التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
قوله :﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾، إخبار عما سيقولونه للمؤمنين عند لقائهم بهم.
أى : أن هؤلاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد مع قدرتهم عليه، سيعتذرون إليكم - أيها المؤمنون - إذا رجعتم إليهم من تبوك. بأن يقولوا لكم مثلا : إن قعودنا في المدينة وعدم جوعنا معكم كانت له مبرراته القوية. فلا تؤاخذونا.
وهذه الجملة الكريمة من الأنباء التي أنبأ الله بها نبيه - ﷺ - عن أحوال المنافقين وعما سيقولونه له وللمؤمنين بعد عودتهم إليهم، وهذا يدل على أن هذه الآيات نزلت في أثناء العودة، وقبل وصول الرسول وأصحابه إلى المدينة من تبوك.
وقوله :﴿قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾، إبطال لمعاذيرهم، وتلقين من الله - تعالى - لرسوله بالرد الذي يخرس ألسنتهم.
أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - عندما يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم، قل لهم : دعوكم من هذه المعاذير الكاذبة، ولا تتفوهوا بها أمامنا، فإننا ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ﴾ ولن نصدق أقوالكم، فإن الله، تعالى. قد كشف لنا عن حقيقتكم ووضح لنا أحوالكم، وبين لنا ما أنتم عليه من نفاق وفسوق وعصيان، وما دام الأمر كذلك، فوفروا على أنفسكم هذه المعاذير الكاذبة.
وقال، سبحانه. ﴿قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ ولم يقل قد نبأنى، للاشعار بأن الله - تعالى - قد أمر رسوله - ﷺ - أن يبلغ المؤمنين بأحوال هؤلاء المنافقين حتى يكونوا على بينة من أمرهم.
وقوله :﴿وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ تهديد لهم على نفاقهم وكذبهم.
أى : دعوا عنكم هذه الأعذار الباطلة، فإن الله - تعالى - مطلع على أحوالكم، وسيعلم سركم وجهركم علما يترتب عليه الجزاء العادل لكم، ويبلغ رسوله - ﷺ - بأخباركم، هذا في الدنيا، أما في الآخرة، فأنتم " ستردون " يوم القيامة ﴿إلى عَالِمِ الغيب والشهادة﴾ الذي لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء ﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أى : فيخبركم بما كنتم تعلمونه في الدنيا من أعمال قبيحة، وسيجازيكم عليها بما تستحقونه من عقاب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى