البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ولما رجع –عليه الصلاة والسلام- من غزوة تبوك جاء المنافقون يعتذرون بالأعذار الكاذبة، ففضحهم الله بقوله :
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ * ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ * ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾
قلت : مفعول ( نبأ ) الثاني : محذوف، أي : نبأنا جملة من أخباركم.
يقول الحق جل جلاله :﴿يعتذرون إليكم﴾ يعني : المنافقين، ﴿إذا رجعتم إِليهم﴾ من تبوك، ﴿قل﴾ لهم :﴿لا تعتذروا﴾ بالمعاذير الكاذبة ؛ لأنه ﴿لن نؤمن لكم﴾ أي : لن نصدقكم فيها ؛ لأنه ﴿قد نبأنا اللَّهُ من أخباركم﴾ ؛ أعلمنا بالوحي، على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ببعض أخباركم، وهو ما في ضمائركم من الشر والفساد.
﴿وسيَرَى الله عملكم ورسولُه﴾ : هل تتوبون من الكفر، أم تثبتون عليه ؟ وكأنه استتابة وإمهال للتوبة، ﴿ثم تُردُّون إلى عالم الغيب والشهادة﴾ وهو الله، والأصل : ثم تردون إليه ؛ فوضع هذا الوصف موضع الضمير ؛ للدلالة على أنه مطلع على سرهم وعَلانيتهم، لا يعزب عن علمه شيء من ضمائرهم وأعمالهم، ﴿فينبئكم﴾ أي : يخبركم ﴿بما كنتم تعملون﴾ ؛ بالتوبيخ والعقاب عليه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قد يظهر لهذه الطائفة منافقون، إذا ظهر على أهل الله عز أو نصر جاؤوا يعتذرون عن تخلفهم عنه، ويحلفون أنهم على محبتهم ؛ فلا ينبغي الاغترار بشأنهم، ولا مواجهتهم بالعتاب ؛ بل الواجب الإعراض عنهم والغيبة في الله عنهم، فسيرى الله عملهم ورسوله، ثم يردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئهم بما كانوا يعملون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى