التفسير المظهري — المظهري
عن الكتاب
﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها١﴾ أي حركت حركة واضطرابا مناسبا بشأنها في العظمة ولا بقاء بها في الحكمة، أو حركة ممكنا لها، أو مقدرا لها. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : تحركت من أسفلها. واختلفوا في تلك الزلزلة : هل هي بعد النفخة الثانية وقيام الناس من قبورهم أو قبل النفخة الأولى في الدنيا من أشراط الساعة ؟ فاختار الحليمي وغيره الأول، وابن العربي ومن معه الثاني محتجين بقوله تعالى :﴿يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمَّا أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى﴾(١) وأجاب أهل المقالة الأولى أن خرج مخرج المجاز والتمثيل لشدة الهول لا على حقيقة، مستدلين بما أخرج الترمذي -وصححه - عن عمران ابن حصين قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم : فنزلت ( يا أيها يوم ترونها تذهل كل مرضعة ) الآية فقال :" أتدرون أي يوم ذلك ؟ يوم يقول الله لآدم ابعث بعث النار " (٢) الحديث، وله طرق في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يقول الله يوم القيامة لآدم : قم فابعث بعث النار من ذريتك ؟ فيقول : أي رب وما بعث النار ؟ فيقول : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، ويبقى واحد، فعند ذلك يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد "، فشق ذلك على الناس فقالوا : يا رسول الله وأينا ذلك الواحد ؟ فقال :" من يأجوج ومأجوج ألف، ومنكم واحد، وهل أنتم في أمم إلا كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ". وقال أهل المقالة الثانية : هذا الحديث لا يدل على أن الزلزلة يكون حين الأمر ببعث النار ؛ بل في ذلك اليوم والأمر متأخر عنها، فكأنه صلى الله عليه وسلم لما أخبر عن الزلزلة التي يكون متقدمة على النفخة الأولى ذكر ما يكون في ذلك اليوم من الأهوال العظام، قلت : وعبارة حديث الصحيحين يأبى عن هذا التأويل، فإنه فيه " فعند ذلك " أي عند بعث النار يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، والله تعالى أعلم. قلت : جاز أن يتكرر الزلزلة مرة في أشراط الساعة، ومرة بعد البعث.
١ سورة الحج، الآية: ٢..
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: قوله عز وجل: ﴿إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ (٦٥٣٠)، وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: قوله (يقول الله لآدم أخرج بعث النار) (٢٢٢)..
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: قوله عز وجل: ﴿إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ (٦٥٣٠)، وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: قوله (يقول الله لآدم أخرج بعث النار) (٢٢٢)..