المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
قوله :﴿يعتذرون إليكم﴾ الآية، هذه المخاطبة للنبي ﷺ، وشرك معه المسلمون في بعض لأن المنافقين كانوا يعتذرون أيضاً إلى المؤمنين ولأن أنباء الله أيضاً تحصل للمؤمنين وقوله :﴿رجعتم﴾ يريد من غزوة تبوك، وقوله :﴿لن نؤمن لكم﴾(١) معناه لن نصدقكم، ولكن لفظة ﴿نؤمن﴾ تتصل بلام أحياناً كما تقدم في قوله ﴿يؤمن للمؤمنين﴾(٢)، و «نبأ » في هذه الآية قيل هي بمعنى عرف لا تحتاج إلى أكثر من مفعولين، فالضمير مفعول أول، وقوله ﴿من أخباركم﴾ مفعول ثان على مذهب أبي الحسن في زيادة ﴿من﴾ في الواجب، فالتقدير قد نبأنا الله أخباركم، وهو على مذهب سيبويه نعت لمحذوف هو المفعول الثاني تقديره قد نبأنا الله جلية من أخباركم، وقيل «نبأ » بمعنى أعلم يحتاج إلى ثلاثة مفاعيل، فالضمير واحد و ﴿من أخباركم﴾ ثان حسب ما تقدم من القولين، والثالث محذوف يدل الكلام عليه، تقديره قد نبأنا الله من أخباركم كذباً أو نحوه.
وحذف هذا المفعول مع الدلالة عليه جائز بخلاف الاقتصار، وذلك أن الاقتصار إنما يجوز إما على المفعول الأول ويسقط الاثنان إذ هما الابتداء والخبر، وإما على الاثنين الأخيرين ويسقط الأول، وإما أن يقتصر على المفعولين الأولين ويسقط الثالث دون دلالة عليه، فذلك لا يجوز، ويجوز حذفه مع الدلالة عليه والإشارة بقوله :﴿قد نبأنا الله﴾ إلى قوله ﴿ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة﴾(٣) ونحو هذا، وقوله ﴿وسيرى الله﴾ توعد معناه وسيراه في حال وجوده ويقع الجزاء منه عليه إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وقوله ﴿ثم تردون إلى عالم الغيب﴾ يريد البعث من القبور، و ﴿الغيب﴾ والشهادة يعمان جميع الأشياء وقوله :﴿فينبئكم﴾ معناه التخويف ممن لا تخفى عليه خافية.
١ - قوله تعالى: ﴿لن نؤمن لكم﴾ علة للنهي عن الاعتذار، لأن غرض المعتذر أن يصدق فيما يعتذر به، فإذا علم أنه مكذب في اعتذاره كفّ عنه. قاله في "البحر المحيط"، وأشار إليه في "فتح القدير"..
٢ - من الآية (٦١) من هذه السورة (براءة)..
٣ - من الآية (٤٧) من هذه السورة، ومعنى كلامه أن الإشارة في الآية هنا ترجع إلى الآية السابقة وهي رقم (٤٧)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى