غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿المعذرون﴾ من الأعذار : قتيبة ويعقوب. الباقون : بالتشديد ﴿دائرة السوء﴾ بضم السين وكذلك في الفتح : أبو عمرو وابن كثير. الآخرون بفتحها ﴿قرية﴾ بضم الراء : نافع غير قالون : الباقون بإسكانها وكلاهما بمعنى.
الوقوف :﴿ورسوله﴾ ط ﴿أليم﴾ ه ﴿لله ورسوله﴾ ط ﴿من سبيل﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه لا للعطف، ﴿ما ينفقون﴾ ه ﴿أغنياء﴾ ج لاحتمال أن يكون ﴿رضوا﴾ مستأنفاً أو وصفاً. ﴿مع الخوالف﴾ لا لأن الواو إما للعطف أو للحال. ﴿لا يعلمون﴾ ه ﴿إليهم﴾ ط ﴿من أخباركم﴾ ط ﴿تعملون﴾ ه ﴿لتعرضوا عنهم﴾ ط ﴿عنهم﴾ ط ﴿رجس﴾ ز لاختلاف الجملتين مع شدة اتصال المعنى في إتمام الوعيد. ﴿جهنم﴾ ج لأن جزاء يصلح أن يكون مفعولاً له أو مفعولاً مطلقاً محذوف أي يجزون جزاء ﴿يكسبون﴾ ه ﴿لترضوا عنهم﴾ ط لابتداء الشرط مع فاء التعقيب. ﴿الفاسقين﴾ ه ﴿على رسوله﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿الدوائر﴾ ط ﴿دائرة السوء﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿الرسول﴾ ط ﴿لهم﴾ ط ﴿في رحمته﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه.
ثم عدد مثالب الأعراب وأراد بهم جمعاً معينين كانوا يوالون منافقي المدينة. قال أهل اللغة : رجل عربي إذا كان نسبه إلى العرب ثابتاً، ورجل أعرابي إذا كان بدوياً سواء كان من العرب أو من مواليهم وجمعه أعراب كالمجوسي والمجوس واليهودي واليهود. فالأعرابي إذا قيل له يا أعرابي فرح، وإذا قيل للعربي يا أعرابي غضب، وذلك أن من استوطن القرى العربية فهو عربي ومن نزل البادية فهو أعرابي ولهذا لا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب وإنما هم عرب. قال ﷺ :«لا تؤمنّ امرأة رجلاً ولا فاسق مؤمناً ولا أعرابي مهاجراً » قيل : إنما سمى العرب عرباً لأن أولاد إسماعيل عليه السلام نشؤوا بالعربة وهي من تهامة ونسبوا إلى بلدهم، وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم. وقيل : لأن ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم لما في لسانهم من الفصاحة والبلاغة، يحكى عن بعض الحكماء أنه قال : حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، وحكمة اليونان في أفئدتهم وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة العرب في ألسنتهم وذلك لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم. وإنما حكم على الأعراب بأنهم أشد كفراً ونفاقاً لأنهم يشبهون الوحوش. سئل بعض الحكماء ما بال أهل البادية لا يحتاجون إلى الطبيب ؟ فقال : كما لا يحتاج حمر الوحش إلى البياطرة ولاستيلاء الهواء الحار عليهم الموجب لكثرة الطيش والخروج عن الاعتدال، وإن من أصبح وأمسى مشرفاً عليه أنوار النبوة ومشرفاً باستماع مواعظه وآدابه كيف يكون مساوياً لمن نشأ كما يشاء من غير سياسة سائس ولا تأديب مؤدب ؟ ! وإن شئت فقس الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية ولهذا قال ﷺ :«إن الجفاء والقسوة في الفدّادين » أي الأكارين لأنهم يفدّون أي يصيحون. وقوله :﴿وأجدر﴾ أي أولى وأحق ﴿بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله﴾ أي مقادير تكاليفه وأحكامه وما تنتهي إليه الأدلة العقلية والسمعية ﴿والله عليم﴾ بما في قلوب أهل البدو والحضر وأصحاب الوبر والمدر ﴿حكيم﴾ في كل ما قدر من الشرائع وما يتبعها من الجزاء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : الناس ثلاثة : المتضررون المعذرون المعترفون بتقصيرهم، والقاعدون الكذابون، والناصحون المخلصون في الطلب ولكن فيهم الضعفاء والمرضى والفقراء فلا حرج عليهم في القعود عن طلب الكمال بالظواهر مع اشتغال البواطن في الطلب بقدر الاستعداد. ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك﴾ بطريق المتابعة ﴿لتحملهم﴾ على جناح الهمة النبوية وتوصلهم إلى مقامات لم يكونوا بالغيها بجناحي البشرية والروحانية ﴿قلت لا أجد ما أحملكم عليه﴾ ترفاً ودلالاً واستيراء لزناد أشواقهم كما قيل لموسى لن تراني زيادة لشوقه وهم أغنياء لهم الاستعدادات الكاملة فلم يستعملوها في طلب الكمال كسلاً وميلاً إلى اللذات العاجلة. ﴿الأعراب أشد كفراً﴾ إن في عالم الإنسانية بدواً هو نفسه وحضراً هو قلبه، والكفر والنفاق للنفس مقتضى الذات كما أن الإيمان للقلب لذاته بالفطرة، وقد يصير القلب كافراً بسراية النفس وقد تصير النفس مؤمنه بسراية القلب، ولكن النفس تكون أشد كفراً من القلب الكافر كما أن القلب يكون أشد إيماناً من النفس المؤمنة. ﴿حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ يعني الواردات النازلة على الروح فإن القلب حضر الروح كما أن المدينة حضر الرسول ﷺ، ومن النفوس من يعتقد أن ما يصرف من أوقاته في طلب الكمال ضائع وخسار وينتظر بالقلب اشتغالاً وفترة. ﴿عليهم دائرة السوء﴾ باستيلاء القلب عليها وقهرها بما يخالف هواها ﴿والله سميع﴾ يجيب هذا الدعاء ﴿عليم﴾ بمن ينبغي أن يسمع في حقه.
الوقوف :﴿ورسوله﴾ ط ﴿أليم﴾ ه ﴿لله ورسوله﴾ ط ﴿من سبيل﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه لا للعطف، ﴿ما ينفقون﴾ ه ﴿أغنياء﴾ ج لاحتمال أن يكون ﴿رضوا﴾ مستأنفاً أو وصفاً. ﴿مع الخوالف﴾ لا لأن الواو إما للعطف أو للحال. ﴿لا يعلمون﴾ ه ﴿إليهم﴾ ط ﴿من أخباركم﴾ ط ﴿تعملون﴾ ه ﴿لتعرضوا عنهم﴾ ط ﴿عنهم﴾ ط ﴿رجس﴾ ز لاختلاف الجملتين مع شدة اتصال المعنى في إتمام الوعيد. ﴿جهنم﴾ ج لأن جزاء يصلح أن يكون مفعولاً له أو مفعولاً مطلقاً محذوف أي يجزون جزاء ﴿يكسبون﴾ ه ﴿لترضوا عنهم﴾ ط لابتداء الشرط مع فاء التعقيب. ﴿الفاسقين﴾ ه ﴿على رسوله﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿الدوائر﴾ ط ﴿دائرة السوء﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿الرسول﴾ ط ﴿لهم﴾ ط ﴿في رحمته﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه.
ثم عدد مثالب الأعراب وأراد بهم جمعاً معينين كانوا يوالون منافقي المدينة. قال أهل اللغة : رجل عربي إذا كان نسبه إلى العرب ثابتاً، ورجل أعرابي إذا كان بدوياً سواء كان من العرب أو من مواليهم وجمعه أعراب كالمجوسي والمجوس واليهودي واليهود. فالأعرابي إذا قيل له يا أعرابي فرح، وإذا قيل للعربي يا أعرابي غضب، وذلك أن من استوطن القرى العربية فهو عربي ومن نزل البادية فهو أعرابي ولهذا لا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب وإنما هم عرب. قال ﷺ :«لا تؤمنّ امرأة رجلاً ولا فاسق مؤمناً ولا أعرابي مهاجراً » قيل : إنما سمى العرب عرباً لأن أولاد إسماعيل عليه السلام نشؤوا بالعربة وهي من تهامة ونسبوا إلى بلدهم، وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم. وقيل : لأن ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم لما في لسانهم من الفصاحة والبلاغة، يحكى عن بعض الحكماء أنه قال : حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، وحكمة اليونان في أفئدتهم وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة العرب في ألسنتهم وذلك لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم. وإنما حكم على الأعراب بأنهم أشد كفراً ونفاقاً لأنهم يشبهون الوحوش. سئل بعض الحكماء ما بال أهل البادية لا يحتاجون إلى الطبيب ؟ فقال : كما لا يحتاج حمر الوحش إلى البياطرة ولاستيلاء الهواء الحار عليهم الموجب لكثرة الطيش والخروج عن الاعتدال، وإن من أصبح وأمسى مشرفاً عليه أنوار النبوة ومشرفاً باستماع مواعظه وآدابه كيف يكون مساوياً لمن نشأ كما يشاء من غير سياسة سائس ولا تأديب مؤدب ؟ ! وإن شئت فقس الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية ولهذا قال ﷺ :«إن الجفاء والقسوة في الفدّادين » أي الأكارين لأنهم يفدّون أي يصيحون. وقوله :﴿وأجدر﴾ أي أولى وأحق ﴿بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله﴾ أي مقادير تكاليفه وأحكامه وما تنتهي إليه الأدلة العقلية والسمعية ﴿والله عليم﴾ بما في قلوب أهل البدو والحضر وأصحاب الوبر والمدر ﴿حكيم﴾ في كل ما قدر من الشرائع وما يتبعها من الجزاء.