فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ إخبار من الله سبحانه عن المنافقين المعتذرين بالباطل، بأنهم يعتذرون إلى المؤمنين إذا رجعوا من الغزو، وهذا كلام مستأنف، وإنما قال :﴿إِلَيْهِمُ﴾ أي : إلى المعتذرين بالباطل، ولم يقل إلى المدينة ؛ لأن مدار الاعتذار هو الرجوع إليهم لا الرجوع إلى المدينة، وربما يقع الاعتذار عند الملاقاة قبل الوصول إليها. ثم أخبر الله سبحانه رسوله ﷺ بما يجيب به عليهم، فقال :﴿قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ﴾ فنهاهم أوّلا عن الاعتذار بالباطل، ثم علله بقوله :﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أي : لن نصدقكم، كأنهم ادّعوا أنهم صادقون في اعتذارهم، لأن غرض المعتذر أن يصدّق فيما يعتذر به، فإذا عرف أنه لا يصدّق ترك الاعتذار، وجملة ﴿قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ تعليلية للتي قبلها : أي لا يقع منا تصديق لكم لأن الله قد أعلمنا بالوحي ما هو مناف لصدق اعتذاركم، وإنما خصّ الرسول ﷺ بالجواب عليهم، فقال :﴿قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ﴾ مع أن الاعتذار منهم كائن إلى جميع المؤمنين، لأنه ﷺ رأسهم، والمتولي لما يرد عليهم من جهة الغير، ويحتمل أن يكون المراد بالضمير في قوله :﴿إِلَيْكُمْ﴾ هو الرسول ﷺ على التأويل المشهور في مثل هذا.
قوله :﴿وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ﴾ أي : ما ستفعلونه من الأعمال فيما بعد هل تقلعون عما أنتم عليه الآن من الشرّ أم تبقون عليه ؟. وقوله :﴿وَرَسُولُهُ﴾ معطوف على الاسم الشريف، ووسط مفعول الرؤية إيذانا، بأن رؤية الله سبحانه لما سيفعلونه من خير أو شرّ هي التي يدور عليها الإثابة أو العقوبة، وفي جملة :﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالم الغيب﴾ إلى آخرها تخويف شديد، لما هي مشتملة عليه من التهديد، ولا سيما ما اشتملت عليه من وضع الظاهر موضع المضمر، لإشعار ذلك بإحاطته بكل شيء يقع منهم مما يكتمونه ويتظاهرون به، وإخباره لهم به ومجازاتهم عليه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله :﴿قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ قال : أخبرنا أنكم لو خرجتم ما زدتمونا إلا خبالاً، وفي قوله :﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ قال : لما رجع النبي ﷺ، قال للمؤمنين :" لا تكلموهم ولا تجالسوهم، فأعرضوا عنهم كما أمر الله ". وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله :﴿لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ قال : لتجاوزوا عنهم. وأخرج أبو الشيخ، عنه، في قوله :﴿الأعراب أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ قال : من منافقي المدينة ﴿وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ﴾ يعني : الفرائض، وما أمر به من الجهاد. وأخرج أبو الشيخ، عن الكلبي، أن هذه الآية نزلت في أسد وغطفان. وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال :" من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن " وإسناد أحمد هكذا : حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا سفيان عن أبي موسى، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، فذكره. قال في التقريب : وأبو موسى عن وهب بن منبه مجهول من السادسة، ووهم من قال إنه إسرائيل بن موسى، وقال الترمذي بعد إخراجه : حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الثوري. وأخرج أبو داود، والبيهقي، من حديث أبي هريرة، قال : قال رسول الله ﷺ :" من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن، وما ازداد أحد من سلطانه قرباً إلا ازداد من الله بعداً " وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله :﴿وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا﴾ قال : يعني بالمغرم أنه لا يرجو له ثواباً عند الله ولا مجازاة، وإنما يعطي من يعطي من الصدقات كرهاً ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر﴾ الهلكات. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في الآية قال : هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون رياء اتقاء على أن يغزوا ويحاربوا، ويقاتلوا ويرون نفقاتهم مغرماً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله﴾ قال : هم بنو مقرّن من مزينة، وهم الذين قال الله :﴿وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن عبد الرحمن بن معقل، قال : كنا عشرة ولد مقرن، فنزلت فينا :﴿وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله :﴿وصلوات الرسول﴾ يعني : استغفار النبي ﷺ.
قوله :﴿وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ﴾ أي : ما ستفعلونه من الأعمال فيما بعد هل تقلعون عما أنتم عليه الآن من الشرّ أم تبقون عليه ؟. وقوله :﴿وَرَسُولُهُ﴾ معطوف على الاسم الشريف، ووسط مفعول الرؤية إيذانا، بأن رؤية الله سبحانه لما سيفعلونه من خير أو شرّ هي التي يدور عليها الإثابة أو العقوبة، وفي جملة :﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالم الغيب﴾ إلى آخرها تخويف شديد، لما هي مشتملة عليه من التهديد، ولا سيما ما اشتملت عليه من وضع الظاهر موضع المضمر، لإشعار ذلك بإحاطته بكل شيء يقع منهم مما يكتمونه ويتظاهرون به، وإخباره لهم به ومجازاتهم عليه.