تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم ) وقرئ :" واتبعتهم ذريتهم " وفي الخبر موقوفا على ابن عباس ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم :" أن الله تعالى يرفع ذرية المؤمن إلى درجته، وإن لم يبلغها عملهم ؛ لتقر عينهم بهم " (١) وعن بعضهم أن هذا في الآباء مع الأولاد، والأولاد مع الآباء جميعا، كأن الله تعالى يبلغ الوالد درجة الولد إذا كان أرفع منه في الدرجة، ويبلغ الولد درجة الوالد إذا كان أرفع منه في الدرجة. وقد ورد في بعض الكتب : أن هذا يكون أيضا للأخ مع أخيه في الإيمان يقول الأخ : يا رب، ارفعه إلى درجتي، فيقول : إنه لم يعمل مثل عملك، فيقول : إني عملت لنفسي وله.
وفي بعض الأخبار عن النبي صلى الله عليه و سلم " أن أولاد المؤمنين يكونون مع آبائهم في الجنة وأولاد الكفار مع آبائهم في النار. " (٢)
( وفي بعض الأخبار :" أن أولاد المشركين يكونون خدم أهل الجنة " (٣). وقد ثبت برواية عائشة رضي الله عنها : أنه مات صبي من الأنصار، فقالت عائشة : طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال عليه الصلاة والسلام :" يا عائشة أو غير ذلك ؟ إن الله تعالى خلق النار وخلق لها أهلا، وخلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق الجنة وخلق لها أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم " (٤). قال الشيخ الإمام رضي الله عنه : أخبرنا بذلك أبو علي الشافعي رحمه الله بمكة، أخبرنا أبو الحسن بن فراس أخبرنا أبو محمد المقرىء أخبرنا جدي عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، عن النبي صلى الله عليه و سلم. . . والخبر في صحيح مسلم.
وقد قال أهل العلم : إن الأصح في ذرارى المؤمنين أنهم في الجنة، ويحتمل أن النبي صلى الله عليه و سلم إنما قال ذلك على ما كان عرفه في الأصل، ثم إن الله تعالى أخبره أن ذرارى المسلمين في الجنة بهذه الآية وغيرها، وأنما ذرارى الكفار : فالأصح أن الأمر فيهم على التوقف على ما روى عن النبي صلى الله عليه و سلم " أنه سئل عن أطفال المشركين فقال : الله أعلم بما كانوا عاملين " (٥).
وقوله :( بإيمان ) أي : بإيمانهم، إما بإيمانهم بأنفسهم، أو بثبوت الإيمان لهم
بإيمان الآباء.
( ألحقنا بهم ذريتهم ) أي : في الدرجة على ما قلنا. وقوله :( وما ألتناهم من عملهم من شيء ) أي : ما نقصناهم من عملهم من شيء. وقرأ ابن كثير :" وما ألتناهم " بكسر اللام، والأول هو الأولى. وقرأ ابن مسعود :" وما لتناهم " والكل بمعنى واحد.
قال الشاعر :
أبلغ بنى ثقل عني مغلغلةجهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا
قوله تعالى :( كل امرئ بما كسب رهين ) هذا في المشركين، ومعناه : أن الكفار محبوسون في النار بعملهم، وأما المؤمن فهو غير محبوس ولا مرتهن، فإن ارتهن بعمله فلا بد أن يدخل النار. وفي الخبر المعروف أنه عليه الصلاة والسلام قال :" لن ينجي أحدا منكم عمله، قيل : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل له " (٦).
١ - رواه البزار ( ٢/١٠٨ رقم ١٥٠٨ –مختصر الزوائد )، و ابن عدى في الكامل ( ٦/٤٢)، و الطحاوى في المشكل ( ٢/١٥)، و أبو نعيم في الحلية ( ٤/٣٠٢) وقال غريب من حديث عمرو.... ، و البغوي في تفسيره ( ٤/٢٣٩) جمبعهم من حديث ابن عباس مرفوعا به. وقال البزار، لا نعلم أسنده إلا الحسن عن قيس –عن عمرو – وقد رواه الثوري عن موقوفا و الثوري أحفظ من قيس وأوثق. وزاد الزيلعي في تخريج الكشاف ( ٣/٣٧٢) عزوه لابن مردوبة، و الثعلبي و قال الهيثمي في المجمع ( ٧/١١٧) رواه البزار و فيه قيس بن الربيع و ثقة شعبة و الثورى، و فيه ضعف..
٢ - رواه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند ( ١/ ١٢٤-١٢٥)، و ابن عاصم في السنة ( ١/٩٤ رقم ٢١٣ )، و البغوي في تفسيره ( ٤/٢٣٩) من حديث على مرفوعا به. قال ابن الجوزى في جامع المسانيد : في إسناده محمد بن عثمان ’ لا يقبل حديثه، ولا يصح في تعذيب الأطفال حديث. و قال الذهبيييييييي في الميزان ( ٣/٦٤٣ ترجمة محمد بن عثمان ) : لا يدري من هو، فتشبت عنه في أماكن، و له خبر منكر، و فذكره. و في الباب عن عائشة، وانظر تعليقنا عليه في جزء من حديث لوين رقم (٣١)..
٣ - رواه الطاليس ( ٢٨٢ رقم ٢١١١ )، و أبو يعلي ( ٧ /١٣٠-١٣١ رقم ١٣٣٥)، و البزار ( ٢/ ١٦٢ رقم ١٦٢٠، ١٦٢١ –مختصر الزوائد )، و الطبراني في الأوسط ( ٥ /٣٨٦ -٣٨٧ رقم ٣٢٥٥، ٣٢٥٦)، و أبو نعيم في الحلية ( ٦/٣٠٨)، و تمام فب فوائده ( ١/١٠٠ رقم ٢٣٠)، و عن أنس مرفوعا به وله شاهد عن سمسرة ابن جندب. و انظر الصحيحة ( ١٤٦٨).
.

٤ - تقدم تخريجه..
٥ - متفق عليه من أبي هريرة، رواه البخاري (٣ /٢٨٩ رقم ١٣٨٤، و طرفاه : ٦٥٩٨، ٦٦٠٠)، ومسلم ( ١٦/ ٣٢٢-٣٢٣ رقم ٢٦٥٩). و عن لبن عباس، رواه البخاري ( ٣/ ٢٨٩ رقم ١٣٨٣، و طرفه : ٦٥٩٧) و مسلم ( ١٦/ ٣٢٣ رقم ٢٦٦٠)..
٦ - تقدم تخريجه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى