فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
لما فرغ سبحانه من ذكر أهل الجنة على العموم ذكر حال طائفة منهم على الخصوص، فقال :﴿والذين ءامَنُواْ واتبعتهم ذُرّيَّتُهُم بإيمان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ﴾ والموصول مبتدأ، وخبره ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ﴾ ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مقدّر : أي وأكرمنا الذين آمنوا، ويكون ألحقنا مفسراً لهذا الفعل المقدّر. قرأ الجمهور ﴿واتبعتهم﴾ بإسناد الفعل إلى الذرّية. وقرأ أبو عمرو ( أتبعناهم ) بإسناد الفعل إلى المتكلم، كقوله :﴿ألحقنا﴾. وقرأ الجمهور :( ذرّيتهم ) بالإفراد. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو ويعقوب بالجمع، إلاّ أن أبا عمرو قرأ بالنصب على المفعولية لكونه قرأ :( وأتبعناهم )، ورويت قراءة الجمع هذه عن نافع، والمشهور عنه كقراءة الجمهور. وقرأ الجمهور ﴿ألحقنا بهم ذرّيتهم﴾ بالإفراد. وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب على الجمع، وجملة :﴿واتبعتهم ذُرّيَّتُهُم﴾ معطوف على ﴿آمنوا﴾ أو معترضة، و ﴿بإيمان﴾ متعلق بالاتباع، ومعنى هذه الآية : أن الله سبحانه يرفع ذرّية المؤمن إليه، وإن كانوا دونه في العمل لتقر عينه وتطيب نفسه بشرط أن يكونوا مؤمنين، فيختصّ ذلك بمن يتصف بالإيمان من الذرّية وهم البالغون دون الصغار، فإنهم وإن كانوا لاحقين بآبائهم فبدليل آخر غير هذه الآية. وقيل : إن الذرّية تطلق على الكبار والصغار، كما هو المعنى اللغوي، فيلحق بالآباء المؤمنين صغار ذرّيتهم وكبارهم، ويكون قوله :﴿بإيمان﴾ في محل نصب على الحال : أي بإيمان من الآباء. وقيل : إن الضمير في ﴿بِهِمُ﴾ راجع إلى الذرّية المذكورة أوّلاً : أي ألحقنا بالذرّية المتبعة لآبائهم بإيمان ذرّيتهم. وقيل : المراد بالذين آمنوا المهاجرون والأنصار فقط، وظاهر الآية العموم، ولا يوجب تخصيصها بالمهاجرين والأنصار كونهم السبب في نزولها إن صحّ ذلك، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ﴿وَمَا ألتناهم مّنْ عَمَلِهِم مّن شَيْء﴾ قرأ الجمهور بفتح اللام من :«ألتنا » وقرأ ابن كثير بكسرها : أي وما نقصنا الآباء بإلحاق ذرّيتهم بهم من ثواب أعمالهم شيئًا، فضمير المفعول عائد إلى الذين آمنوا. وقيل : المعنى : وما نقصنا الذرية من أعمالهم شيئًا لقصر أعمارهم، والأول أولى، وقد قدمنا تحقيق معنى لاته وألاته في سورة الحجرات. وقرأ ابن هرمز ( آلتناهم ) بالمدّ، وهو لغة، قال في الصحاح : يقال : ما آلته من عمله شيئًا : أي ما نقصه ﴿كُلُّ امرئ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ رهين بمعنى مرهون، والظاهر أنه عامّ، وأن كل إنسان مرتهن بعمله، فإن قام به على الوجه الذي أمره الله به فكه وإلاّ أهلكه. وقيل : هو بمعنى راهن، والمعنى : كلّ امرئ بما كسب دائم ثابت. وقيل : هذا خاصّ بالكفار لقوله :﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلاَّ أصحاب اليمين﴾ [المدثر: ٣٨، ٣٩].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج سعيد بن منصور وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال :«إن الله ليرفع ذرّية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقرّ به عينه. ثم قرأ :﴿والذين ءامَنُواْ واتبعتهم ذُرّيَّتُهُم﴾ الآية. وأخرجه البزار وابن مردويه عنه مرفوعاً. وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه أيضاً أن النبيّ ﷺ قال :«إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده فيقال : إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك، فيقول : يا ربّ قد عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به»، وقرأ ابن عباس ﴿والذين ءامَنُواْ واتبعتهم ذُرّيَّتُهُم﴾ الآية. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله ﷺ :«إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار»، ثم قرأ رسول الله ﷺ :﴿والذين ءامَنُواْ﴾ الآية، وإسناده هكذا. قال عبد الله بن أحمد : حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا محمد بن فضيل، عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن عليّ بن أبي طالب قال :«سألت خديجة النبيّ ﷺ عن ولدين ماتا لها في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : هما في النار، فلما رأى الكراهة في وجهها قال : لو رأيت مكانهما لأبغضتهما، قالت : يا رسول الله فولديّ منك. قال : في الجنة، قالت : ثم قال رسول الله ﷺ : إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار، ثم قرأ :﴿والذين ءامَنُواْ﴾» الآية. وقال الإمام أحمد في المسند : حدّثنا يزيد، حدّثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول : يا ربّ من أين لي هذا ؟ فيقول : باستغفار ولدك لك» وإسناده صحيح. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، والحاكم عن ابن عباس :﴿وَمَا ألتناهم﴾ قال : ما نقصناهم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ﴿لاَّ لَغْوٌ فِيهَا﴾ يقول : باطل ﴿وَلاَ تَأْثِيمٌ﴾ يقول : كذب. وأخرج البزار عن أنس قال : قال رسول الله ﷺ :«إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإخوان، فيجيء سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا، فيتحدّثان، فيتكئ ذا، ويتكئ ذا، فيتحدّثان بما كانوا في الدنيا، فيقول أحدهما : يا فلان تدري أيّ يوم غفر الله لنا ؟ يوم كنا في موضع كذا وكذا، فدعونا الله فغفر لنا». وأخرج ابن المنذر عن عائشة قالت : لو فتح الله على أهل الأرض من عذاب السموم قدر الأنملة لأحرقت الأرض ومن عليها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿إِنَّهُ هُوَ البرّ﴾ قال : اللطيف. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عنه أن قريشاً لما اجتمعوا إلى دار الندوة في أمر النبيّ ﷺ قال قائل منهم : احبسوه في وثاق، وتربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء : زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله في ذلك :﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون﴾. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿رَيْبَ المنون﴾ قال : الموت.