جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره : سيحلف أيها المؤمنون بالله لكم هؤلاء المنافقون الذين فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ يعني : إذا انصرفتم إليهم من غزوكم، لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فلا تؤنبوهم. فأعْرِضُوا عَنْهُمْ يقول جلّ ثناؤه للمؤمنين : فدعوا تأنيبهم وخلوهم، وما اختاروا لأنفسهم من الكفر والنفاق. إنّهُمْ رِجْسٌ ومَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ يقول : إنهم نجس ومأواهم جهنم، يقول : ومصيرهم إلى جهنم وهي مسكنهم الذي يأوونه في الآخرة. جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسَبُونَ يقول : ثوابا بأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا من معاصي الله. وذكر أن هذه الآية نزلت في رجلين من المنافقين قالا ما :
حدثنا به محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : سَيَحْلِفُون باللّهِ لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتَعْرِضُوا. . . إلى : بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ، وذلك أن رسول الله ﷺ قيل له : ألا تغزو بني الأصفر لعلك أن تصيب بنت عظيم الروم، فإنهم حِسَانٌ، فقال رجلان : قد علمت يا رسول الله أن النساء فتنة، فلا تفتنا بهنّ، فأذن لنا، فأذن لهما فلما انطلقا، قال أحدهما : إن هو إلا شحمة لأوّل آكل. فسار رسول الله ﷺ، ولم ينزل عليه في ذلك شيء، فلما كان ببعض الطريق نزل عليه وهو على بعض المياه : لَوْ كَانَ عَرَضا قَرِيبا وسَفَرا قاصِدا لاتّبَعُوك وَلَكِنْ بَعُدَتُ عَلَيْهِمُ الشّقّةُ، ونزل عليه : عَفا اللّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ، ونزل عليه : لا يَسْتَأْذِنُكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ باللّهِ واليَوْمِ الاَخِرِ، ونزل عليه : إنّهُمْ رِجْسٌ وَمأْوَاهُمْ جَهَنّمُ جَزَاءً بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ فسمع ذلك رجل ممن غزا مع النبي ﷺ، فأتاهم وهم خلفهم، فقال : تعلمون أن قد أنزل على رسول الله ﷺ بعدكم قرآن، قالوا : ما الذي سمعت ؟ قال ما أدري، غير أني سمعت أنه يقول : إنهم رجس، فقال رجل يدعى مخشيّا : والله لوددت أني أجلد مئة جلدة وأني لست معكم فأتى رسول الله ﷺ : ما جاء بك ؟ فقال : وجه رسول الله ﷺ تسفعه الريح وأنا في الكنّ، فأنزل الله عليه : وَمِنْهُمْ مَنُ يَقُولُ ائْذَنْ لي وَلا تَفْتِنى وَقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرّ ونزل عليه في الرجل الذي قال : لوددت أني أجلد مئة جلدة، قول الله : لا يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أنْ تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ، فقال رجل مع رسول الله : لئن كان هؤلاء كما يقولون ما فينا خير. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال له :«أنت صاحب الكلمة التي سمعت ؟ » فقال : لا والذي أنزل عليك الكتاب فأنزل الله فيه : وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ، وأنزل فيه : وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بالظّالِمِينَ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال : أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب، قال : سمعت كعب بن مالك يقول : لما قدم رسول الله ﷺ من تبوك، جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله وصدقته حديثي. فقال كعب : والله ما أنعم الله عليّ من نعمة قَطّ بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدق رسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي، شَرّ ما قال لأحد : سَيَحْلِفُونَ باللّهِ لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إنّهُمْ رِجْسٌ وَمأْوَاهُمْ جَهَنّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون. . . إلى قوله : فإنّ اللّهَ لا يَرْضَى عَن القَوْمِ الفاسِقِينَ.
يقول تعالى ذكره : سيحلف أيها المؤمنون بالله لكم هؤلاء المنافقون الذين فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ يعني : إذا انصرفتم إليهم من غزوكم، لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فلا تؤنبوهم. فأعْرِضُوا عَنْهُمْ يقول جلّ ثناؤه للمؤمنين : فدعوا تأنيبهم وخلوهم، وما اختاروا لأنفسهم من الكفر والنفاق. إنّهُمْ رِجْسٌ ومَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ يقول : إنهم نجس ومأواهم جهنم، يقول : ومصيرهم إلى جهنم وهي مسكنهم الذي يأوونه في الآخرة. جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسَبُونَ يقول : ثوابا بأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا من معاصي الله. وذكر أن هذه الآية نزلت في رجلين من المنافقين قالا ما :
حدثنا به محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : سَيَحْلِفُون باللّهِ لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتَعْرِضُوا. . . إلى : بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ، وذلك أن رسول الله ﷺ قيل له : ألا تغزو بني الأصفر لعلك أن تصيب بنت عظيم الروم، فإنهم حِسَانٌ، فقال رجلان : قد علمت يا رسول الله أن النساء فتنة، فلا تفتنا بهنّ، فأذن لنا، فأذن لهما فلما انطلقا، قال أحدهما : إن هو إلا شحمة لأوّل آكل. فسار رسول الله ﷺ، ولم ينزل عليه في ذلك شيء، فلما كان ببعض الطريق نزل عليه وهو على بعض المياه : لَوْ كَانَ عَرَضا قَرِيبا وسَفَرا قاصِدا لاتّبَعُوك وَلَكِنْ بَعُدَتُ عَلَيْهِمُ الشّقّةُ، ونزل عليه : عَفا اللّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ، ونزل عليه : لا يَسْتَأْذِنُكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ باللّهِ واليَوْمِ الاَخِرِ، ونزل عليه : إنّهُمْ رِجْسٌ وَمأْوَاهُمْ جَهَنّمُ جَزَاءً بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ فسمع ذلك رجل ممن غزا مع النبي ﷺ، فأتاهم وهم خلفهم، فقال : تعلمون أن قد أنزل على رسول الله ﷺ بعدكم قرآن، قالوا : ما الذي سمعت ؟ قال ما أدري، غير أني سمعت أنه يقول : إنهم رجس، فقال رجل يدعى مخشيّا : والله لوددت أني أجلد مئة جلدة وأني لست معكم فأتى رسول الله ﷺ : ما جاء بك ؟ فقال : وجه رسول الله ﷺ تسفعه الريح وأنا في الكنّ، فأنزل الله عليه : وَمِنْهُمْ مَنُ يَقُولُ ائْذَنْ لي وَلا تَفْتِنى وَقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرّ ونزل عليه في الرجل الذي قال : لوددت أني أجلد مئة جلدة، قول الله : لا يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أنْ تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ، فقال رجل مع رسول الله : لئن كان هؤلاء كما يقولون ما فينا خير. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال له :«أنت صاحب الكلمة التي سمعت ؟ » فقال : لا والذي أنزل عليك الكتاب فأنزل الله فيه : وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ، وأنزل فيه : وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بالظّالِمِينَ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال : أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب، قال : سمعت كعب بن مالك يقول : لما قدم رسول الله ﷺ من تبوك، جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله وصدقته حديثي. فقال كعب : والله ما أنعم الله عليّ من نعمة قَطّ بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدق رسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي، شَرّ ما قال لأحد : سَيَحْلِفُونَ باللّهِ لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إنّهُمْ رِجْسٌ وَمأْوَاهُمْ جَهَنّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون. . . إلى قوله : فإنّ اللّهَ لا يَرْضَى عَن القَوْمِ الفاسِقِينَ.