البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
يقول الحق جلّ جلاله :﴿إِذا زُلزلت الأرضُ﴾ أي : حُركت تحريكاً عنيفاً مكرراً متداركاً، ﴿زِلزالها﴾ أي : الزلزلة المخصوصة بها على مقتضى المشيئة الإلهية، وهو الزلزال الشديد الذي لا غاية وراءه، أو : زلزالها العجيب الذي لا يُقادر قدره. قال ابن عرفة : المراد : الأرض الأولى ؛ لأنّ الثانية ليس فيها أموات. ولكن السموات عند المنجِّمين متلاصقة بعضها مع بعض، وكذلك الأرضون، وعندنا يجوز أن يكون بينهما تخلُّل، وهو ظاهر حديث الإسراء. ه.
وذلك عند النفخة الثانية لقوله تعالى :﴿وأخرجت الأرضُ أثقالها﴾
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إذا زُلزلت أرضُ النفوس زلزالها اللائق بها، وحُركت بالواردات والأحوال، وتحققت الغيبة عنها بالكلية، أشرقت شمس العرفان، فغطّت وجودَ الأكوان، كما قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه مُنشِداً :
فلو عاينت عيناك يوم تزلزلتأرض النفوس ودُكت الأجبال
لرأيتَ شمس الحق يسطع نورهايوم التزلزل والرجال رجال
وأخرجت حينئذ ما فيها من العلوم، يومئذ تُحَدِّث أخبارها : أخبار الأسرار الكامنة فيها، بأنّ ربك أوحى لها إلهاماً. يومئذ يَصْدُر الناسُ من الفناء إلى البقاء، أشتاتاً، فمنهم الغالب حقيقته، ومنهم الغالب شريعته، ومنهم المعتدل. أو : فمنهم الغالب عليه القبض والقوة، ومنهم الغالب عليه البسط والليونة، وهذا أعم نفعاً. والله أعلم. وذلك لِيُروا أعمال مجاهدتهم بالتنعُّم في مشاهدتهم، فمَن يعمل مثقال ذرة خيراً ـ بأن ينقص من نفسه عادةً في سيره ـ يرَ جزاء ذلك، ومَن يعمل مثقال ذرة شرًّا ـ بأن يزيد من الحس شيئاً في الظاهر ـ يره، فإنه ينقص من معناه في الباطن، إلاّ إذا تمكّن من الشهود. وبالله التوفيق وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.


وذلك عند النفخة الثانية لقوله تعالى :﴿وأخرجت الأرضُ أثقالها﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى