الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿والذين ءامَنُواْ﴾ معطوف على ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي : قرناهم بالحور وبالذين آمنوا، أي : بالرفقاء والجلساء منهم، كقوله تعالى :﴿إِخْوَانًا على سُرُرٍ متقابلين﴾ [الحجر: ٤٧] فيتمتعون تارة بملاعبة الحور، وتارة بمؤانسة الإخوان المؤمنين ﴿واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم﴾ قال رسول الله ﷺ :" إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقرّبهم عينه " ثم تلا هذه الآية. فيجمع الله لهم أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم، ومزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الإخوان المؤمنين، وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم. ثم قال :﴿بإيمان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ﴾ أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل، وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجاتهم ذريتهم وإن كانوا لا يستأهلونها، تفضلاً عليهم وعلى آبائهم، لنتم سرورهم ونكمل نعيمهم.
فإن قلت : ما معنى تنكير الإيمان ؟ قلت : معناه الدلالة على أنه إيمان خاص عظيم المنزلة. ويجوز أن يراد : إيمان الذرية الداني المحل، كأنه قال : بشيء من الإيمان لا يؤهلهم لدرجة الآباء ألحقناهم بهم. وقرىء :«وأتبعتهم ذريتهم وأتبعتهم ذريتهم ». وذرياتهم : وقرىء :«ذرياتهم » بكسر الذال. ووجه آخر : وهو أن يكون ﴿والذين ءامَنُواْ﴾ مبتدأ خبره ﴿بإيمان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ﴾ وما بينهما اعتراض ﴿وَمَا ألتناهم﴾ وما نقصناهم. يعني : وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا من الثواب والتفضل، وما نقصناهم من ثواب عملهم من شيء. وقيل معناه : وما نقصناهم من ثوابهم شيئاً نعطيه الأبناء حتى يلحقوا بهم، إنما ألحقناهم بهم على سبيل التفضل. قرىء :«ألتناهم » وهو من بابين : من ألت يألت، ومن ألات يليت، كأمات يميت. وآلتناهم، من آلت يؤلت، كآمن يؤمن. ولتناهم، من لات يليت. وولتناهم، من ولت يلت. ومعناهنّ واحد ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ أي مرهون، كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به، كما يرهن الرجل عبده بدين عليه، فإن عمل صالحاً فكها وخلصها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى