال : شهدت رسول الله ﷺ وهو يقول :«مَنْ يَتَصَدّق اليَوْمَ بصَدَقَةٍ أشْهَدْ لَهُ بِها عِنْدَ الله يَوْمَ القِيامَةِ ». قال : وعليّ عمامة لي، قال : فنزعت لَوْثا أو ألقي بخطامها أو بزمامها. قال : فلمزه رجل جالس، فقال : والله إنه ليتصدّق بها ولهي خير منه فنظر إليه رسول الله ﷺ، فقال :«بَلْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ ومِنْها ». يقول ذلك نبينا ﷺ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال : أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، يقول : الذي تصدّق بصاع التمر فلمزه المنافقون، أبو خيثمة الأنصاريّ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا محمد بن رجاء أبو سهل العباداني قال : حدثنا عامر بن يِساف اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير اليمامي، قال : جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم إلى رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله مالي ثمانية آلاف، جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكت أربعة آلاف لعيالي فقال رسول الله ﷺ :«بارَكَ اللّهُ فِيما أعْطَيْتَ وَفِيما أمْسَكْتَ » وجاء رجل آخر فقال : يا رسول الله، بتّ الليلة أجر الماء على صاعين، فأما أحدهما فتركت لعيالي، وأما الاَخر فجئتك به، اجعله في سبيل الله فقال :«بارَكَ اللّهُ فِيما أعْطَيْتَ وَفِيما أمْسَكْتَ » فق
يقول تعالى ذكره : الذين يلمزون المطوّعين في الصدقة على أهل المسكنة والحاجة، بما لم يوجبه الله عليهم في أموالهم، ويطعنون فيها عليهم بقولهم : إنما تصدّقوا به رياء وسمعة، ولم يريدوا وجه الله، ويلمزون الذين لا يجدون ما يتصدّقون به إلا جهدهم، وذلك طاقتهم، فينتقصونهم ويقولون : لقد كان الله عن صدقة هؤلاء غنيّا سخرية منهم ربهم. فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وقد بينا صفة سخرية الله بمن يسخر به من خلقه في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته ههنا. وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ يقول : ولهم من عند الله يوم القيامة عذاب موجع مؤلم.
وذُكر أن المعنيّ بقوله : المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنينَ عبد الرحمن بن عوف، وعاصم بن عديّ الأنصاري، وأن المعنيّ بقوله : والّذِينَ لا يَجِدُونَ إلاّ جُهْدَهُمْ أبو عقيل الأراشي أخو بني أنيف. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : والّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقَاتِ قال : جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى النبيّ ﷺ، وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين : والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء وقالوا : إن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقاتِ وَالّذِينَ لا يجدُونَ إلاّ جُهْدَهُمْ وذلك أن رسول الله ﷺ خرج إلى الناس يوما فنادى فيهم : أن اجْمَعُوا صَدَقَاتِكُمْ فجمع الناس صدقاتهم. ثم جاء رجل من أحوجهم بمنّ من تمر، فقال : يا رسول الله هذا صاع من تمر، بتّ ليلتي أجرّ بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما وأتيتك بالآخر فأمره رسول الله ﷺ أن ينثره في الصدقات. فسخر منه رجال وقالوا : والله إن الله ورسوله لغنيان عن هذا، وما يصنعان بصاعك من شيء ثم إن عبد الرحمن بن عوف رجل من قريش من بني زهرة قال لرسول الله ﷺ : هل بقي من أحد من أهل هذه الصدقات ؟ فقال :«لا » فقال عبد الرحمن بن عوف : إن عندي مائة أوقية من ذهب في الصدقات. فقال له عمر بن الخطاب : أمجنون أنت ؟ فقال : ليس بي جنون. فقال : أتعلم ما قلت ؟ قال : نعم، مالي ثمانية آلاف : أما أربعة فأقرضها ربي، وأما أربعة آلاف فلي. فقال له رسول الله ﷺ :«بَارَكَ اللّهُ لَكَ فِيما أمْسَكْتَ وَفِيما أعْطَيْتَ » وكره المنافقون فقالوا : والله ما أعطي عبد الرحمن عطيته إلا رياء وهم كاذبون، إنما كان به متطوعا. فأنزل الله عذره، وعذر صاحبه المسكين الذي جاء بالصاع من التمر، فقال الله في كتابه : والّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصّدَقاتِ. . . الآية.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ قال : جاء عبد الرحمن بن عوف بصدقة ماله أربعة آلاف، فلمزه المنافقون، وقالوا : راءى. والّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إلاّ جُهْدَهُمْ قال : رجل من الأنصار، آجر نفسه بصاع من تمر لم يكن له غيره، فجاء به فلمزوه، وقالوا : كان الله غنيّا عن صاع هذا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. . . الآية، قال : أقبل عبد الرحمن بن عوف بنصف ماله، فتقرّب به إلى الله، فلمزه المنافقون، فقالوا : ما أعطى ذلك إلا رياءً وسمعة فأقبل رجل من فقراء المسلمين يقال له : حبحاب أبو عقيل، فقال : يا نبي الله، بتّ أجر الجرير على صاعين من تمر : أما صاع فأمسكته لأهلي، وأما صاع فها هو ذا. فقال المنافقون : والله إن الله ورسوله لغنيان عن هذا فأنزل الله في ذلك القرآن : الّذِينَ يَلْمِزُونَ. . الآية.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقاتِ قال : تصدّق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله، وكان ماله ثمانية آلاف دينار، فتصدّق بأربعة آلاف دينار، فقال ناس من المنافقين : إن عبد الرحمن بن عوف لعظيم الرياء فقال الله : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصّدَقاتِ وكان لرجل صاعان من تمر، فجاء بأحدهما، فقال ناس من المنافقين : إن كان الله عن صاع هذا لغنيّا فكان المنافقون يطعنون عليهم ويسخرون بهم، فقال الله : وَالّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ ولَهُمْ عَذابّ ألِيمٌ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج بن المنهال الأنماطي، قال : حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه : أن رسول الله ﷺ قال :«تَصَدّقُوا فإنّي أُرِيدُ أنْ أبْعَثَ بَعْثا » قال : فقال عبد الرحمن بن عوف : يا رسول الله، إن عندي أربعة آلاف : ألقين أقرضهما الله، وألفين لعيالي. قال : فقال رسول الله ﷺ :«بارَكَ اللّهُ لَكَ فِيما أعْطَيْتُ، وبَارَكَ لَكَ فِيما أمْسَكْتَ » فقال رجل من الأنصار : وإن عندي صاعين من تمر، صاعا لربي، وصاعا لعيالي قال : فلمز المنافقون، وقالوا : ما أعطى ابن عوف هذا إلا رياءً وقالوا : أو لم يكن الله غنيّا عن صاع هذا فأنزل الله : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. . . إلى آخر الآية.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرحمن بن سعد. قال : أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، في قوله : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقاتِ قال : أصاب الناس جهد شديد، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يتصدّقوا، فجاء عبد الرحمن بأربعمائة أوقية، فقال رسول الله ﷺ :«اللّهُم بارِكْ لَهُ فيما أمْسَكَ » فقال المنافقون : ما فعل عبد الرحمن هذا إلا رياءً وسمعه وقال : وجاء رجل بصاع من تمر، فقال : يا رسول الله آجرت نفسي بصاعين، فانطلقت بصاع منهما إلى أهلي وجئت بصاع من تمر. فقال المنافقون : إن الله غنيّ عن صاع هذا فأنزل الله هذه الآية : والّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقاتِ. . . الآية، وكان من المطّوّعين من المؤمنين في الصدقات : عبد الرحمن بن عوف، تصدّق بأربعة آلاف دينار وعاصم بن عدّي أخو بني عجلان. وذلك أن رسول الله ﷺ رغّب في الصدقة وحضّ عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدّق بأربعة آلاف درهم، وقام عاصم بن عدّي فتصدّق بمائة وسق من تمر. فلمزوهما وقالوا : ما هذا إلا رياء وكان الذي تصدّق بجهده أبو عقيل، أخو بني أنيف الأراشي حليف بني عمرو بن عوف، أتى بصاع من تمر، فأفرغه في الصدقة، فتضاحكوا به، وقالوا : إن الله لغنيّ عن صاع أبي عقيل.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال : حدثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود، قال : لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل قال أبو النعمان : كنا نعمل قال : فجاء رجل فتصدّق بشيء كثير، قال : وجاء رجل فتصدق بصاع تمر، فقالوا : إن الله لغنيّ عن صاع هذا فنزلت : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقاتِ وَالّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إلاّ جُهْدَهُمْ.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا زيد بن حباب، عن موسى بن عبيدة، قال : ثني خالد بن يسار، عن ابن أبي عقيل، عن أظبيه، قال : بتّ أجر الجرير على ظهري على صاعين من تمر، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلّغون به، وجئت بالاَخر أتقرّب به إلى رسول الله ﷺ. فأتيت رسول الله ﷺ، فأخبرته، فقال :«انْثُرْهُ في الصّدَقَةِ » فسخر المنافقون منه وقالوا : لقد كان غنيّا عن الصدقة هذا المسكين فأنزل الله : الّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصّدَقاتِ. . . الآيتين.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا الجريري عن أبي السليل، قال : وقف على الحيّ رجل، فقال : ثني أبي أو عمي، فقال : شهدت رسول الله ﷺ وهو يقول :«مَنْ يَتَصَدّق اليَوْمَ بصَدَقَةٍ أشْهَدْ لَهُ بِها عِنْدَ الله يَوْمَ القِيامَةِ ». قال : وعليّ عمامة لي، قال : فنزعت لَوْثا أو ابن علية، قال : أخبرنا الجريري عن أبي السليل، قال : وقف على الحيّ رجل، فقال : ثني أبي أو عمي، فقال : شهدت رسول الله ﷺ وهو يقول :«مَنْ يَتَصَدّق اليَوْمَ بصَدَقَةٍ أشْهَدْ لَهُ بِها عِنْدَ الله يَوْمَ القِيامَةِ ». قال : وعليّ عمامة لي، قال : فنزعت لَوْثا أو ألقي بخطامها أو بزمامها. قال : فلمزه رجل جالس، فقال : والله إنه ليتصدّق بها ولهي خير منه فنظر إليه رسول الله ﷺ، فقال :«بَلْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ ومِنْها ». يقول ذلك نبينا ﷺ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال : أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، يقول : الذي تصدّق بصاع التمر فلمزه المنافقون، أبو خيثمة الأنصاريّ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا محمد بن رجاء أبو سهل العباداني قال : حدثنا عامر بن يِساف اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير اليمامي، قال : جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم إلى رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله مالي ثمانية آلاف، جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكت أربعة آلاف لعيالي فقال رسول الله ﷺ :«بارَكَ اللّهُ فِيما أعْطَيْتَ وَفِيما أمْسَكْتَ » وجاء رجل آخر فقال : يا رسول الله، بتّ الليلة أجر الماء على صاعين، فأما أحدهما فتركت لعيالي، وأما الاَخر فجئتك به، اجعله في سبيل الله فقال :«بارَكَ اللّهُ فِيما أعْطَيْتَ وَفِيما أمْسَكْتَ » فق