اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :«جُزْءاً » قرأ عاصم في رواية أبِي بَكْرٍ جزءاً بضم الجيم والزَّاي، في كل القرآن(١)، والباقون بإسكان الزاي في كُلِّ القرآن. وهما لغتان.
وأما حمزة فإذا وقف قال : جُزَا بفتح الزاي بلا همزٍ(٢). و«جزءاً » مفعول أول للجعل والجعل تَصْيِيرٌ قولي. ويجوز أن يكون بمعنى سَمَّوْا واعْتَقَدُوا.
وأغربُ ما قيل هنا : أن الجزء الأنثى، وأنشدوا :
٤٣٩٦ إنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يَومْاً فَلاَ عَجَبٌقَدْ تُجْزِىءُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أَحْيَانَا(٣)
وقال الآخر :
٤٣٩٧ زَوَّجْتُهُ مِنْ بَنَاتِ الأَوْسِ مُجْزِئَةًلِلْعَوْسجِ اللَّدْنِ في أَبْيَاتِهَا زَجَلُ(٤)
قال الزمخشري : أثر الصنعة فيهما ظاهر(٥).
وقال الزَّجَّاجُ والأَزْهَرِيُّ : هذه اللغة فاسدة، وهذه الآبيات مصنوعة(٦).

فصل


المشهور أن المراد من هذا الجعل أنهم أثبتوا لله وَلَداً بمعنى حكموا به، كما تقول : جَعَلْتُ زيداً أفضلَ الناس أي وصَفْتُهُ وحكمت به، وذلك قولهم : المَلاَئكةُ بناتُ الله ؛ لأن ولد الرجل جزء منه، قال عليه الصلاة والسلام، «فَاطِمَةُ بضْعَةٌ منِّي »(٧).
والمعقول من الولد أن ينفصل من الوالد جزء من أجزائه ثم يتربى ذلك الجزء ويتولد منه شخص مثلك ذلك الأصل، وإذا كان كذلك فولد الرجل جزء منه(٨).
وقيل : المراد بالجزء إثبات الشركاء لله، وذلك أنهم لما أثبتوا الشركاء فقد زعموا أن كل العباد ليست لله، بل بعضها لله، وبضعها لغير الله، فهم ما جعلوا لله من عباده كلهم، بل جعلوا له من بعضهم جزءاً منهم. قالوا : وهذا القول أولى، لأنا إذا حملنا هذه الآية على إنكار الشريك لله وحملنا الآية التي بعدها على إنكار الولد لله كانت الآية جامعة للرد على جميع المبطلين، ثم قال :«إنَّ الإنسَانَ لَكَفُور » يعني الكافر لكفور جحود لنعم الله «مُبين » ظاهر الكفر(٩).
١ ليست من المتواتر بل هي من الأربع فوق العشرة. انظر الإتحاف ٣٨٥ والرازي ٢٧/٢٢٠..
٢ انظر السابقين..
٣ من البسيط ولم أهتد إلى قائله.
وشاهده: أن أجزأت وتجزئ بمعنى تلد الإناث وهو معنى غريب نقل، ولم يرتضه أولو العلم الخلص فقد قال الزجاج: أنشدني بعض أهل اللغة بيتا يدل على أن معنى جزء معنى الإناث، ولا أدري البيت قديم أو مصنوع، ثم قال كذلك صاحب اللسان انظر معاني الزجاج ٤/٤٠٧ والدر المصون ٤/٧٧٥، وغريب القرآن ٣٩٦ وتفسير غريب القرآن للسجستاني ٢٢٤ والكشاف ٣/٤٨١ وشرح شواهده ٥٥٨، ومجمع البيان ٩/٦٤ والبحر المحيط ٨/٨..

٤ البيت صدره فقط في القرطبي ١٦/٦٩، والبحر ٨/٨ وبتمامه في اللسان جزأ ٦١٣ وغريب القرآن ٣٩٦، إلا أن الرواية التي ذكرها المؤلف تبعا للسمين ٤/٧٧٦ وفي اللسان وبقية المراجع: زوجتها وهو من البسيط وقد أنشده أبو حنيفة الدينوري كما قال صاحب اللسان.
والشاهد: مجزئة: أي تلد الإناث ومعنى البيت أنها امرأة غزالة بمغازل سويت من شجر العوسج، وانظر المراجع السابقة والكشاف ٣/٤٨١، وشرح شواهد ٥٠١..

٥ قال: "ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أن الجزء في لغة العرب اسم للإناث وما هو إلا كذب على العرب، ووضع مستحدث منحول"..
٦ قال الزجاج ٤/٤٠٧ في معاني القرآن: "ولا أدري البيت قديم أم مصنوع"، وانظر تهذيب الأزهري جزأ..
٧ ذكره الإمام السيوطي في جامع الأحاديث ٤/٦٢٢ عن المسور ـ رضي الله عنه ـ..
٨ ذكره الرازي في تفسيره ٢٧/٢٠٠ قال: وهو المشهور..
٩ السابق، وانظر أيضا الكشاف ٣/٤٨١، والقرطبي ١٦/٦٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى