فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ هذا جواب القسم، أي خلقنا جنس الإنسان كائنا في أحسن تقويم وتعديل لصورته، وقال ابن عباس : في أحسن خلق.
قال الواحدي : قال المفسرون : إن الله خلق كل ذي روح مكبا على وجهه إلا الإنسان خلقه مديدا، يتناول مأكول بيده، مزينا بالعلم والفهم والنطق والعقل والتمييز والأدب، فهو أحسن الخلق بحسب الظاهر والباطن، ومعنى التقويم التعديل، يقال : قومته فاستقام، والمراد القوام ؛ لأن التقويم فعل الباري تعالى.
قال القرطبي : هو اعتداله واستواء شأنه، كذا قال عامة المفسرين. قال ابن العربي : ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حيا عالما قادرا مريدا متكلما سميعا بصيرا مدبرا حكيما، وهذه صفات الرب سبحانه، وعليها حمل بعض العلماء قوله ﷺ وآله وسلم " إن الله خلق آدم على صورته " يعني على صفاته التي تقدم ذكرها.
قلت : وينبغي أن يضم إلى كلامه هذا قوله سبحانه ﴿ليس كمثله شيء﴾ وقوله ﴿ولا يحيطون به علما﴾.
ومن أراد أن يقف على حقيقة ما اشتمل عليه الإنسان من بديع الخلق، وعجيب الصنع، فلينظر في كتاب " العبر والاعتبار " للجاحظ، وفي الكتاب الذي عقده النيسابوري على قوله ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ وهو في مجلدين ضخمين.
روي أن رجلا قال لامرأته إن لم تكوني أحسن من القمر فأنت طالق، فأفتى بعض أهل العلم بأنها صارت مطلقة، وقال الشافعي : لم تطلق لأنها من جنس الإنسان، والله تعالى يقول ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ فلو كان القمر أحسن صورة من الإنسان لم يصفه سبحانه تقويم، ولنعم ما قيل :
ما أنت مادحها يا من يشبههابالشمس والبدر بل أنت هاجيها(١)
من أين للشمس خال فوق وجنتهاومضحك من نظام الدر في فيها
من أين للبدر أجفان مكحلةبالسحر والغنج تجري في حواشيها
١ البيت من شواهد الفراء(٣٧١)، وهو في الطبري ٣٠/ ٢٤١، والقرطبي ٢٠/ ١١٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى